«نموت دائماً متأخّرين».. رواية سورية تفتح ملف الألم والمنفى والموت الرحيم

أعلنت منشورات رامينا في لندن صدور رواية «نموت دائماً متأخّرين» للكاتبة السورية لينا رضا، في عمل روائي جديد يقترب من أكثر المناطق هشاشة في التجربة الإنسانية، عبر سرد نفسي وتأملي يتناول المرض، المنفى، العزلة، وأسئلة الموت والنجاة، ضمن فضاء روائي يضع شخصياته على تخوم القرار الأخير.

وتنطلق الرواية من مركز علاجيّ غربيّ يستقبل مرضى ومتقدّمين بطلبات «الموت الرحيم»، حيث تصل الباحثة الشابة «زويا» لإجراء دراسة نفسية حول الأشخاص الذين فقدوا رغبتهم في الاستمرار بالحياة. إلّا أنّ الرواية لا تتعامل مع هذا الفضاء باعتباره مكاناً طبياً فحسب، وإنما تحوّله إلى مختبر إنساني مفتوح على الاعترافات والهشاشة والأسئلة الوجودية الثقيلة، حيث يصبح كل مريض حكاية كاملة عن الخسارة، وكل جلسة حوار مواجهة مع المعنى الأخير للحياة.

في هذا العالم المغلق نسبياً، تتقاطع مصائر شخصيات مهاجرة ومريضة ومنهكة نفسياً، تحمل آثار الحروب والاقتلاع والمنفى، وتعيش صراعاً داخلياً بين الرغبة في الاستمرار وبين التعب العميق من الحياة. ومن خلال شخصية «نورة»”، المرأة السورية التي تواجه مرضاً عصبياً قاسياً، وشخصية «آزاد»، الطبيب الكردي الذي تتشظى داخله أسئلة الحرية والهوية والمنفى، تمضي الرواية نحو تفكيك طبقات معقدة من الألم الشخصي والجماعي، في كتابة تتقاطع فيها الذاكرة السورية مع التجربة الأوروبية الحديثة.

وتبدو الرواية، في كثير من مستوياتها، منشغلة بما يحدث داخل الشخصيات أكثر مما يحدث حولها. فالحوارات الطويلة، والتأملات النفسية، والتداعيات الداخلية، تشكّل البنية الأساسية للسرد، فيما تتراجع الأحداث الخارجية لصالح كشف التشققات العميقة في الوعي الإنساني.

وتقترب الكاتبة من فكرة «الموت الرحيم» من زاوية إنسانية وفلسفية معقّدة، بعيدة عن الأحكام الجاهزة أو المقاربات المباشرة، حيث يتحوّل السؤال عن الموت إلى مدخل لطرح أسئلة أوسع تتعلّق بالألم والكرامة والوحدة والمعنى، وبقدرة الإنسان على احتمال هشاشته الجسدية والنفسية.

وفي هذا السياق، تتحرّك الرواية داخل مساحة نفسية كثيفة، يصبح فيها الحوار أداة لكشف التصدعات الداخلية للشخصيات، فيما تتقاطع الذاكرة السورية وتجارب الهجرة والاقتلاع مع الانهيارات الفردية العميقة. لذلك ينشغل النص بتفكيك التعب الإنساني والعزلة والخسارات الداخلية أكثر من انشغاله بتسارع الأحداث الخارجية، في سرد تأملي يقترب من العتمة النفسية للشخصيات، ويمنح الاعترافات والهواجس والأسئلة الوجودية مساحة مركزية داخل البناء الروائي.

كما تمنح الرواية مساحة واسعة لتجارب النساء المهاجرات، وللتحولات التي تصيب العلاقات العائلية والزوجية تحت ضغط الغربة والمرض والانكسار النفسي. وتستعيد الشخصيات، عبر اعترافاتها، صور الطفولة والبيوت الأولى والأمهات والحروب والرحيل، بحيث تتشكّل الرواية تدريجياً كأرشيف داخلي للهشاشة الإنسانية في زمن الاضطرابات الكبرى.

ويظهر أثر الخلفية الفنية للكاتبة بوضوح في بناء المشاهد والفضاءات الروائية، إذ تعتمد لينا رضا على لغة بصرية دقيقة، وعلى وصف يحمل حساسية تشكيلية واضحة، سواء في رسم الأمكنة أو في التقاط الإيماءات الصغيرة والانفعالات العابرة للشخصيات. كما تحضر الطبيعة، والحدائق، والأنهار، والظلال، بوصفها خلفية هادئة لعالم داخلي متصدع، الأمر الذي يمنح النص بعداً تأملياً كثيفاً.

ويأتي صدور «نموت دائماً متأخّرين» ضمن اهتمام منشورات رامينا بالأعمال الأدبية التي تنفتح على الأسئلة الإنسانية والفكرية المعاصرة، وتشتغل على تقاطعات الهوية والمنفى والذاكرة والتحولات النفسية والاجتماعية، عبر أصوات سردية تسعى إلى مقاربة التجربة الإنسانية بعمق وجدية.

جدير بالذكر أنّ الرواية تقع في 148 صفحة من القطع الوسط، ولوحة غلافها للفنان خضر عبد الكريم.

تعريف بالكاتبة:

لينا رضا من مواليد سوريا عام 1966، وهي فنانة تشكيلية وكاتبة نشرت مقالات في دوريات ثقافية وصحف، من بينها «دبي الثقافية» و«بين نهرين». وسبق أن صدر لها عام 2023 عن دار البلد في سوريا رواية بعنوان «حياة لا يملكها أحد». وتتبنّى الكاتبة في الكتابة والرسم والنحت نهجاً تجريبياً، يعمل على استقصاء جذور الخراب النفسيّ الذي خلّفته السياسات والحروب والعادات الاجتماعية.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.

لكن المشكلة تبدأ في اللحظة…

بهمن قوبادي يرصع قمة جبال هوليود بفيلمه الجديد الاشجار تنظر
بعد سلسلة أفلامه التي حازت على عدة جوائز ضمن مهرجانات السينما العالميه ،
مهرجان سيباستيان – اسبانيا
مهرجان روتردام – هولندا
مهرجان فلورنسه – ايطاليا
مهرجان كان السينمائي – فرنسا
مهرجان تورنتو – كندا
حيث شارك في تلك المهرجانات بأفلام تركت بصمة في عالم السينما ، كفيلم:
وقت الجياد المخموره و قد ترجم…

لندن – أعلنت منشورات رامينا في لندن فوز الكاتب والمترجم والصحفي فريد خليل بالدورة الثانية من “جائزة چولبر في علوم اللغة الكردية” لعام 2026، بعد اختيار لجنة التحكيم اسمه من بين عدد من المرشحين.

وجاء اختيار خليل تقديراً لعمله في اللغة الكردية والترجمة والإعلام، ومشاركته في مشاريع تهتم بوضع معايير للكردية الكرمانجية وتطوير المصطلحات الإعلامية، إلى…