مروان فارس
جمعاية قرية تقع في غرب كردستان، شرق مدينة القامشلي، تبعد حوالي 10 كم عن مركز المدينة، يبلغ عدد سكانها حوالي 250 منزلاً بحدود الف ومئتا نسمة .
القرية معروفة بسياسيها ومثقفيها وكذلك بحبهم وتضامنهم وترابطهم الأُسري والعائلي، حيث يتعاملون مع البعض كعائلة واحدة، ويواصلون عملهم وحياتهم بهذه الطريقة.
لا زلت اتذكرالآن وقبل 46 عامًا تم الاحتفال بعيد النوروز بشكل علني في البرية خارج القرية وبمساعدة الاخ حاجو ملا حاجي والاخ عبدالغغور ابو شبال وبموافقة شباب القرية (فريق كرة القدم Niştiman) وقد كان فريقًا معروفا” في المنطقة، من حيث اللعب والاخلاق المميزة والحس الوطني لجميع اللاعبين، حيث كان الكل محل احترام وتقدير، وكانوا أيضًا متعلمين، وطلابًا في المدارس الثانوية.
لازلت اتذكرأننا جميعا اتفقنا نحن اعضاء الفريق الاقتراح المقدم من السيد حاجولاقامة الاحتفال بنوروز في عام 1980 في البرية وبشكل علني كسرا” للروتين والاحتفال السري انذاك. – أعتقد أن أحدًا لم يحتفل بعيد النوروز في الخارج في ذلك الوقت .
– نعم، اتذكر جيدًا، كان الاجتماع الأخير ليلة نوروز في 20-3-1980 في منزل سيد علي، والد عبدالغفور البرزنجي، كانت هذه العائله معروفًا بحب الوطن والإخلاص والفن. (حتى أنني اقمت كورس للغه الكرديه في بيتهم ذاك). عبدالغفور ابو شبال الذي انتقل الى رحمته تعالى قبل سنوات، كان بمثابة المسؤول الاداري للفريق . والاخ حاجو ملا حاجي الذي يعيش الآن في السويد، كان بمثابة دينمو العملية كلها بل وصاحب فكرة اقامة العيد خارج القرية في الجول وبذل جهدا كبيرا في انجاز هذا الاحتفال الكبير.
يقول الاخ حاجو في هذا الصدد: {قبل عام 1979وفي هذا الجزء من كردستاننا كان يحتفل بعيد نوروز بشكل سري جدا وبخوف شديد في الغرف المظلمة بل وحتى في اسطبل الحيوانات وفي القرى والاماكن البعيده عن اعين السلطه الحاكمة ويستطرد حاجو قائلا في عام 1980 حدث انفراج نسبي ولو قليلا للشعب الكردي في المنطقة بشكل عام وتم فتح بعض مكاتب الاحزاب الكرديه العراقيه في القامشلي مما سهل لنا الاجتماع والحديث عن الوضع الكردي في تلك المكاتب .
انذاك فكرنا -حاجو يقول- انه يجب الاستفاده من هذه الفرصه وقررنا ان نحتفل بعيدنا الوطني نوروز بشكل علني وفي البرية لهذا اتصلت مع الكثير من احزابنا الكردية وطرحت لهم فكرتي هذه حيث الاحتفال بعيد النوروز علنا” وفي الهواء الطلق , للاسف الكل رفضو الفكرة وقالو لم يحن الوقت بعد لمثل هذه الأفكاروالمغامرة بهذا االشكل سوف يكون لها نتائج سلبيه وهي حمل ثقيل لا تحمدعقباهِ ونحن لانستطيع تحمل هذه المسؤوليه الكبيرة .
لهذا وبعد ان فقدت الامل منهم توجهت مباشرة الى الاخ عبدالغغور برزنجي المسؤول الاداري لفريق نشتمان الرياضي وبعد التشاور وافق فورا”على هذا المقترح الجميل بكل سرور وسعادة بل واكثر من ذلك وافق جميع اعضاء الفريق بدون تردد.}
كما قلت، كنا جميعًا كعائلة واحدة في القرية وفي تلك الليلة، اجتمعنا في منزل والدعبدالغفور، وتحدثنا عن برنامج يوم نوروز، وتم توزيع الطعام على الشباب الذي أحضره كل واحد من بيته، مثل الأرز والسكر والشاي، وغيرها… بالنسبة لي، كان حصتي البرغل تذكرت أنني ذهبت الى البيت في نفس الليله وجلبت حصتي من المقرر.
كما تم جمع 700 مبلغ ليرة سورية في ذلك الوقت لشراء اللحم والسكر للعيد وغيرها من الاحتياجات الاخرى حيث تم توزيع بعض الصور على الاهالي منها صوره شفان وكلستان من تصميم عبدالحليم برزنجي مقابل مبلغ بسيط كتبرع للعيد.
في تلك الليلة، قررنا إشعال النار في عدة أماكن في جول القرية، وكانت تلك الاماكن كالتالي: واحدة منها بالقرب من بيرا سبي العائد للسيد حجي سليمان، واخرى قريب من سكة الحديد وغيرها… كل مجموعة من الشباب كان عليهم أن يجلبوا دولابا الى المكان المحدد لهم (أعتقد أن الاخ حاجو قدم جميع الدواليب اللازمه للعمليه لأن كان لديه شاحنات). قبل بضعة أيام، تم إحضار حوالي 16 دولاب وتم نقلها بالشاحنة الصغيرة للسيد حاجو والسيد عبدالقادر ديبو إلى المكان المحدد. بالنسبة لي وأصدقائي، اخدنا الدولاب الكبير الى مكان قريب من سكة القطار أشعلنا النار وذهبنا بعيدًا. في طريق العودة، كنا خائفين من ملاحقة الشرطة لنا، لذلك كنا نرمي أنفسنا على الأرض بين القمح ننبطح كلما راينا ضوء سيارة قادمة من طريق سيكركا خوفا”من شرطه المخفرهناك. كنا نختبىء بين الزرع ولا ادري هل كان القمح طويلًا، ام نحن كنا صغارًا، كنا نترقب طريق العودة بخوف كبير ووصلنا الى المنزل بعد جهد وقلق وتعب ثم اجتمعنا مرة أخرى في المنزل المذكور. كان هناك مايشبه حفلة، الشباب والفتيات كانوا يلفون السكر في أوراق خاصة ليتم توزيعها في صباح العيد، كانت مكتوبة على الأوراق “نتمنى لكم نوروز سعيد” (Em ser bestiya we doz dikin Newroza we pîroz dikin)، كانت هذه جملة من قصيدة للشاعر M.E.Hisso. وقد اصرالسيد حاجو لي وأكد بان الشعار هذا كان للمغفور محمدشريف برزنجي قائلا طلبنا منه جملة مناسبه لطبعها على اوراق سكر العيد فاهدانا تلك .
تتم وضع بعض الاوراق الرابحة ضمن صرة السكر الموزع للجمهور، كانت هناك جوائز للرابح منها صوره لشفان وكوليستان وكاوا الحداد،من رسم وتصميم الصديق عبدالحليم برزنجي.
في صباح العيد، كان هناك فرح كبير في القرية، ذهبت إلى المدينة (القامشلي) الساعة السادسة صباحًا لدعوة أصدقائي (عبدالكريم عمر وصلاح سليمان) إلى العيد، تذكرت أنني ذهبت بالدراجة، ولكن في طريق العودة، لا أتذكر كيف عدنا، أعتقد أنني عدت وحدي، وجاء أصدقائي بالسيارة.
في صباح العيد، اجتمع جميع أهل القرية، كبارًا وصغارًا، في الساحة المخصصه للعيد وركبنا الشاحنة الكبيره لمالكها السيد حاجو، وذهبنا إلى قرية خالد گلو، انضم إلينا أهل لطيفية أيضًا، ومشينا معًا إلى هناك، كانت مسيرة رائعة، لا تُنسى، تحت أنغام أغنية “Ey Reqîb”أو Herne pêş مع الطبل والزمر. كانت تلك المسيرة من أجمل اللحظات التي لا تُنسى.”
تابعنا المسير حتى وصلنا إلى سهول القرية، كان هناك نهر صغيرايضا مكثنا هناك لكن جنود الأتراك لم يسمحوا لنا بالاحتفال بعيدنا، أطلقوا بعض الرصاص على الناس. أهالي قرية كرتوين على الطرف الاخر من الحدود تضامنو معنا واحتفلوا بالنيروز معنا على حدودهم.
بسبب إطلاق الرصاص اضطررنا إلى تغيير مكاننا، فذهبنا إلى قرية كوندك (خالد كلو الصغيرة) وانضموا إلينا هناك، واحتفلنا بالنيروز. ازداد عدد الناس، أصبحنا أربعة قرى.
قرأ عبدالغفور على ظهر الشاحنه كلمة النيروز شفهيًا، وثم طلب حزب الاتحاد الشعب الكردي في سوريا قراءة كلمة الحزب، أعطت اللجنة الإدارية الإذن لهم، وهكذا تم قراءة كلمتهم بكل سرور.
عند الغداء، ساهم أهل قرية خالد كلو في إعداد الطعام، لا يمكن نسيان ذلك المنظر الرهيب حيث تداخلت دخان النار مع بياض القدور مع رائحة الاكل والصحون المصطفة التي صارت جزءًا من الطبيعة، انضم إليهم ذلك النهر الصغير لتصبح لوحة تشكيلية جميلة لفنان ماهر.
أقول إن هذا اليوم تم تسجيله في التاريخ، وأؤكد بأنه كانت المرة الأولى التي يتم فيها الاحتفال بعيد النيروز خارجًا في البرية وبشكل علني.
كما كان الذهاب، كذلك كان العودة، الناس والرقص والزغاريد والفرح كانت تمتزج مع نار نوروز لتغرد كسمفونية كلاسيكيه صعب جدا ان تمحو من الذاكرة.
يقول السيد حاجو:
في العام التالي عام 1981، احتُفل بعيد نوروز على نطاق أوسع وبشكلٍ مهيب في جميع أنحاء المنطقة، بمشاركة الأحزاب الكردية. واحتفلت فرق الفلكلور والفرق المسرحية بالعيد من خلال تقديم عروض مسرحية.وفي عام ١٩٨٦، تجمع الأكراد في حي شمدين اغا بدمشق للاحتفال بعيد نوروز. ومن هناك، أراد الأكراد الانطلاق في مسيرة خارج دمشق للاحتفال بالعيد. تدخلت شرطة الدولة لمنعهم من الخروج للاحتفال.
لهذا ثار غضب الشعب وساروا نحو قصر الرئيس الأسد. وقف الجنود أمام القصر وأطلقوا النار على الناس، فاستشهد شاب يُدعى سليمان ادي, حمل الأكراد جثمان الشهيد وتجمعوا حوله في ساحة شمدين آغا، ومن هناك أرادوا المغادرة. وبهذه الطريقة، عبّروا عن استيائهم من الدولة. خشيت الدولة من تصاعد الموقف وتفاقم الوضع في سوريا، فتوجهت الدولة لحلّ القضية بشكل او بآخر
طالب الشعب بتقديم القاتل إلى العدالة والاحتفال بعيد نوروز بحرية. استجاب الرئيس الأسد رسميًا للمطلب الكردي، وتم قبول الاحتفال بنوروز في سوريا تحت مسمى “عيد الأم” وليس “نوروز”. ومنذ ذلك اليوم، أصبح يوم نوروز عطلة رسمية. ومنذ ذلك الحين، يُحتفل بعيد النوروز بحرية .

اسماء فريق نشتمان في اواخر الثمانيات:
من اليمين وقوفا”:سليمان حج خضر,عبدالرحمن ابراهيم,نايف عبدي,اسماعيل عبدالله,خورشان رمضان,عبدالعزيز يوسف,لازكين رمضان,خليل سليمان,عبدالحميدسليمان والاداري عبدالحليم برزنجي.
اليمين جلوسا”:عبدالرحمن رسول,دلوفان عبدالله,حسن سليم,مدني سليمان,كاميران محمود,جلال سليمان,لقمان ابراهيم,احمد امين والمرحوم برزان امين.

