إبراهيم اليوسف
قبل سنوات قليلة، أعلمني الصديق الروائي جميل إبراهيم أن نجله أعلمه بأن الصديق الكاتب محمد حلاق قد لجأ إلى ألمانيا، وقد التقاه في- كامب مدينة بوخم- مقدماً لجوءه وأسرته، وعندما سألته عن أي خيط يصلني به: رقم هاتف؟ عنوان ما؟، إلا إن كلينا لم يفلح في ذلك، فقد ظللت أسأل من أستطيع الوصول إليهم، من الأصدقاء المشتركين، أيضاً، عن رقم هاتفه، أو عنوانه، أو بعض مقربيه المتابعين؟، من دون جدوى، إلى أن أعلمني الصديق يونس الحكيم ذات يوم:
لقد رحل صديقك محمد حلاق!
لا أخفي أن صدمتي بغيابه- المباغت- كانت كبيرة، فأبو بدور من أقرب مقربي، منذ أن عرفته في أول الثمانينيات، من خلال أمرين: علاقتي بالحزب الشيوعي السوري، وكان له حضوره التنظيمي، وثانيهما من خلال لقاءاتنا الأدبية هو ومحمد عفيف ومحمد نور وعبد المقصد- الحسينيين- ويونس الحكيم وجميل داري من عامودا، وأنا وعبد السلام نعمان وإبراهيم محمود وعبد اللطيف عبد الله وجمعة جمعة من قامشلي، ومؤكد أنه كان هناك آخرون ممن دأبنا حضور ندوات حلقات كتب. يتم تحديد رواية ما، نقرؤها جميعاً، خلال أسبوع، وتناقشها. إما في عامودا، أحياناً، أو في قامشلي، غالباً، إن لم أقل: دائماً، إذ كان الحضور في قامشلي بأكثر، لأن محمد عفيف كان الأكثر التزاماً على الحضور، إلى أن انتقل الصديق محمد حلاق إلى قامشلي، وعملنا- تنظيمياً- معاً، عندما كانت هيئة المثقفين التي كان هو من وجوهها السابقين علينا تضم الكثير الكثير من المثقفين، ومن بينهم الكتاب والفنانون، إلى جانب الأطباء والمهندسين والمحامين والمدرسين، وقد ظل ملتزماً بالحزب حتى بعد أن انتهت دورة مسؤوليته، وغدوت مسؤولاً عن الهيئة مع فريق من رفاق جدد، إذ استمر في العطاء بالروح نفسها، رغم اختلافه مع بعض الوجوه، لاسيما أحد الرفاق الراحلين، نتيجة مبدئيته. شجاعته، وكان أن دافع عن موقفي ذات مرة في وجه أحد أكبر الأعمدة عندما ذكرت اسم أحدهم بود، فحاول النيل منه!
فقلت: أعتز به، وما لا يمكن ذكره هنا، باعتبار أن رفاق تلك المرحلة يعرفون تلك الحادثة، وكان توقيتها، عشية انتخابات ما كان يسمى ب” مجلس الشعب”. ما أرمي إليه، باستذكار الحادثة: بطولة أبي بدور، وغيرته في الدفاع عن أصدقائه، حتى ولو كان ذلك مكلفاً. كما تقتضي روح- الثائر- ولقد كان صديقي محمد معروفاً بمثل هذه المواقف، سواء أكان ذلك في المدرسة، وقد عملنا معاً في أكثر من مدرسة: الثانوية الزراعية- معهد إعداد المعلمين” الصف الخاص”- معهد إعداد مدرسي اللغة العربية، فقد كان كريماً، شهماً، لا يساوم على قولة الحق. وما أفرحني أنه انتقل إلى الحي الذي أقطنه، قرب منزل الشاعر الراحل جكرخوين، فقد كان بيته أحد عناويني الدائمة كما كان بيتي عنوانه وأصدقاء مقربين. نلتقي. نتناقش في الأدب والسياسة. أقرأ عليه أية قصيدة جديدة أكتبها، أتذكر أنه قال لي ذات مرة: ضع كلمة” السوسنة” هنا، بدلاً عن مفردة كنت وضعتها، فلم أتردد في ذلك، تقديراً له، رغم تشبثي-عادة- بلغتي، ولم أفعل ذلك إلا مرتين:
في هذه المرة، وفي صيف العام 2004، عندما كتبت في الطريق من هولير/ أربيل، إلى مرقد البارزاني الخالد في جبال بارزان، وتدخل صديقي الباحث إبراهيم محمود في استبدال مفردة، بأخرى لي كتبتها، ونحن نجلس إلى جانب بعضنا بعضاً، في الحافلة التي تقلنا. إذ كان محمد حلاق: ناقداً، مشروع مفكر ممكن الاستفادة منه، كما عدد كبير من الشيوعيين التي ضيع التنظيم الحزبي مواهبهم، ومنهم من أنقذ ذاته، متأخراً، ومنهم من لم ينتبه إلا أهمية موهبته، وثقافته، إلا بعد فوات الأوان. وهذا ما يحدث في أي تنظيم سياسي، من قبل من يعمل فيه بصدق، وهو ما نكبنا الكثير، في هذا المجال.
ساهم محمد حلاق خلال عقود حياته في العمل في مجال التدريس، كأحد المدرسين البارزين الذين يواجهون- الفساد التربوي- ولعل الكثير من الزملاء والطلاب يعرفون هذه الخصلة فيه، وفي نخبة من المدرسين الأمناء على اشرف المهنة، كما ساهم في تنشئة جيل متشرب بالوعي الإنساني، من خلال محاضراته القيمة التي كان يقدمها للشباب، ناهيك عن محاضراته، ومداخلاته المعرفية العميقة، لاسيما في ما يتعلق بعلم الجمال، والنقد تحديداً، ونشر بعض تلك الدراسات والمقالات، في عدد من المنابر- دراسات اشتراكية- و نضال الشعب- صوت الشعب- هذا الإرث الكتابي، من الضروري جمعه من قبل رفيقة دربه المربية فلك عيادة، وكريمته بدور، وشقيقها، وشقيقه: محمود، ومن هناك في الوطن من رفاق وأصدقاء محمد حلاق الذين كان يلتقيهم في ندواتنا، أو من كانوا على مقاعد الدراسة، أو رفاقه، وإن غادرهم، بعد السفر إلى الكويت، بغرض العمل، وقد أكد صديقنا المشترك الباحث عصام حوج الذي طالما التقيناه معاً، أنه عاد للعمل الحزبي، ونشر في جريدة” قاسيون” أكثر من مقال، قبل أن ييأس من كل شيء، ولا يجد غير خيار وحيد، كما قال لي عدد من أصدقائنا المشتركين، في الغرق في- الروحانيات- التي تعد محطة جديدة، من صفائه ونقائه الروحيين.
لقد كان جاداً في عمله، أتذكر أنه استعار حوالي مئتي كتاب من مكتبتي، ليعيرها لطلابه، وكنت أخجل من المطالبة باستعادتها، كما أكثر من حالة: إعارة مكتبتي الكردية- شبه كاملة للصديق محمد نور- أو عشرات الكتب أخذتها مهتمة-عامودية- بالشعر من بيتنا، ولم تعدها، وحدث أن عمل في الكويت، أربع سنوات، وبعد أن عاد زرته، واستعدت ما تبقي من الكتب. وحدث موقف طريف، عندما طالبته بكتب محددة: الثابت والمتحول- مثلاً- قال بحب أبوي: لن أعطيك بعضها، حتى تتعلم وتشدد على المطالبة بكتب مكتبتك، فلو استعدت كتبك مني لاقتنيت بدلاً عنها، فضحكنا، وتم ما أراد!
حقيقة، إن حزني جد كبير وأنا أستذكر هذا الصديق الذي لم يغب عن بالي، البتة، لأنه بعد فراق حوالي عقدين زمنيين، جاء إلى ألمانيا، وأقام في” مونستر“، ولم أعلم بذلك، إلا بعد وفاته. حزين لأني لم ألتق بنجله. بأسرته، حتى الآن، رغم ما لهذا الصديق من ديون في ذمتي، نتيجة وفائه. إخلاصه. إنسانيته. براءته، وهو المشاكس، سريع الغضب، في وجه أي خطأ.
بعد نشري لخبر وفاته، على صفحتي، تم التواصل بيني وبعض أسرته، منهم شقيقه محمود الذي قال لي، بعد فوات الأوان:
أتعلم كم طلب محمد رقمك هاتفك مني!
رحمك الله أبا بدور الغالي الوفي. الوديع. الطيب. الثائر. النقي. الأصيل.