عمالقة موسيقى وغناء الكورد .. قضاء عفرين (1)

ا. د. قاسم المندلاوي

يعد قضاء عفرين مدينة كوردية عريقة تقع في شمال غرب كوردستان، وتتميز بتاريخها الثقافي والاجتماعي الغني، فضلًا عن طبيعتها الجميلة المشهورة بجبالها وبساتين الزيتون التي أصبحت رمزا للمدينة وأهلها. وقد عرفت عفرين عبر عقود طويلة بأنها واحدة من أهم المراكز الثقافية والفنية الكوردية في غرب كوردستان، إذ أنجبت عددا كبيرا من الشعراء والموسيقيين والمطربين الذين كان لهم دور بارز في الحفاظ على التراث الغنائي والموسيقي الكوردي وتطويره.

وقد تميز فنانو عفرين بأدائهم للأغاني الفلكلورية والتراثية والملحمية، التي عبرت عن آلام الشعب الكوردي وآماله، ونقلت صورة الحياة الاجتماعية والتراث الشعبي الكوردي إلى الأجيال الجديدة. كما أسهموا في نشر الثقافة الكوردية داخل سوريا وخارجها من خلال الحفلات والمهرجانات الفنية في أوروبا وعدد من دول العالم، ليصبحوا سفراء حقيقيين للفن والتراث الكوردي.

وظلت مدينة عفرين تنعم بالأمن والاستقرار النسبي حتى عام 2018، حين تعرضت لاحتلال تركي تسبب في معاناة كبيرة لسكانها، وأدى إلى تهجير أعداد واسعة من أهلها الأصليين، فضلًا عن الأضرار التي لحقت بالتراث الثقافي والاجتماعي للمدينة. وبرغم كل تلك الظروف الصعبة، بقي الفن الكوردي العفريني حاضرا ومتمسكا بجذوره وهويته القومية، واستمر الفنانون الكورد في إيصال صوت شعبهم ومعاناته إلى العالم عبر الموسيقى والغناء.

وفيما يلي نبذة مختصرة عن اثنين من أبرز الفنانين الكورد الذين برزوا في مدينة عفرين وأسهموا في خدمة الفن والتراث الكوردي الأصيل.

الفنان الراحل حسن نازي

وهو لقب أطلق عليه نسبة إلى قرية “نازا”، ولد عام 1889 في قرية “نازو أوشاغي” التابعة لمدينة عفرين. بدأ الغناء منذ صغره، وتعلم أصوله على يد والده أحمد ملا حسن.

يعد من رواد المدرسة الفنية والشعر الكردي، واشتهر بأداء الأغاني التراثية والغزلية والملاحم الكوردية في منطقة عفرين. كما كان حاضرا في أفراح ومناسبات أهالي المنطقة، حيث ترك بصمة واضحة في الوجدان الشعبي.

قدم الفنان حسن نازي مجموعة كبيرة من الأغاني التراثية والفلكلورية، وكان له دور بارز في تلحين وغناء العديد منها، ومن أشهر أعماله:

  • خارزمحمد
  • هي له يارا
  • كله يارا
  • نارين
  • حرب تشرين
  • حسن وبسمام
  • شيخ سعيد
  • زينبه
  • دلي
  • حالوم خاتون
  • آغا
  • لوولاتو

وتعد أغنية “لو ولاتو” التي ألفها وغناها لأول مرة عام 1925، من أبرز أعماله، إذ ترمز إلى مأساة الشعب الكوردي بعد انتكاسة ثورة الشيخ سعيد بيران، وما تبعها من قمع واسع.

وفي عام 1973، غنى آخر أغنية له متأثرا بفقدان ابنه الذي استشهد في حرب تشرين، ثم اعتزل الغناء بعدها. ورغم ما تعرض له من معاناة ومضايقات خلال فترات الاضطراب، بقي متمسكا بأرضه وتراثه.

توفي عام 1973 عن عمر ناهز المائة عام، تاركا إرثا فنيا خالدا. رحمه الله.

الفنان المناضل الراحل علي تجو

واسمه الكامل محمد علي تجو، ويعرف أيضا بـ”بافه علي – أبو علي”، ولد عام 1930 في قرية “حسن ديرا” التابعة لمدينة عفرين.

يعد من أبرز رموز الغناء الشعبي الكوردي في المنطقة، وكان مطربا شعبيا وعازف طنبور، إضافة إلى كونه شاعرا وملحنا متميزا. عرف بموهبته الفريدة في ارتجال الأغاني، سواء من حيث الكلمات أو الألحان، مما جعله من أهم أعمدة الغناء الارتجالي الكوردي، ويعتبر شيخ الفنانين في منطقة عفرين وصاحب مدرسة فنية خاصة في التراث الكوردي.

قدم العديد من الأغاني التراثية والملحمية الكوردية، وأسهم بشكل كبير في الحفاظ على هذا اللون من الفن الشعبي ونقله إلى الأجيال اللاحقة.

ومن أغانيه المشهورة:

  • أغنية للشهيدة ليلى قاسم عندما تم إعدامها في العراق خلال حكم البعث الدموي الفاشي في سبعينيات القرن الماضي.
  • أغنية “الشيخ سعيد بيران” قائد ثورة 1925 الكوردية على الدولة التركية الكمالية في شمال كوردستان / تركيا.
  • أغنية للشهيد الراحل القاضي محمد رئيس جمهورية مهاباد في شرق كوردستان / إيران.
  • أغنية لرحيل القائد الملا مصطفى البارزاني في جنوب كوردستان / إقليم كوردستان العراق.
  • أغنية للشهيد المناضل البروفيسور الدكتور عبد الرحمن قاسملو.
  • أغنية لاختطاف القائد المناضل عبد الله أوجلان.

ومن أغانيه الأخرى المشهورة:

  • زينبي
  • ون جافيه تا
  • نجا تري
  • الوداع
  • عفرين
  • بادو جاني لي ارمنيه
  • سارا او سفي شر

وبلغ عدد أغانيه من تأليفه وغنائه 103 أغنيات، ومن أبرز ملاحمه “إيسب شر”.

وبسبب أغانيه القومية والثورية والدفاع عن قضايا شعبه الكوردي وكوردستان، تعرض للاعتقال عدة مرات، وتم سجنه وتعذيبه من قبل أمن ومخابرات البعث السوري.

وامتازت أغانيه أيضا بالدفاع عن حق الفتاة في اختيار شريك حياتها، كما في أغنية “آني أز ناخاشم”، حيث تحدث فيها عن حال فتاة تخاطب والدتها حول مرضها وعجز الأطباء عن معالجتها لأنها مريضة بالعشق بسبب امتناع أهلها عن الموافقة على زواجها ممن تحب.

ومن أشهر أفكاره ونصائحه للجيل الحالي:
“عدم الانجرار وراء المغريات المادية والسقوط في هاوية الأغاني الهابطة”.

وفي عام 1976 دعته منظمة اليونسكو للمشاركة في لقاءات فنية لفنانين من شعوب العالم، فزار فرنسا وهولندا خمس سنوات متتالية، وقدم الغناء والعزف على آلة الطنبور.

وفي عام 2007 تم تكريمه من قبل “تيريج عفرين”، وللأسف تعرض قسم كبير من أغانيه للتلف والدمار خلال الاحتلال التركي لمدينة عفرين عام 2018.

توفي الفنان علي تجو يوم 16 / 2 / 2012، ودفن في مسقط رأسه بقرية حسن ديرا. رحمه الله.

المصادر والمراجع

  1. محسن سيدا – مدارات كرد – 18 / 10 / 2023 – يوتيوب
  2. حسن نازي – كورديبيديا – 13 / 5 / 2023 – يوتيوب
  3. منبر هاوار – لمحة عن حياة الفنان الراحل حسن نازي – 7 / 4 / 2022 – فيسبوك
  4. أغنية “دلي” بصوت الفنان التراثي حسن نازي – موقع تيريج عفرين وموقع جنديرس – يوتيوب
  5. محمد علي تجو – كورديبيديا
  6. أحمد قطمه – نحن والفنان المهمش – 11 / 8 / 2024 – يوتيوب
  7. صلاح الدين عيسى – مقابلة مع الفنان الشعبي محمد علي تجو – 20 / 2 / 2012 – موقع لقمان عفرين – يوتيوب
  8. د. محمد عبدو علي – الفنان محمد علي تجو – 21 / 6 / 2016 – جياي كورمنج – يوتيوب
  9. بمناسبة الذكرى الثامنة – الفن الكردي الأصيل – 16 / 2 / 2020 – فيسبوك
  10. نضال يوسف – محمد علي تجو .. غناء الفلكلور والتراث الأصيل – 13 / 10 / 2012 – يوتيوب
  11. الفنان محمد علي تجو – أغنية شيخ سعيد بيران – يوتيوب
  12. أغاني الفنان محمد علي تجو – يوتيوب – 2016 و2021
  13. أغاني الفنان محمد علي تجو – فيسبوك
  14. شخصيات من الذاكرة الكردية – فيسبوك

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صبحي دقوري

تقوم الرواية على سؤال يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنه في العمق سؤال

عن مدينة كاملة، وعن ذاكرة كاملة، وعن جماعات عاشت معًا ثم فرّقتها الدولة والخوف والحرب

الرواية صدرت سنة 2019 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، في نحو 566 صفحة، وتعود إلى القامشلي بعد هزيمة…

عصمت شاهين الدوسكي

” المَشَاعِرُ هِيَ الْوَقُودُ، وَالْعَقْلُ هُوَ الْمُوَجِّهُ الْمُرْشِدُ.”

” كُلُّ الطُّغْيَانِ يَبْدَأُ مِنْ « أَنَا »، وَيَنْتَهِي بِدَمَارِ الْجَمِيعِ.”

قَبْلَ أَنْ نَسْتَهِلَّ بِجَوْهَرِ الطُّغْيَانِ يَجِبُ أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ الطُّغْيَانُ بِصُورَةٍ عَامَّةٍ، وَبِسُهُولَةٍ وَمُبَسَّطَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفَ الطُّغْيَانُ إِنَّهُ تَجَاوُزُ…

شهدت الأوساط الثقافية الكوردية والعربية في المهجر صدور كتاب فكري وحواري مميز يحمل عنوان «مطاردة المعنى.. من العود الأبدي إلى اللاوعي الجمعي»، للكاتب والشاعر الكوردي السوري إدريس سالم.

وصدر هذا العمل عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب في هولندا، ليكون رافداً جديداً للمكتبة الفلسفية والنقدية الكوردية والعربية، ومحاولة جادة لمقاربة الواقع الثقافي برؤى مغايرة وأدوات…

علي شمدين

مع صدور الترجمة العربية لكتاب «رحلات في كردستان» لمؤلفيه «السير هنري راولنسون وجون جورج تايلور»، والتي ترجمها الأستاذ «رضوان شيخو» مؤخراً من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، ينتابنا شعور عميق بالفخر والاعتزاز مرتين، مرة لأننا نرى حزبنا الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا وهو يضم كل هذه الأقلام اللامعة التي تطوعت، رغم ظروف القهر والاستبداد،…