صبحي دقوري
تمهيد: كاتب جاء من الهامش فصنع مركزًا
في حياة الأدب أسماء تأتي من العواصم، تحيط بها الصحف والمجلات والمقاهي والجامعات، وأسماء أخرى تأتي من الأطراف البعيدة، من مدنٍ كأنها تقف على حافة الخريطة، فإذا بها تقلب معنى المركز والهامش معًا. وسليم بركات من هذا النوع الثاني.
جاء من الشمال السوري، من القامشلي، من تلك الأرض الكردية المتاخمة للجزيرة والحدود واللغات، حيث لا يعيش الإنسان بلغة واحدة ولا بذاكرة واحدة. هناك، في مدينة متعددة الأعراق والديانات واللغات، وُلد سنة 1951، ثم حمل معه إلى العربية عالمًا قلّما دخلها بهذه الكثافة: عالم الكرد، والآشوريين، والأرمن، والإيزيديين، والقرى، والجبال، والحيوانات، والأساطير، والطفولة الغامضة. تذكر سيرته المنشورة أنه درس العربية في دمشق سنة تقريبًا، ثم انتقل إلى بيروت عام 1972، وبعدها إلى قبرص سنة 1982 للعمل في مجلة الكرمل مع محمود درويش، ثم استقر في السويد منذ عام 1999.
هكذا لم يكن انتقاله انتقال مكان فقط، بل انتقال قدر: من قامشلي الطفولة إلى دمشق اللغة، إلى بيروت الشعر، إلى قبرص المنفى الثقافي، إلى السويد العزلة الباردة. وكل محطة من هذه المحطات تركت في أدبه أثرًا: الطفولة أعطته الأسطورة، ودمشق أعطته العربية، وبيروت أعطته الانفجار الشعري، وقبرص أعطته صحبة المنفى الفلسطيني والعربي، والسويد أعطته المسافة التي يرى منها العالم كمن ينظر إلى وطنٍ غارق في الضباب.
أولًا: السيرة بوصفها مفتاحًا للأدب
لا نستطيع أن نفهم سليم بركات إذا قرأناه ككاتب عربي فقط، ولا إذا قرأناه ككاتب كردي فقط. إنه يقف في منطقة وسطى، وهي منطقة خطرة وخلاقة في الوقت نفسه. فهو كرديّ الذاكرة، عربيّ الكتابة، مشرقيّ المخيلة، كونيّ السؤال.
وقد نشأ في القامشلي، وهي ليست قرية صغيرة بالمعنى الإداري، بل مدينة حدودية في شمال سوريا، لكنها في المخيال الأدبي عنده تؤدي وظيفة “القرية الأولى”: المكان الأصلي، الحاضنة الأولى، المنبع الذي خرجت منه الصور والكائنات والأسماء. لذلك حين نقول إنه جاء من “قرية كردية” فالمقصود أدبيًا أنه جاء من ذلك الهامش الكردي الريفي/الجزيري الذي لم تكن المدن الكبرى تعترف به مركزًا للثقافة، فإذا به يجعله أحد أغنى منابع الأدب العربي المعاصر.
في دمشق درس العربية، لكنه لم يظل طويلًا في إطار المؤسسة التعليمية. ثم ذهب إلى بيروت، وهناك بدأ ظهوره الحقيقي. بيروت السبعينيات لم تكن مدينة عادية؛ كانت عاصمة للنشر، وللشعر، وللمنفى، وللصحافة، وللثورات الرمزية. وفيها نشر مجموعاته الأولى، وبدأ اسمه يلفت النظر لا لأنه يكتب عن موضوعات جديدة فقط، بل لأنه يكتب بلغة كأنها لا تشبه لغة أحد.
ثم جاءت مرحلة قبرص، وهي شديدة الأهمية. فقد عمل في مجلة الكرمل التي كان يرأس تحريرها محمود درويش، وهناك عاش في محيط ثقافي فلسطيني وعربي واسع. وتشير مؤسسة الشعر الأميركية إلى أنه نشر، قبل انتقاله إلى قبرص، خمس مجموعات شعرية وروايتين وجزأين من السيرة، ثم نشر في قبرص عددًا آخر من الروايات والمجموعات الشعرية.
أما انتقاله إلى السويد سنة 1999، فقد فتح طورًا آخر في تجربته: طور العزلة الكبرى، والكتابة من بعيد، والعودة المستمرة إلى الذاكرة. فالكاتب الذي يغادر وطنه لا يغادره حقًا؛ إنه يحمله معه، ولكن الوطن في المنفى لا يبقى جغرافيا، بل يتحول إلى لغة.
ثانيًا: الأعمال: خريطة كبرى لا كتاب واحد
سليم بركات ليس صاحب كتاب أو كتابين. إنه صاحب مكتبة كاملة. تشير مصادر أدبية حديثة إلى أنه نشر أكثر من خمسين عملًا بين الشعر والرواية والسيرة والنثر والكتب الموجهة للأطفال، وتصفه دور نشر عالمية بأنه من أكثر الشعراء والروائيين ابتكارًا في العربية.
يمكن تقسيم أعماله إلى خمسة أبواب كبرى:
- السيرة الذاتية: الطفولة بوصفها أسطورة
من أهم أعماله السيرذاتية:
كنيسة المحارب
الجندب الحديدي
هاته عاليًا، هات النفير على آخره
ويُعدّ الجندب الحديدي من أهم نصوصه المبكرة، لأنه لا يقدّم طفولة عادية، بل طفولة تتحول إلى عالم كامل. وقد وصفت بعض المصادر هذا العمل بأنه سيرة لطفولته في القامشلي.
في هذه السيرة لا نجد “أنا” بسيطة تقول: ولدتُ، درستُ، لعبتُ، كبرتُ. بل نجد طفلًا يرى العالم بعينٍ خرافية. يرى الحيوان كأنه قريب من الإنسان، ويرى الأشياء كأن لها روحًا، ويرى المدينة كأنها مسرح كبير تتحرك فيه الأعراق واللغات والعائلات والأسرار.
هنا تظهر عبقرية بركات الأولى: إنه لا يكتب السيرة ليحكي حياته، بل ليحوّل حياته إلى مادة أسطورية. كأن الطفل الكردي القادم من القامشلي لم يكن يتعلم الحياة فقط، بل كان يتعلم كيف يجعل الحياة لغة.
- الشعر: معجم خاص للعالم
من دواوينه الشعرية الأولى واللاحقة:
كل داخل سيهتف لأجلي وكل خارج أيضًا
هكذا أبعثر موسيسانا
للغياب، لشمدين، لأدوار الفريسة وأدوار الممالك
الجمهرات
الكراكي
بالشباك ذاتها، بالثعالب التي تقود الريح
البازيار
طيش الياقوت
الأعمال الشعرية
شعب الثالثة فجرًا من الخميس الثالث
ترجمة البازلت
السيل
الأبواب كلها
تنبيه الحيوان إلى أنسابه
الشظايا الخمسمائة
معركة بتوقيت الماء
وتذكر قوائم ببليوغرافية حديثة أيضًا صدور مختارات شعرية له بالإنجليزية مثل Come, Take a Gentle Stab: Selected Poems سنة 2021، و The Universe, All at Once: Selected Poems سنة 2024 عن Seagull Books.
شعر سليم بركات لا يشبه الشعر العربي المألوف في رقته أو غنائيته المباشرة. إنه شعر كثيف، صلب، متوتر، كأن القصيدة ليست نهرًا بل صخرة. لا يعطي القارئ عاطفة جاهزة، بل يدخله في مختبر من الصور. في شعره نجد الحجر، والحيوان، والدم، والريح، والجبال، والمعادن، والليل، والأنساب، والممالك، والفرائس.
إنه شاعر لا يكتب “عن” العالم، بل يحاول أن يعيد تسمية العالم. وهذه مهمة خطرة؛ لأن من يعيد تسمية الأشياء كأنه ينازع الخالقين والملوك والمؤرخين حقهم في تسمية الوجود.
- الرواية: الهامش حين يصبح ملحمة
من أشهر رواياته:
فقهاء الظلام
أرواح هندسية
الريش
معسكرات الأبد
الفلكيون في ثلاثاء الموت بأجزائها
حطام الأبدية الثانية
ميدوسا لا تسرح شعرها
سجناء جبل أيايانو الشرقي
أقاليم الجن
سبايا سنجار
زئير الظلال في حدائق زنوبيا
ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟
سيرة الوجود وموجز تاريخ القيامة
هذه الروايات لا تقوم غالبًا على الحكاية التقليدية وحدها. لا ينتقل فيها القارئ من حادثة إلى حادثة كما في الرواية الواقعية الكلاسيكية، بل يدخل في فضاء مركّب: شخصيات، كائنات، أساطير، أمكنة، مصائر، وحالات نفسية ولغوية.
في فقهاء الظلام مثلًا، نجد عالمًا مسكونًا بالخرافة والسلطة والغموض. وفي الريش يتضح البعد الكردي والأسطوري، وقد أشارت مواد ثقافية إلى أن الرواية تلامس قدر الشعب الكردي وأساطيره وتقاليده وبعض محطات تاريخه.
أما سبايا سنجار فهي من أعماله التي اقتربت من الجرح الإيزيدي الحديث، إذ تتناول خراب سنجار وسبي النساء الإيزيديات على يد تنظيم الدولة الإسلامية، كما أشارت الجزيرة في عرضها للرواية.
هنا تصبح الرواية عند بركات شيئًا أكبر من الحكاية. إنها تأخذ المأساة من يد الخبر السياسي وتضعها في يد الأدب. والخبر يموت بسرعة، أما الأدب فيبطئ الموت، ويجعل الضحية اسمًا ووجهًا وصوتًا.
- المقالات والنصوص النثرية
إلى جانب الشعر والرواية، كتب بركات نصوصًا ومقالات وحوارات ونثرًا تأمليًا، ومن عناوينه في هذا الباب:
الصيدلانيّة
تعجيل العطايا النثرية
الكمد رياضيات، الحنين هندسة
تحريض المعاني على أصولها وتصعيد نداءات بحقوق النثر
هذه العناوين نفسها تكشف طبيعة عقله. إنه لا يكتب عنوانًا بسيطًا، بل يضع عنوانًا كأنه جملة شعرية أو لغز فلسفي. عنده حتى العتبة الأولى للكتاب لا تكون بابًا عاديًا، بل امتحانًا.
- كتب الأطفال
كتب أيضًا للأطفال، ومن أعماله المذكورة في هذا الباب:
نرجس
من يحرس الأرض؟
النوم
وهذا جانب مهم؛ لأن الكاتب الذي يبدو شديد الصعوبة للقراء الكبار لم يكن بعيدًا عن عالم الطفولة. غير أن الطفولة عنده ليست براءة سهلة، بل أصل الرؤية كلها. لذلك حتى حين يكتب للأطفال، تبقى خلف نصه عين الطفل الذي رأى القامشلي أول مرة كأنها كون كامل.
ثالثًا: ماذا أضاف إلى المكتبة العربية؟
إضافة سليم بركات إلى المكتبة العربية ليست إضافة عددية فقط. نعم، أضاف عشرات الكتب، ولكن الأهم أنه أضاف طريقة جديدة في رؤية اللغة والعالم.
- أدخل الذاكرة الكردية إلى العربية من باب الجمال
قبله كان الكرد في كثير من الكتابات العربية موضوعًا سياسيًا أو تاريخيًا أو هامشيًا. أما عنده فقد دخل الكرد إلى الأدب العربي بوصفهم ذاكرة، وطفولة، وأساطير، وجرحًا، وحيوانات، وقبائل، وجبالًا، وأسماءً، ومصائر.
لم يكتب القضية الكردية كمن يرفع شعارًا مباشرًا، بل كمن يصنع لها كونًا جماليًا. وهذه إضافة كبرى. فالسياسة قد تعرّف شعبًا في خطاب، لكن الأدب يجعله حيًا في المخيلة.
- وسّع العربية من داخلها
العربية عند سليم بركات ليست لغة مدرسية. إنها عربية مقلوبة، معجونة، مشحونة، متوترة، كأنها خرجت من قاموس قديم ثم دخلت غابة حديثة. لقد أضاف إليها تراكيب وصورًا ونَفَسًا لم تكن مألوفة في الرواية والشعر العربيين.
ولهذا وصفه بعض الناشرين والنقاد بأنه من أكثر الكتّاب ابتكارًا في العربية، وأنه يتميز باستعمال مغاير للأسلوب والموضوع.
- أعاد الاعتبار إلى الهامش
في أدبه لا تكون العاصمة هي المركز. المركز هو المكان المنسي: القامشلي، الجزيرة، الهامش الكردي، القرى، الحدود، الأقليات، الحيوان، الطفولة، الغائبون عن التاريخ الرسمي.
وهذه مسألة مهمة جدًا. فالكاتب القادم من “قرية كردية” أو من تخوم الشمال لم ينتظر اعتراف العاصمة به، بل جعل من تلك التخوم عاصمة خيالية. لقد قال، بعمله لا بشعاره: ليس المركز حيث تجلس السلطة، بل حيث تولد الرؤيا.
- صنع رواية عربية ذات نفس أسطوري
الرواية العربية عرفت الواقعية، والرومانسية، والتاريخية، والسياسية، والرمزية. أما بركات فقد دفعها نحو منطقة نادرة: رواية أسطورية لغوية، لا تشبه الواقعية السحرية اللاتينية تمامًا، لكنها تلتقي معها في الإيمان بأن الواقع لا يُرى كاملًا إلا حين ندخل إليه عبر الحلم والأسطورة. وقد أشار ستيفان ماير إلى قرب أسلوبه من الواقعية السحرية، واعتبره من أبرز أساتذة النثر العربي المعاصر.
- جعل الحيوان كائنًا معرفيًا
هذه من أغرب إضافاته وأعمقها. الحيوان في أدب بركات ليس زينة ولا استعارة بسيطة. إنه ذاكرة، ونسب، وحكمة، ومرآة للإنسان. في تنبيه الحيوان إلى أنسابه مثلًا نلمح هذا الشغف العجيب بإخراج الحيوان من صمته الأدبي.
كأن بركات يريد أن يقول: الإنسان ليس سيد العالم كما يظن؛ إنه مجرد كائن بين كائنات، وكل كائن يحمل نسبًا وذاكرة وخوفًا.
رابعًا: كيف أصبح من هو، وهو القادم من الهامش الكردي؟
هنا يكمن الدرس الكبير في سيرة سليم بركات.
لم يصبح بركات كاتبًا كبيرًا لأنه جاء من مركز ثقافي جاهز. بل لأنه جاء من مكان محروم من الاعتراف، فحوّل الحرمان إلى طاقة. جاء من بيئة متعددة، فحوّل التعدد إلى أسلوب. جاء من ذاكرة كردية مثقلة، فحوّل الثقل إلى شعر. جاء من الهامش، فحمل الهامش إلى قلب الأدب.
يمكن تلخيص طريقه في خمس مراحل:
المرحلة الأولى: الطفولة الكردية في القامشلي
هنا تشكّلت المادة الخام: اللغة الكردية في البيت والذاكرة، العربية في المدرسة والمحيط، التعدد الإثني والديني في الشارع، والحكايات الشعبية في الوجدان.
المرحلة الثانية: دمشق واكتشاف العربية
في دمشق اقترب من العربية بوصفها أداة كتابة كبرى. لكنه لم يخضع لها خضوع التلميذ، بل تعامل معها ككاتب سيعيد تشكيلها. درس العربية سنة تقريبًا قبل أن ينتقل إلى بيروت.
المرحلة الثالثة: بيروت والانفجار الشعري
بيروت منحته المنبر والاحتكاك الثقافي. هناك خرج من الإطار المحلي ودخل فضاء الأدب العربي الحديث. نشر أعمالًا شعرية وسيرية وروائية، وبدأ اسمه يترسخ.
المرحلة الرابعة: قبرص والكرمل
في قبرص، قرب محمود درويش ومجلة الكرمل، دخل في تجربة ثقافية عربية وفلسطينية واسعة. لكنه لم يذب في صوت درويش، بل ظل صوته مختلفًا تمامًا: درويش صفاء وجرح مضيء، وبركات كثافة وغابة وجرح ملغز.
المرحلة الخامسة: السويد والعزلة المنتجة
في السويد، لم ينطفئ الكاتب، بل ازداد إنتاجًا. لقد تحولت المسافة إلى قوة. فالمنفى عند بعض الكتّاب يقتل اللغة، لكنه عند بركات جعل اللغة أكثر شراسة وكثافة.
خامسًا: سرّ لغته
لغة سليم بركات ليست سهلة. وقد يهرب منها القارئ العجول. لكن صعوبتها ليست افتعالًا في جوهرها، بل نتيجة طبيعية لعالم شديد التركيب.
لغته تقوم على:
الكثافة: الجملة عنده محمّلة بالصور.
الغرابة: المفردة تأتي أحيانًا من معجم نادر أو تركيب غير مألوف.
الانحراف عن المألوف: لا يقول الشيء بالطريقة المتوقعة.
الأسطرة: كل شيء قابل لأن يصبح أسطورة.
التعدد: خلف العربية نَفَس كردي وشرقي وجبلي.
ولذلك فإن قراءة سليم بركات تشبه الصعود إلى جبل. لا تصل بسرعة، ولكنك حين تصل ترى ما لا يراه السائرون في السهل.
سادسًا: بين سليم بركات وتوفيق الحكيم
لو أردنا أن ننظر إليه بروح توفيق الحكيم، لقلنا: إن بركات هو الكاتب الذي حوّل اللغة إلى شخصية مسرحية كبرى. عند الحكيم كان الصراع كثيرًا ما يقع بين الفكرة والواقع، بين الإنسان والقدر، بين العقل والحياة. أما عند بركات فالصراع يقع بين اللغة والعالم: هل تستطيع اللغة أن تحمل كل هذا الألم؟ هل تستطيع العربية أن تستوعب ذاكرة كردية كاملة؟ هل يستطيع الكاتب أن يخلق وطنًا من الكلمات حين تضيع الأوطان على الخرائط؟
الحكيم كان يحب الفكرة الواضحة في ثوب فني. أما بركات فيحب الفكرة وهي متخفية في غابة. ومع ذلك فهما يلتقيان في شيء واحد: كلاهما ينظر إلى الأدب على أنه ليس تسلية، بل طريقة لفهم الوجود.
سابعًا: القيمة الكبرى لسليم بركات
القيمة الكبرى لسليم بركات أنه لم يأتِ إلى الأدب العربي ضيفًا، بل جاءه فاتحًا من نوع خاص. لم يفتح أرضًا، بل فتح لغة. لم يرفع راية سياسية مباشرة، بل رفع راية الخيال. لم يقل فقط: أنا كردي أكتب بالعربية، بل جعل العربية نفسها تتكلم أحيانًا كما لو أنها تذكرت جبال كردستان، وطفولة القامشلي، وحيوانات البراري، ومآسي الأقليات.
إنه واحد من أولئك الكتّاب الذين يغيّرون معنى المكتبة. فبعده لا تعود المكتبة العربية كما كانت قبله. لقد دخل إليها صوت لا يشبه الأصوات الأخرى؛ صوت قادم من الهامش، لكنه لا يعتذر عن هامشيته. بل يجعل منها مملكة.
خاتمة: الكاتب الذي حوّل القرية إلى كون
سليم بركات هو مثال نادر على أن الكاتب لا يحتاج إلى أن يولد في عاصمة كي يصبح كاتبًا كبيرًا. قد يولد في القامشلي، في شمالٍ بعيد، في بيت كردي، في بيئة منسية من خرائط الثقافة الرسمية، ثم يمضي ليصبح أحد أكثر كتّاب العربية فرادة وابتكارًا.
لقد أخذ من طفولته الكردية مادتها الأولى، ومن العربية أداته الكبرى، ومن المنفى مسافته، ومن الأسطورة طريقته، ومن الهامش كرامته. ثم صنع من ذلك كله أدبًا لا يشبه إلا نفسه.
وإذا أردنا أن نقول ماذا أضاف إلى المكتبة، فالجواب ليس: أضاف روايات ودواوين فحسب. بل أضاف قارة لغوية كاملة. أضاف إلى العربية ذاكرة كردية عالية، ومخيلة جبلية، وحساسية كونية، ونثرًا لا يرضى بالسهل، وشعرًا لا يساوم على دهشته.
إنه الكاتب الذي جاء من تخوم القامشلي، فإذا به يثبت أن الهامش، حين يمتلك العبقرية، لا يبقى هامشًا؛ بل يصبح مركزًا آخر، أعمق وأشدّ غموضًا وأبقى أثرًا.