كردستان يوسف
يعد الشاعر أحمد الحسيني، المولود في عام 1955 بمدينة عامودا أحد أبرز الأصوات الشعرية في الحداثة الكردية، إذ كرس حياته للنهضة باللغة الكردية وآدابها.
لم تكن حياته مجرد سيرة شخصية، بل كانت مرآة لمعاناة الشعب الكردي وتشرده، حيث ارتبط اسمه بمدينة عامودا التي شكلت هويته، وبالمنفى السويدي الذي احتضن جروحه.
نشأ الحسيني في عائلة فقيرة، مما اضطره للانتقال إلى العاصمة اللبنانية بيروت في السبعينيات، حيث عاش في منزل متواضع.،وكان الفقر البليغ والتنقل القسري أول ملامح المعاناة التي طبعت تجربته الشعرية، درس الفلسفة في جامعة دمشق، وتخرج منها ليعمل بعدها في مهن شاقة، من بينها العمل في فرن، ومهن أخرى عديدة قبل أن يهاجر إلى السويد، واستقر هناك كلاجئ. وفي حوار له لخص حياته بعبارة موجعة: “في عامودا ولدت، وفي السويد سأموت. ولا أعرف أين سأدفن. شعري ينحو إلى هذا السؤال، ولن ينتهي به”.
ومع اشتداد الثورة السورية وتدفق السوريين نحو أوروبا هرباً نحو حياة افضل، قرر الحسيني، وهو المثقف والشاعر الحامل للجنسية السويدية، العودة إلى مدينته عامودا في روج آفا، وافتتح مركزا لرابطة مثقفي روج آفايي كردستان في مدينة قامشلو واستقر فيها. بفضل سهره وتعبه استطاع جعل المركز قبلة للمثقفين والأدباء.
تأثر الحسيني بشكل عميق بثلاثة شهداء من عائلته وأصدقائه، الذين اعتبرهم السبب في إشعال الحريق الشعري في روحه، خاله الذي مزقته الألغام التركية أثناء محاولته عبور الحدود، والشاعر فصيح سيدا الذي انفجر به بابور الكاز واحترق وهو في العشرينات من عمره، والشاعر كسرى عبدي الذي هرع لإنقاذ جيرانه من حريق ناجم عن انفجار أسطوانة غاز فاحترق ومات، وكان لحريق عامودا الكبير تأثير عميق على روحه حيث كان الطفل الشاهد الذي رأى رماد أخيه وسمع عويل والدته، ليصبح الحريق مفردة نفسية تعلن دوما ثنائية الموت والولادة في شعره.
إلى جانب كونه شاعرا مجددا، برز أحمد الحسيني كشخصية إعلامية ثقافية مؤثرة من خلال عمله كمعد ومقدم برامج حوارية في الفضائيات الكردية. كرس هذه المنصة لتوسيع نطاق الثقافة الكردية وتعزيز الحوار الفكري، حيث استضاف نخبة من المثقفين والشعراء والكتاب والأكاديميين من كردستان والشتات، وتناول في برامجه قضايا الأدب الكردي القديم والحديث، ودرس أعمال الرواد مثل ملاي جزيري وأحمدي خاني، مسلطا الضوء على التجارب الشعرية والنثرية المعاصرة، وذلك حينما أعلن العام الثقافي الخاص بشعر الجزيري، كما لم تكن برامجه مجرد حوارات عابرة، بل شكلت منصة نقدية معمقة ساهمت في تعريف الجمهور الكردي بتيارات الحداثة الشعرية وإشكاليات الهوية واللغة والمنفى. من خلال أسلوبه الحواري الهادئ والمتمكن، استطاع تقريب المفاهيم الثقافية المعقدة إلى المشاهد، محولا اللغة الكردية من لغة الحياة اليومية إلى لغة قادرة على استيعاب وتحليل أعمق القضايا الفكرية.
يعد أسلوب أحمد الحسيني الشعري ظاهرة فريدة في الأدب الكردي الحديث، حيث أعاد للغة الكردية دورها في الكتابة الجديدة ،كانت السمة الأبرز لأسلوبه هي إيلاء اللغة الكردية اهتماما منقطع النظير، في وقت كان معظم المثقفين الأكراد يكتبون بالعربية أو بلغة كردية قاموسية متجمدة.، وتأثر بشكل كبير بالشعر الكردي الكلاسيكي.
يمكن تلخيص إسهامات أحمد الحسيني في تطوير الشعر الكردي الحديث في عدة نقاط رئيسية، حيث رأى تجاوز مرحلة “جكرخوين” التي ظل فيها الشعر الكردي لسنوات طويلة ينتقل من شاعر إلى آخر عبر الدم ذاته دون إضافة دم شعري جديد، فكان لابد من إخصاب الروح الكردية بدماء جديدة وكان هو من قام بهذه المهمة، ولم يعد الشعر عنده مجرد غزل أو رثاء بل أصبح أداة للبحث عن المعنى، ولذلك تعد تجربة الشاعر الراحل احمد الحسيني ظاهرة شعرية ومدرسة ستستمر في إلهام الأجيال الشعرية القادمة، وأحد الأعمدة الرئيسية التي يستند إليها الشعر الكردي الحديث،
وسيبقى شعره نموذجا للشاعر الملتزم بقضيته ولغته، الذي عاد بين شعبه ..
وصدق حينما قال ولدت في عامودا و سأموت في السويد ، وسأدفن في عامودا ..ولكنه اخطأ حينما قال سأموت ..لأنه سيبقى حياً في قصائده ووجدان شعبه الكردي، كعلامة بارزة في تاريخ الأدب الكردي المعاصر.