عبد الجابر حبيب
” من يتبرّع بدمه لأيّ إنسان، يشبه غيمةً تمطر… ثم تمضي”
في أحد صباحات قامشلو، أو قامشلي… لا فرق في الاسم حين يكون أبناء المدينة قد تآلفوا مع الاسمين، كان الضوء يتسلّل بخفّةٍ إلى أحد المشافي؛ النهار يتقدّم بحذر، ولم يكن في نيته أن يوقظ الألم دفعةً واحدة تماماً كالجدران البيضاء التي لا تحتفظ بما يكفي من الوجوه التي مرّت دون أن تترك أسماءها.
هناك، استلقى حكيم هولي على سريرٍ قابلٍ للطيّ، مرفوعِ الظهر قليلاً، في وضعٍ يتوسّط الجلوسَ والاستلقاء، ذراعُه ممدودة بثباتٍ مألوف، بلا تردّدٍ أو استعجالٍ، لم يلتفت إلى الإبرة، ولا إلى الكيس المعلّق؛ فقد مضى زمنٌ على تجاوزه هذه التفاصيل، وترك عينيه تستقرّان في فراغٍ قريب، بعدما تعلّم جسده أن يتكفّل بالمهمّة وحده.
لم تكن هذه المرّة الأولى… ولا الثانية… مرّت الأرقام من حوله دون أن يلتفت إليها: عشرون، ثلاثون، أربعون… وربما أكثر بقليل، لم يكتبها في مكان، لم يجعل منها حكاية، لأنّ العدّ عنده شأنُ من يراقب، لا شأنُ من يفعل.
الأنبوب الشفاف يحمل خطّاً أحمر رفيعاً، منتظماً، بلا تردّدٍ، يعرف طريقه أكثر من صاحبه، وفي مكانٍ ما من هذا المبنى، أو في مبنى آخر، كان هناك جسد ينتظر دون أن يعرف من أين سيأتيه هذا الامتداد الصغير للحياة.
لا يسأل لمن يذهب دمه.
لا يسأل: أهو كردي أم عربي؟ مسلم أم مسيحي أم أيزيدي؟
السؤال نفسه لا يخطر له، لأنه لا يأبه كثيراً بالأشياء العابرة. الأمر بالنسبة إليه أبسط من ذلك: هناك إنسان… وهذا يكفي.
حين انتهى، جلس لحظةً قصيرة، ضغط بقطعة قطن على موضع الإبرة، ثم نهض كما يفعل في كل مرة، بخفّةٍ غير متوقعة، كأنه لم يترك شيئاً خلفه، أو انه تخلّص من شيءٍ كان يثقل عليه، خرج من الغرفة، وفي خطواته شيء يشبه ما عند لاعب كرة قدم حين يدخل الملعب٬ ويكون جاهزاً لجولةٍ أخرى، لا لاستراحة.
وبعد ساعات عاد إلى يومه كما لو أن شيئاً لم يحدث. وقف بين الغراس، ينحني قليلاً ليغرس شتلةً جديدة، يثبّت التراب حولها بيدٍ تعرف ما تفعل، يسقيها ببطء، ويراقب الماء وهو يتسرّب إلى الجذور، كأن ما خرج من ذراعه قبل قليل يجد طريقه هنا أيضاً، في عمقٍ آخر، غير مرئي، واثقاً أنّ دمه لا يتوقف عند جسدٍ واحد، بل يتوزع في اتجاهات لا يراها.
لم يملّ يوماً من عمله هذا؛ مشرفاً على الغرس في مشتلٍ كبير، ولا من التراب، ولا من الانتظار، ولا من تلك الفكرة: أنّ الشجرة تحتاج وقتاً أطول ممّا يحتمله أغلب الناس. ربّما لأنّه تعلّم أنّ ما يستحقّ لا يأتي على عجلٍ.
أمّا بعد الظهر من كل يوم، فيجلس في محلِّ صرافة، وراء طاولةٍ تمرّ فوقها أوراقٌ نقديّة أكثر ممّا تمرّ الكلمات، وجوهٌ تدخل مسرعةً وتخرج مسرعةً، أسماءُ بلادٍ بعيدة تُقال بنبرةٍ خافتة، وحوالاتٌ صغيرة تُزيح أثقالاً كبيرة. يعرف، دون أن يُقال له، أنّ هذه الأموال بمثابة شرايينَ تمتدّ إلى حياةٍ أخرى… وأنّ كثيرين هنا كانوا سيضيق بهم العيش لولا يدٌ بعيدة قرّرت أن تبقى مفتوحة رغم المسافات، في بلدٍ أنهكته الحرب حتى صار البقاء فيه عملاً يومياً شاقاً.
ينهي عمله، يلتقي بأصدقاء، يتحدث قليلاً، يصمت كثيراً، وحين يرنّ هاتفه، لا يطيل السؤال:
ـ في أي مشفى؟ جوابه حاضر قبل السؤال.
لم يتأخّر حكيم هولي عن نداءٍ قطّ.
في ليلةٍ متأخّرة من إحدى الليالي، رنّ الهاتف… صوتٌ خافتٌ يطلبه باسمه، يتعثّر بالاعتذار. بعد استفسارٍ سريعٍ، أغلق بافي كلي الخطّ. ركب درّاجته، ومضى إلى ذلك العنوان.
في بهو المشفى، قال ببساطةٍ إنّه جاء بعد اتصالٍ يخصّ إحدى المريضات، ثم دخل٬ وأدّى ما جاء من أجله دون التفاتٍ إلى ما حوله.
عند خروجه، وعلى عتبة الباحة، لحق به رجلٌ نحيف، بملامح سمراء، لكنته تشير إلى أنّه سريانيّ يتحدّث الكرديّة. كان صوته متردداً، وامتنانه ظاهراً قبل كلماته. حاول أن يقول شيئاً، أن يقدّم شيئاً، لكن بافي كلي سبقه:
ـ عفواً يا أخي… أنا أتبرّع بلا مقابل، لأيّ إنسان.
ارتبك الرجل لحظةً، ثم أخرج من تحت معطفه كيساً أسود: حبّذا لو تناولت هذه الحلوى كي لا تتأذّى بعد أن فقدت بعض دمك.
فتح بافي كلي الكيس، فوجد أصابعَ عجينٍ مقلية، حلوى شعبيّةً يشتهر بها أهلُ المنطقة، مغموسةً بالقطر… “داطلي ” بيتيّة؛ حلوى بسيطة، تشبه أصحابها، تُحَلّي يومهم بما تيسّر، وتكون في كثيرٍ من الأحيان بديلاً متواضعاً عن البقلاوة الغالية ومثيلاتها.
جلس حكيم بافي كلي مع الرجل على حافة رصيف حديقة المشفى، وتناولا معاً قطع الحلوى. بعد كلّ قطعة، كان بافي كلي يسبق اللقمة بمديحٍ ويتبعها بآخر، يرفع من حلاوة مذاقها، وكلّ كلمةٍ يقولها تعيد ترتيب هذا الموقف الصغير، حتى لا يبقى في تلك الوجبة البسيطة ما قد يُحرج الرجل الكريم بما جادت به يداه.
وفي كلّ تبرّعٍ، يشعر أبو كلي أنّه يعيد ترتيب المسافات بين الناس، ويجعل منها حدائق مزروعةً بالورود.
بعدما انتهى أبو كلي من عملية التبرّع، خرج زوج المرأة العربية التي تبرّع لها، يفيض شكراً بكلماتٍ متتابعة، لا تستقرّ على صيغةٍ واحدة. وحين عرف أنّ أبا كلي كردي، انفلتت منه ضحكةٌ ممزوجةٌ بدهشة، وقال بلهجته البسيطة مازحاً:
ـ صار بشرايين مرتي دم كردي… عناد فوق عناد، الله يكون بعوني.
ولكنه في قرارة نفسه شعر أنّه لا توجد كلمات تعبّر عمّا يختلج في قلبه.
ولم تكن كلّ المرّات متشابهة، فبعضها كان يمرّ بهدوء، وبعضها الآخر يترك في الطريق ما هو أبعد من أثر الإبرة.
وفي إحدى المرّات، وجد أبو كلي نفسه في موقفٍ لا يُحسد عليه، لما استُدعي للتبرّع بالدم في مشفى الشهيد خبات للجرحى، في وقتٍ كان فيه حظرُ التجوّل مفروضاً، فرافقتْه سيارتان إلى المكان، وبعد أن انتهى من التبرّع، خرج بصمتٍ كعادته، واتجه إلى بيته سيراً على الأقدام.
في الطريق، كان عليه أن يمرّ بنقاط التفتيش، وأن يشرح لكلّ دوريّةٍ أنّه عائدٌ من المشفى بعد تبرّعه بالدم، وأنّ الدليل الوحيد معه قطعةُ شاشٍ ولصاقةٌ على ساعده، كأنّها هويّةٌ مؤقّتة؛ إذ لم تكن له أوراقٌ ثبوتيّة أصلاً. كان مكتومَ القيد، لم يُعترف بوجوده في سجلات الوطن، لا يحمل سوى أثرسحب الدم كبطاقة عبورٍ تقيه التعرّض، من سرير التبرّع حتى يصل إلى بيته، الكائنِ في حيِّ الهلاليّة، شرقَ قامشلو.
وفي مساءٍ عادي، بينما كان الأصدقاء يجلسون على طرف شارعٍ يمرّ فيه الناس دون أن ينتبهوا لبعضهم، خرج الصوت من مكبّر الجامع، واضحاً، مباشراً:
“مريض بحاجة إلى دم…”
لم ينتظر بافي كلي حتى ينتهي النداء. وقف، وقال بهدوءٍ لا يحمل أي بطولة:
ـ عن إذنكم… دقيقة واحدة قد تصنع الفارق.
ابتسم أحد الأصدقاء، رمى جملةً خفيفة في الهواء:
ـ هل تريد أن تنافس “جيمس هاريسون” بالأرقام القياسية؟
لم يرد. لم يكن في الأمر ما يستحق الرد٬ لأنه يعرف أن هناك سريراً في مكانٍ ما، وأن حياةً تتأرجح الآن.
مشى بافي كلي في طريقٍ هادئ، طريق يعرفه منذ زمنٍ طويل، وكم مرّةٍ أوصله إلى مكانٍ٬ حيث يعود القلب إلى إيقاعه بعد ارتباك، ويفرح لأمٍّ تمسح دمعةً لم تكتمل بعد، ويرى سريراً أبيض يستعيد وزنه الخفيف كأنه يتنفس من جديد.
تابع حكيم هولي طريقه، وفي داخله طمأنينةٌ صغيرة، تشبه شجرةً سُقيت عند آخر النهار، وتعلّمت أن الظلّ لا يُسأل عمّن يجلس تحته.