قصة: م.علي كوت
ترجمة: فواز عبدي
5 أيار 1986/ ماردين
أخي العزيز (…..)!
قبل أن أبدأ رسالتي أهديك تحياتي الحارة وأقبل عينيك السوداوين. يا أخي، أرسلت لك عشر رسائل وها هي الرسالة الحادية عشرة. ولم نتلق منك أيَّ جواب! لنعرف على الأقل إن كنت مازلت حياً وسالماً. حتى ترتاح قلوبنا. دموع أمي لا تفارق عينيها! تجلس كل يوم، تبكي وتقول: “ما هي أخبار ابني (….)؟”. أبي يلحّ علي ويقول: “إنك تتقصد فعل ذلك ! أنت لا ترسل الرسائل”!
ظننت أنك ربما غيرت عنوانك ، فذهبت إلى والد أحد أصدقائك وحصلت منه على عنوان ابنه، أرسلت بضع رسائل إلى ذلك العنوان لكن دون فائدة، لم أتلق أي ردّ مع مرور عدة شهور.
أخي العزيز! إننا في غاية الشوق إلى رسالة منك. أرجوك يا أخي.. كلمة منك تطفئ نار صدورنا. ألا تفكر في أن لك أخوات وأخوة ووالدين!؟ كلنا بانتظار رسالة منك. ألا نخطر على بالك! إنك تقتلنا! ماذا دهاك؟ لم تكن بهذه القسوة في أي يوم!..
اليوم أيضا وبعد إصرار من والدي قائلاً: “لمَ لا ترسل رسالة؟” اتجهت فوراً إلى المدينة، ومنها مباشرة إلى البريد أردت أن أرسل لك برقية، لكن موظفاً من معارفنا هناك منعني وقال لي: “انتبه! ستدفع كومة نقود مقابل كلمتين. الأفضل أن تكتب له رسالة”!
عدت وجلست في مقهى “أومريان” وبدأت بكتابة هذه الرسالة. ها هما شخصان من قريتنا “جندي وحميد” جالسان على الطاولة يلعبان الورق، يهديانك السلام.
إذا أردت السؤال عنا، فكلنا بخير وسلامة، كل ما نتمناه هو أن تكون سعيداً، وإننا متلهفون إلى تلقي رسالة منك.
مع التحيات الحارة..
أخوك
عبد الله
25 أيار 1986 / ستوكهولم
أخي العزيز عبد الله!
وصلتني رسالتك المؤرخة 5/5/1986. سعدت بها كثيراً. شكراً! وكذلك استلمت كافة الرسائل التي أرسلتموها لي وهي في يدي الآن. لكن، مع الأسف، ولأسباب عدة، ما كنت أرغب في أن أبعث إليكم بأية رسالة. أي ما كنت أريد أن أسبب لكم أي خطر بسبب رسالة مني. أعتقد أنكم تفهمون ما أرمي إليه.. ولولا إصراركم لما أرسلت حتى هذه الرسالة.
أخي الغالي! تقول في رسالتك: “ألا نخطر على بالك” ومتى فارقتم بالي؟! إنكم دوماً معي، في خيالي، في أحلامي؛ هل يمكن أن يحصل هذا؟! بصراحة، تألمت كثيراً لهذه الكلمات. واعتباراً من اليوم سأرد على كل رسالة ترد منكم. هل تظن بأني لا أرغب في مراسلتكم..!
لا تقلقوا عليَّ .. أنا بخير وسلامة. إن كان لي هم فهو أن أراكم بخير وسلامة وسعادة. بلغ تحياتي الحارة لوالديّ وأقبل أيديهما. وكذلك تحياتي الحارة إلى أخوتي وأخواتي.. ودمتم بسعادة. مع التحيات الأخوية.
أخوك
(…..)
30 تموز 1986 /إزمير
وصلتنا رسالتك مع العسكر والشرطة!.. من حسن حظي أني لم أكن يومها موجوداً.
في عز الظهيرة توقفت سيارة جيمس محملة بالشرطة والعسكر أمام دارنا وبيدهم رسالتك.. فتشوا الدار كله حتى معلف الماشية.. طبعاً لم يعثروا على شيء؛ فقد كنت قد أحرقت منذ زمن تلك الكتب التي تركتها. بعد تفتيش الدار أخذوا معهم والدي وأخويّ كزبو وفخر الدين إلى الفرع. ظلوا يعذبونهم أسبوعاً كاملاً. قالوا لهم: “كيف لم تقطعوا علاقاتكم مع خائن الوطن هذا بعد؟! إذن أنتم أيضاً خونة!”.
في اليوم نفسه (كنت قد خرجت في عمل إلى قرية أخرى) وحين سمعت ذلك أسرعت الخطا وهربت إلى إزمير. مضى قرابة شهرين ولازلت ملاحقاً هنا. وحسب الأخبار التي وصلتني عن البيت؛ ظل والدي وأخواي بعد إطلاق سراحهما طريحي الفراش أسبوعاً.. بعد أسبوع تحسن وضع كزبو وفخر الدين.. لكن –وحسب ما يقال- مازال أبي طريح الفراش يتقيأ دماً.. يقول الكثيرون بأنه لن يقوم ثانية.
باختصار، ما فعلته رسالتك بنا لم يفعله العدو بعدوه! ألم تكن تعلم بأنك ملاحق! ألا تعرف بأنك مطلوب للدولة! هل كنت في حاجة لأن نخبرك نحن..! على أساس أنك فهمان وذكي! من طلب منك أن ترسل لنا رسالة؟!.. تعال وأوجد حلاً إذن! ها قد ذهبتَ إلى أوربا ومازلنا ننال نتائج عملك!
كرما لله لا ترتكب خطأ كهذا ثانية!
عبد الله …………