من ذاكرة قطمة .. فرقة قطمة للفلكلور الشعبي الكوردي

خالد حسو

حين نعود بذاكرتنا إلى الماضي، إلى تلك الأيام التي كان فيها الفرح بسيطًا وصادقًا، نستحضر وجوهًا وأصواتًا صنعت جزءًا من ذاكرة قريتنا الجميلة. ومن بين تلك الذكريات تبرز فرقة قطمة للفلكلور الشعبي الكوردي التي شكّلت علامة مضيئة في تاريخ قرية قطمة وتراثها الفني.

تُعدّ فرقة قرية قطمة (Qitmê) في منطقة جياي كورمينج – ريف عفرين من أقدم الفرق الكوردية التي اهتمت بالفلكلور الشعبي الكوردي وسعت إلى الحفاظ على هذا التراث الغني ونقله للأجيال اللاحقة. وقد عُرفت باسم كوما قطمة (Koma Qitmê)، وبدأ نشاطها الفني ما بين عامي 1956 – 1961، في فترة كان فيها الاهتمام بالفن الشعبي والتراث الكوردي يمثل جزءًا مهمًا من هوية المجتمع وثقافته.

وخلال تلك السنوات، شاركت الفرقة في العديد من المناسبات الرسمية التابعة للدولة، وكان من أبرزها مهرجان القطن في مدينة حلب، إضافة إلى مشاركاتها في المراكز الثقافية وفعاليات نقابة الفنانين. وقد أسهمت هذه المشاركات في تعريف الجمهور بشكل أوسع بالفلكلور الشعبي الكوردي وما يحمله من ألوان فنية وتراثية مميزة.

وكان لمختار القرية آنذاك السيد محمد رشيد آغا وأبنائه دور كبير في دعم هذه الفرقة وتشجيع نشاطها الفني، حيث وقفوا إلى جانبها وساندوها في مختلف مشاركاتها، الأمر الذي ساعد على استمرارها وظهورها في العديد من المناسبات الثقافية والفنية.

كما كان للمرحوم أحمد مختار رشيد آغا الملقّب بـ (Zêro)، وهو شقيق محمد رشيد آغا (أبو رشدي)، دورٌ بارز في مسيرة الفرقة في بداياتها. ففي تلك المرحلة كان يشغل منصب قائد الشرطة في دير الزور، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى طرطوس حيث واصل مسيرته المهنية هناك، ومع ذلك بقي مهتمًا وداعمًا للنشاطات الثقافية والتراثية المرتبطة بقريته وأهلها.

ومن الذكريات الجميلة المرتبطة بتاريخ هذه الفرقة، أن مختار قرية قطمة السيد عارف مختار محمد رشيد آغا (أبو محمد) تكرّم قبل نحو عشر سنوات بإرسال هذه الصورة من أرشيفه الخاص عبر تطبيق الواتساب، لتبقى شاهدًا حيًا على تلك المرحلة الجميلة من تاريخ قريتنا.
ولم يكتفِ بذلك، بل ذكر أيضًا أسماء المشاركين في الفرقة الذين ظهروا على خشبة المسرح في تلك الفترة.
وقد قال لي متذكرًا تلك الأيام:

“كنت في ريعان شبابي آنذاك، وكنت من بين المتفرجين إلى جانب والدي وعدد من أهالي قرية قطمة الذين حضروا ذلك الحدث، وكانت لحظات مليئة بالفخر والفرح ونحن نشاهد أبناء قريتنا يقدمون فنهم وتراثهم أمام الجمهور.”

كما شاركت فرقة قطمة لسنتين متتاليتين في مهرجان القطن بمدينة حلب، وقد حضر المهرجان آنذاك عدد من وجهاء القرية، وفي مقدمتهم المختار المرحوم محمد رشيد آغا ونجلاه الدكتور رشدي مختار محمد رشيد آغا وعارف مختار محمد رشيد آغا، إضافة إلى عدد كبير من رجال قرية قطمة الذين حضروا لمساندة أبناء قريتهم وتشجيعهم.

ويعود تاريخ إحدى هذه المشاركات، والمرفقة صورتها، إلى 09.09.1960، وهي صورة تحمل في طياتها الكثير من الذكريات الجميلة التي بقيت محفورة في ذاكرة أبناء القرية.
أما أعضاء الفرقة الذين شاركوا في تلك الفترة فهم:
1️⃣ Hemedo Hemdo
2️⃣ علي حسن
3️⃣ علي بربر
4️⃣ حنان حمدو (حناني آليه) – Henanî Alê
5️⃣ محمد عمر
6️⃣ خليل مصطفى (خليلي محبوبه – أبو حموش)
7️⃣ منان عمر – Menanî Kalê
8️⃣ محمد أحمد أوسكي – Mehemedî Ûskê
رحم الله من رحل منهم، وحفظ ذكرهم في ذاكرة القرية وتاريخها.

وما زلتُ شخصيًا أتذكر جميع الأشخاص الذين وردت أسماؤهم، وخاصة المبدع المرحوم أبو حموش وHenanî Alê وHemedo Hemdo، الذين تركوا بصمة جميلة في ذاكرة هذا العمل الفني الشعبي، وكان لهم حضور مميز في تلك المرحلة التي ازدهر فيها الفن الشعبي في قريتنا.

وعندما نتذكر قطمة وهؤلاء المبدعين الذين أسهموا في إحياء الفلكلور الشعبي الكوردي، لا بد لنا أيضًا أن نتذكر اسم المغني والمبدع الشعبي Bergedî Meman، الذي كان بصوته وأغانيه يضفي على تلك المناسبات أجواءً من الفرح والمحبة، وكان قادرًا على أن يصنع البهجة والسرور في قلوب الجميع، لتبقى ذكراه حاضرة في وجدان من عاش تلك الأيام الجميلة.

وهي القرية التي نشأتُ وترعرعتُ فيها، وكبرت بين أهلها وذكرياتها. فمن بين أزقتها ووجوه أهلها الطيبين حملتُ معي أولى ملامح تلك الراية؛ راية الفن والتراث التي كانت حاضرة في حياتنا اليومية، والتي مهدت لي الطريق لاحقًا لأحمل أيضًا راية العلم والمعرفة. فكانت قطمة بالنسبة لي أكثر من مجرد قرية، بل كانت المدرسة الأولى التي تشكّلت فيها ذاكرتي وهويتي.

إنها ذكريات تحمل عبق الماضي، وتشهد على جهود أبناء القرية في الحفاظ على الفن والتراث الكوردي الأصيل، لتبقى فرقة قطمة صفحة مشرقة في تاريخ قرية قطمة وتراثها الثقافي، ودليلًا على الدور الذي لعبه أبناء القرية في صون هذا التراث وإحيائه.

كل الشكر والتقدير للأخ عارف مختار محمد رشيد آغا على هذه المشاركة القيّمة من أرشيفه الخاص، وعلى حرصه في توثيق تاريخ قريتنا للأجيال القادمة.

المصدر:
مختار القرية عارف مختار محمد رشيد آغا
وعمي الخطاط بشير أوسو شيخو حسو، الذي كان مقيمًا آنذاك في مدينة حلب، حيث أكد مشاهدته لهذه المشاركة وذكر بعض الأسماء.

كلمة أخيرة من الذاكرة
قد تمرّ السنوات وتتبدّل الأزمنة، لكن تبقى بعض الصور والأصوات والوجوه محفورة في الذاكرة لا تمحوها الأيام. فهؤلاء الذين صنعوا الفرح في قريتنا، وغنّوا ورقصوا وقدّموا فنهم بصدق ومحبة، لم يكونوا مجرد فرقة فنية عابرة، بل كانوا جزءًا من روح قطمة وذاكرتها الجميلة.

إن استذكار هذه الأسماء اليوم ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو وفاءٌ لتلك الجهود الصادقة التي ساهمت في حفظ الفلكلور الشعبي الكوردي وإبقائه حيًا في وجداننا. رحم الله من رحل منهم، وأطال الله عمر من بقي، ولتبقَ هذه الذكريات جسراً يربط بين الماضي الجميل وحاضرنا وأجيالنا القادمة.

Khaled Hasso
خالد حسو

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

عبدالعزیز قاسم

 

قبل نحو أربعة قرون، أشار الشاعر والفيلسوف الكردي أحمد خاني في ملحمته الشهيرة «مم وزين» إلى العديد من المظاهر الاجتماعية والاحتفالية في المجتمع الكردي، ولا سيما في أبيات عيد نوروز ومراسيم زواج تاجدين وستي، إلى العديد من الظواهر والمشاهد التي نراها اليوم في الكرنفالات الأوروبية؛ بدءا من سباق الخيول أو مايسمى «جرید»، إلى الألعاب…

نزار يوسف

 

يقول الفيلسوف الالماني آرثر شوبنهاور: “الفن ليس تقليداً للطبيعة بل استكمالاً لنقصها”.

في هذه المحن الصعبة و المنعطفات التاريخية التي يمر بها وطننا وشعبنا، نَحنُ لصوتك المؤثّر واغانيك المعبرة.

فنان الذي ركن للخلود، كان منارة للفن المبدع الحر، قلّ مثيله في ذلك الزمن العصيب وهذا الزمن الذي ضعضعته الصراعات، كسرته وهزّته الاضطرابات، وطاولة مستديرة يجتمع حولها…

إعداد ناشرون فلسطينيون

صدر الكتابان شهرزاد ما زالت تروي والكتابة في الوجه والمواجهة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، وفي استعادة هذين المؤلفين للكاتب فراس حج محمد إعادة تسليط الضوء لا على التجربة النقدية وحدها بخصوص إبداع المرأة، وإنما أيضا للاحتفاء بهذا الإبداع وصاحبات هذه الإبداع، على الرغم من أن الكاتب ما زال يتابع جهوده في الكتابة والمتابعة…

عِصْمَتْ شَاهِينِ الدُّوسَكِي

طَرِيقٌ إِلَيْهَا طَوِيلٌ

سُهُولٌ وَتِلَالٌ وَدَلِيلٌ

كَأَنَّ الْبِدَايَةَ بَدَأَتْ

وَالْحَرُّ مِنْ نَافِذَةٍ يُطِيلُ

كَيْفَ كَانَ الْمُشَاةُ

فِي شِعَابِ اللَّيْلِ

بِأَقْدَامٍ وَكَاهِلٍ مُحَمَّلٍ

بِمَاءٍ وَزَادٍ…