جمر تحت رماد الذاكرة.. قراءة جمالية  في المجموعة القصصية “حارس المدفأة”: للكاتب محمد خير عمر

عبدالجابر حبيب

 

ـ النصوص بين السخرية والوجع والذاكرة

في مجموعة “حارس المدفأة” لا يقدّم الكاتب قصصاً تُحكى بقدر ما يخلّف آثاراً تُلمَس؛ كأن كل نص ليس سوى بقايا احتراقٍ داخليّ، جمرٌ لم ينطفئ بعد، لكنه لم يعد قادراً على الاشتعال الكامل. إننا أمام كتابة تثق بالندبة لا بالحكاية، و لا تعوّل على الحدث، وإنما على ما يتركه الحدث من ارتجاجٍ في الوعي. لذلك تأتي النصوص كأنها شظايا ذاكرة، تتجاور دون أن تلتئم، وتتكامل دون أن تعلن اكتمالها، حيث يصبح السرد فعلاً وجودياً يوازي العيش ذاته، لا تمثيلاً له.

 

ـ العتبات السردية: 

ما أريد قوله هنا، أنّ الحكمة تُبنى لتُقوَّض السكون الغامض في لحظات تمعّن لكل موقف من مواقف الحياة المماثلة التي مرّ بها أبطال النص. فهي، حين تُستعار من أقوال مشهورة لكتاب ومفكرين، أو من الأقوال التي وردت ضمن سياق الحكاية في بعض النصوص، لا تؤدي وظيفة تفسيرية، بل تُقدَّم كإغراء أولي للفهم، قبل أن تُنسف من الداخل. في لحظة ما يمرّ قول يشبه اليقين:

“من الذي يقود الجنس البشري؟ الذين يعرفون كيف يقرؤون والذين يعرفون كيف يكتبون.”

غير أنّ هذا اليقين لا يصمد طويلاً داخل العالم السردي؛ فالشخصيات نفسها تعيش في واقع لا تحكمه المعرفة، بل الفوضى، ولا تقوده الثقافة، بل المصادفة والسلطة. وهنا تتجلى المفارقة: الاقتباس لا يضيء النص، بل يفضح المسافة بين ما يجب أن يكون وما هو كائن. إنّ الكاتب يستخدم هذه الأقوال كمرآة مكسورة، تعكس صورة مثالية، ثم يضعها أمام واقع عاجز، فتتحول الحكمة إلى سخرية مبطّنة من العالم، لا إلى تعبير عنه.

 

 ـ الواقعية الساخرة في المجموعة:

من دون إدانة مباشرة، يكشف السارد، عبر لغة وحوار ساخرين في إحدى قصص المجموعة، عن ذروة سردية يبلغها حين يُحوِّل الواقعي إلى بنية ساخرة. ويتم ذلك من خلال حوار مقتضب يفضح التناقض الداخلي للشخصيات، لا عبر التهكّم المباشر، بل عبر لحظات حوارية مكثفة. فحين يقول أحدهم ببرودٍ فاضح:

“المشكلة، أين ذاك المواطن الذي يعرف رأس الحكومة؟!”

لا تُقال هذه الجملة بوصفها احتجاجاً، وإنما بوصفها اعترافاً متهكّماً بعجزٍ جماعي، حيث تتحول السياسة إلى لعبة عبثية، والمواطنة إلى فكرة بلا حامل. إنّ السخرية هنا لا تنبع من الموقف ذاته، بل من وعي الشخصيات بعجزها، واستسلامها له في آنٍ واحد.

وفي موضع آخر، تتصاعد هذه المفارقة حين يُقال:

“إنهم لا يخافون الخالق ولا يخجلون من الخلق”

غير أنّ هذه الجملة، على الرغم من حدّتها الأخلاقية، لا تُحدث أثراً يُذكر؛ إذ تُقال داخل عالمٍ فقد حساسيته تجاه الإدانة، وكأن القيم نفسها غدت جزءاً من خطابٍ مستهلك لا يمتلك قوة الفعل. هنا تتحول الواقعية إلى فضاء ساخر مكتفٍ بذاته، لا يحتاج إلى تعليق من السارد، لأن الواقع نفسه صار تعليقاً على ذاته.

إنّ الكاتب لا يحاكم “السيئين”، بل يضعهم في مواجهة لغتهم، على لسان أحد أبطاله:

“أحزابكم الكرتونية أزلام النظام! لا يعملون إلا بما يُؤمرون به! وسوف يجرّوننا بأعمالهم القذرة هذه إلى اقتتال الإخوة”

فتتكفّل اللغة، بعد ذلك، بفضحهم، من دون صراخ أو خطابة، عبر هدوء أشد قسوة من الإدانة المباشرة.

“بيد أنه دسّ كلامه هذا تبناً في جراب جلده الذي بات يتسع باطّراد…”

إذا رغبت، يمكنني أن أقدّم نسخة ثانية أكثر حدّة من حيث النبرة، تُبرز السخرية السوداء وتدفع المفارقة إلى مستوى أكثر صدامية وتأثيراً.

 

ـ تعدد الأصوات ضرورة جمالية:

وإذا كانت الواقعية الساخرة في “حارس المدفأة” قد كشفت التناقض عبر مفارقات اللغة والحوار، فإنها هنا تتعمّق على مستوى البنية السردية نفسها، عبر تعدد الأصوات بوصفه ضرورة جمالية لا خياراً تقنياً. فالنص لا يقوم على صوتٍ أحادي، بل يتشكّل من تداخل طبقات صوتية تتجاور دون أن تنصهر في وحدة متجانسة.

في مشهدٍ حواري بسيط، يتبدّى هذا التعدد من خلال احتكاك النبرة الفردية بالجماعية، والساخر بالجاد، والمهزوم بالمتظاهر بالقوة، حيث لا تسعى الأصوات إلى التكامل، بل تتجه نحو التنافر:

“هل ورشة أولئك الكلاب مفتوحة”

كل صوت، في حضوره، لا يكتفي بالتعبير عن ذاته، بل يكشف هشاشة الصوت الآخر، ويعرّي ادعاءه الضمني بالتماسك. ومن هنا، لا يعود التعدد مجرد تنويع في الأداء، بل يتحول إلى بنية تفكيكية تنتج ما يشبه التشظي السمعي داخل النص:

“يا جماعة، الأمر لا يدعو إلى كل هذا التصعيد وهذه المشاحنة…”

ضمن هذا التوتر، يفقد القارئ إمكانية القبض على حقيقة مستقرة، إذ يجد نفسه موزعاً بين روايات متجاورة، كلٌّ منها ناقصة، وكلٌّ منها تمتلك صدقها الخاص في الآن ذاته. وهنا تتقاطع هذه التقنية مع الواقعية الساخرة؛ فكما كانت السخرية تكشف زيف اليقين، يأتي تعدد الأصوات ليبدد وهم الحقيقة الواحدة.

 

ـ السارد بين الذات والمجتمع:

باعترافٍ من السارد، نراه يتورّط في الإدانة في هذه المجموعة؛ فهو ليس شاهداً محايداً، بل كائنٌ منخرطٌ فيما يرويه، يكتب من داخل الجرح لا من خارجه. ففي لحظةٍ تأملية، نلمس هذا التورّط حين يقول:

“لم أتابع منذ أمد بعيد سوى مشاهد من هنا وأخرى من هناك…”

هذه العبارة، على بساطتها، تكشف عن وعيٍ متشظٍ، غير قادرٍ على الإمساك بالحياة كوحدةٍ متماسكة. السارد هنا لا يمتلك سرداً كاملاً، بل شذرات، تماماً كما لا يمتلك حياةً مكتملة، بل بقايا. إنّه يعترف، غير أنّ اعترافه هذا يتحوّل، في عمقه، إلى إدانةٍ لواقعٍ كامل، وإدانةٍ لذاته بوصفها جزءاً منه.

لذلك يغدو السرد فعلاً مزدوجاً: بوحاً شخصيّاً،

“أدركتُ من الابتسامة البلهاء التي ارتسمت على محيّا أخي فرحو أن مخَّه “صفر”….”

ومحاكمةً ضمنيةً للعالم، تتجلّى بوضوح في هذا السرد المؤلم:

“ثم يوماً إثر يوم صرت أفهم أنَّ معظم السكان الأصليين لهذه المدينة الحدودية الهادئة هم قومية أخرى جزّأت وطنهم ‘صفقة استعمارية’، وتُمارس بحقهم أبشع فصول التمييز والاضطهاد”

وهكذا يتقاطع صوت السارد مع الواقع الذي يسرده، فلا يعود قادراً على الانفصال عنه، بل يغدو جزءاً من نسيجه المتصدّع، شاهداً ومداناً في آنٍ واحد.

 

ـ اللغة بوصفها بنية جمالية:

من اللافت أنّ السارد يلجأ إلى جعل الأشياء تتكلم من داخلها، بحيث لا تعود اللغة في “حارس المدفأة” أداةً لوصف العالم، وإنما وسيلةً لإعادة تشكيله من الداخل. فالأشياء لا تُقدَّم بوصفها خلفيةً صامتة، بل ككائناتٍ تشارك في التجربة وتُسهم في بنائها. حين يكتب:

“شجرة توت أسود… تاركين أرضية الباحة مدبوغة بالعصارة السوداء”

فإنه لا يكتفي باستحضار مشهدٍ طفولي، بل يخلق إحساساً كثيفاً بالامتلاء، بالفوضى، وبالحياة التي تفيض حدّ الاتساخ. هنا تغدو اللغة حسيةً ودلاليةً في آنٍ معاً؛ إذ يحمل كل تفصيلٍ معنىً يتجاوز ذاته، ويتحوّل الوصف إلى طاقة إيحائية تتجاوز حدود المشهد. إنها لغة تشتغل على الملمس والرائحة واللون، لتبني عالماً يمكن لمسه قبل فهمه، والشعور به قبل تأويله.

“ظل شيرنو متجهماً، ينقل بصره بينها وبين لوحة أوقات الدوام المدونة بالطباشير على إسمنت الباب”

بهذه الجمالية، تنجح لغة السارد في نقل الحس الإنساني إلى القارئ، من دون الحاجة إلى البحث عن لغةٍ بديلة لا تنتمي إلى واقع الشخصيات، بل تنبثق من داخله، وتعبّر عنه بعمقٍ وصدق.

في “شجرة التوت السوداء” يبلغ السرد ذروة حضوره الحسيّ، حيث لا تُروى الطفولة بوصفها ذكرى، بل بوصفها حالة معيشة تتكرر داخل اللغة. الأطفال يخرجون “صحونهم مملوءة بالتوت”، وتتحول الأرض إلى “مساحة مدبوغة بالعصارة السوداء” ،  الحضور هنا ليس استرجاعاً، بل استعادة حسية كاملة، تجعل القارئ يعيش اللحظة لا يتذكرها، يلمسها لا يتأملها فقط. وهنا تكمن قوة النص: في قدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى مشهد كونيّ مصغّر للحياة نفسها.

 

ـ فلسفة الوجع في مجموعة حارس المدفأة:

يأتي الألم كوعيٍ متأخر لا كحدثٍ عابر، لذلك نرى أن

الوجع في هذه المجموعة لا يُبنى على ما يحدث، بل على فهم ما حدث بعد فوات الأوان. ففي مشهد كابوسيّ نقرأ:

“غول بأذرع كثيفة… بخناقي ويشده ليقطع نفسي”

هذا الغول ليس كائناً خيالياً، بل تجسيدٌ للقلق، للضغط الداخلي، لذاك الإحساس بأن العالم يطبق على الذات دون مخرج. الوجع هنا ليس صدمة، بل حالة مستمرة، تتجدد بأشكال مختلفة: خوف، قلق، سخرية، وحتى ضحك متعب. إنه وجع يتسلل إلى التفاصيل اليومية، إلى العلاقات، إلى الذاكرة، حتى يصبح جزءاً من بنية الوعي نفسه. ولذلك لا تبحث الشخصيات عن الخلاص، بل عن القدرة على التحمّل. إنّ الكاتب يقدّم فلسفة صامتة مفادها أن الإنسان لا ينجو من الألم، بل يتعايش معه بوصفه شرطاً للوجود.

 

– المحلي بوصفه أفقاً كونياً:

رغم أن النصوص تنغرس عميقاً في بيئة محلية واضحة، نجد إن الحكاية لا تتسع خارج مكانها، و لا تنغلق في هذه البيئة، وإنما تجعل نقطة انطلاق منها  نحو أفق إنساني أوسع. فـ“المدفأة” ليست مجرد أداة، بل رمز هشّ لمحاولة الاحتماء، و“الحيّ” ليس مجرد مكان، بل ذاكرة جمعية، و“الشجرة” ليست مجرد تفصيل، بل علامة على زمنٍ لا يعود. وهكذا ينجح الكاتب في تحويل المحلي إلى لغة مشتركة للإنسان، حيث يمكن لأي قارئ، مهما كان انتماؤه، أن يجد نفسه داخل هذا البرد، داخل هذه المحاولات الصغيرة لصنع الدفء.

 

ـ  السرد دفء مؤقت:

“حارس المدفأة” ليست مجموعةً عن البرد فحسب، بل عن فشل الإنسان، أينما كان، في إنتاج دفءٍ دائم. فكل محاولةٍ للاحتواء تنتهي إلى نقص، وكل علاقةٍ مهددة بالانطفاء، وكل ذكرى ملوّثة بالحسرة. ومع ذلك، تظل اللغة قادرةً على أن تمنحنا شيئاً يشبه الدفء، ولو كان مؤقتاً.

إنّ هذه المجموعة لا تعد بالخلاص، بل تمنحنا وعياً أشد صفاءً وأكثر ألماً. ففي قصة “أبناء الجن”، يزيح السارد الحجاب الأسود عن الوجه الرمادي لذلك الإنسان الذي ينادي بالإنسانية في كل وقت:

“حاولتُ سحب جسدي من بين الجثث المتراكمة، وزحفت نحو النافذة…”

وهنا لا تعود النافذة مجرد فتحةٍ في الجدار، بل استعارةً للحياة، للاتصال بالآخر، لإمكانية أن نعيش معاً، وأن نحتمل البرد الذي يحاول أن يصلب أرواحنا. أن نكتب، وأن نحرس معاً جمرةً صغيرةً في عالمٍ يتقن خدعة فن الانطفاء.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني

مقدمة:

الأديب يعشق الكلمات، والكلمات تعشق الوحدة.

والوحدة… لا تتزوج جيداً.

هذه حقيقة قديمة، مؤلمة، لا يجرؤ معظم الأدباء على البوح بها. لكن جروحهم مكتوبة بين سطور نصوصهم. وفي المجتمعات الشرقية، حيث الزواج قدسية والطلاق وصمة، يصمت الأديب أكثر. لكن نصه… لا يصمت أبداً.

الجزء الأول: الغرب – حيث صرخوا بألمهم

فرانز كافكا: العاشق الذي هرب من الحب

لم يتزوج…

بدعوة من الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا، نظّمت لجنة الأنشطة في الاتحاد ندوة أدبية وحفل توقيع للمجموعة القصصية الأولى للروائي الكردي عبدالسلام نعمان، بعنوان “زوجتي الأخيرة كانت عاهرة”، وذلك في قاعة الأنشطة التابعة لمنظمة كاريتاس بمدينة إيسن الألمانية، يوم الأحد 5 نيسان/أبريل 2026.

وشهدت الفعالية حضوراً لافتاً من…

صدرت حديثاً عن دار الزّمان بدمشق المجموعة الشّعرية الثّانية «أوراقٌ تقودُها الرّيح» للشاعرة السّورية ندوة يونس، وتقع في نحو 128 صفحة من القطع المتوسّط، بغلافٍ أنيق للوحة للفنانة التشكيلية د. سمر دريعي ومن تصميم الفنان جمال الأبطح. يُذكَر أنّها أصدرت مجموعتها الأولى «النّبض المرهق» سنة 2021م.
كتب مقدمة هذه المجموعة النّاقد صبري رسول بعنوان «مغامرة…

كردستان يوسف

أنا خبز الصباحات الجائعة
تأكلني الحروب كل فجر…
تفتتني أصابع الجوع
ويعجنني الدمع
في صحون الفقراء
قلبي…
كأنه عجين من حنين وملح
يختمر في دفءِ الأمهات
وينضج مثل صلاة
في صدر المساء

يا أيها الغارقون
في قداسة الجمعة…
وفي صلوات التراويح…
أَتخافون الله
وقلوبكم سكاكين؟
تقطعون أوردة النساء
وتحرقون القصائد
النائمة
في حقائب النازحات…

أنا امرأة…
حين خانها الجميع
بقيت
تغسل الليل
من عتمتكم
وتفسح المكان البهي
لراهبة
تسكن محراب ضفائري
تصلي…