عبد الجابر حبيب
“ليست كل الأشياء التي تُرمى في القمامة نفايات”
كعادته، استيقظ أبو دجوار قبل شروق الشمس، فأدّى صلاة الفجر، ثم خرج ليسرح بأغنامه في الجهة الشرقية من المدينة. كانت الأشواك البرية ترفع رؤوسها في العراء كحرسٍ مهملين على أطراف المدينة، وعلى مقربة من الحي تنتشر حول حاوية القمامة أكياس الزبالة الممزقة، فيما كانت نباحات الكلاب الشاردة تتقافز بين الأزقة كحجارةٍ تُرمى في بئرٍ فارغة.
مشهدٌ اعتاده أبو دجوار في كل صباح، غير أنّ صباح هذا اليوم حمل تفصيلاً لم يخطر له على بال.
إلى جانب الحاوية لمح قماطاً زهريَّ اللون يبدو جديداً.
في البداية لم يعره اهتماماً. كانت الأكياس المبعثرة تعيق الرؤية، كما أنّ أغنامه أخذت تتفرق في كل اتجاه، فانشغل بجمعها. لكنه، وكمن لمح شيئاً غريباً بطرف عينه، عاد يتأمل القماط من بعيد. وما إن دقّق النظر حتى لمح شيئاً أبيض صغيراً يرفرف خارج القماط، كغصنٍ غضٍّ يقاوم الريح.
اقترب بخطوات مترددة، وحين وصل إليه، تجمد في مكانه.
ـ يا إلهي… ما هذا؟
طفلة حديثة الولادة تتقلب بين الحياة والموت، فيما التصق الدم بوجهها الصغير كقناعٍ أحمر تركته الولادة على عجل.
ارتبك الرجل. لم يسبق له أن واجه موقفاً كهذا. تدافعت الأسئلة إلى رأسه دفعة واحدة: ماذا لو اتهموه بأنه هو من ألقى بهذه الطفلة؟
وماذا لو وجد نفسه ساعات طويلة في مخفر الشرطة يجيب عن أسئلة لا تنتهي؟
بل ماذا لو حمّلوه مسؤولية رعايتها باعتباره أول من عثر عليها؟
وجد أبو دجوار نفسه يهاب أسئلة زوجته أكثر مما يهاب أسئلة رجال الأمن، فهي التي لا تكف عن مطالب الحياة اليومية، وأطفاله الخمسة الذين يعجز في كثير من الأحيان عن تأمين أبسط احتياجاتهم. فعمله راعياً للغنم، كما يقول المثل “لا يسمن ولا يغني من جوع”
في تلك اللحظة تنازعه صوتان:
صوت بكاء الطفلة الذي كان يستنهض ما تبقى في داخله من رحمة، وصوت الخوف الذي يهمس له بالابتعاد عن المشكلة قبل أن تلتصق به.
وتذكر المثل الكردي:
“Tas hat û çingiya çi rast çi derew”
ثم بدا له كأن أحداً يهمس في أذنه:
ـ ابعد عن الشر وغنِّ له.
لكن أنين الصغيرة كان أقوى، فجمع شجاعته وصرخ بأعلى صوته:
ـ يا ناس… يا أهل الحي… تعالوا شوفوا!
من حسن حظه أن السيد شوقي كان يمر قريباً من المكان. سمع الصراخ، فهرول نحو مصدره ظاناً أنّ مكروهاً أصاب الرجل.
ما إن وصل حتى أشار أبو دجوار إلى القماط.
انحنى السيد شوقي فوق القماط، وشهق نفساً عميقاً، ثم قال:
ـ يجب أن نخبر أهل الحارة فوراً. لا بد أن يكون هناك شهود على هذه الجريمة.
كانت الطفلة مضرجة بالدم، ولم يكن مستبعداً أن تكون الجرذان قد نهشت شيئاً من جسدها الطري. ولحسن حظها أنّ الكلاب الشاردة لم تصل إليها بعد.
خلال دقائق خرج الناس من بيوتهم كما تخرج العصافير المذعورة من بين أوراقِ شجرةٍ أصابها حجر.
تطايرت التعليقات من كل جانب:
ـ يا حرام… لماذا لم يتركوها عند باب الجامع؟
ـ ربما الذي رماها ليس من أهل الحارة.
ـ مستحيل أن يحدث هذا في حيّنا.
ـ لو سلّموها لعائلة لا تنجب لكان أفضل.
تقدم أبو خليل، إمام الجامع، قائلاً: يجب إبلاغ الأسايش فوراً.
عندما حضرت دورية الأسايش، خيم على المكان صمت ثقيل. تقدم أحد العناصر وانحنى بين أكوام النفايات، حمل الطفلة بحذر بين ذراعيه.
بدت صغيرة إلى درجة يصعب تصديقها. ثلاث ساعات من العمر فقط.
مع ارتفاع الشمس، أخذت رائحة القمامة تتخمر في الهواء، غير أن رائحةً أخرى كانت تسبقها إلى البيوت والمقاهي والدكاكين؛ رائحة جريمة خرجت من حاوية صغيرة، واتسعت حتى صارت بحجم مدينة.
خلال ساعات انتشر الخبر في كل مكان، بينما واصل الناس إطلاق أحكامهم الجاهزة:
ـ بنت حرام.
ـ الفقر هو الذي دفع أهلها إلى رميها.
ـ لو كان ولداً لما رموه
ـ لو كانت الكاميرات تعمل لعرفنا الفاعل.
في المساء، غرقت المدينة في عتمتها المعتادة. ارتفعت أصوات المولدات الكهربائية، وامتزج هديرها بنباح الكلاب الشاردة، وفي مكان ما، داخل غرفة باردة في أحد مشافي المدينة، كانت الطفلة تنام للمرة الأولى.
أما الحاوية ما تزال في مكانها، والأكياس الممزقة ما تزال تتراقص مع الريح، وكأن شيئاً لم يحدث هنا صباحاً.
وحدها الطفلة كانت قد غادرت المكان.
اما الأسئلة فبقيت هناك تنبش بين الأكياس.