صدر حديثاً عن منشورات رامينا في لندن كتاب «حياة مليئة بالأحلام» للكاتب هِنير سليم، بترجمة عربية أنجزها سعيد حكيم. وفي هذا العمل الروائي يواصل هِنير سليم استكشاف أسئلة المنفى والهوية والذاكرة واللغة، عبر سرد تتعانق فيه السخرية السوداء مع التأمل الإنساني العميق، وتتقاطع فيه التجربة الفردية مع قضايا الانتماء والاقتلاع والبحث الدائم عن المعنى.
تبدأ الرواية من نقطة تبدو للوهلة الأولى نهاية الحكاية، لكنها تتحول سريعاً إلى بدايتها الفعلية. فالشخصية الرئيسة، ديلمان، تجد نفسها في عالم ما بعد الموت، تراقب ما يجري حولها من مسافة مختلفة، وتتابع جنازتها ومصير رمادها والأحاديث التي تُقال عنها بعد الرحيل. ومن هذه الفكرة السردية ينطلق هِنير سليم لبناء رواية تتجاوز حدود الحكاية التقليدية، وتفتح المجال أمام مراجعة طويلة للحياة من خلال عينٍ تحررت من الزمن اليومي ومن إكراهات الواقع المباشر.
ويمنح هذا الموقع السردي للرواية قدرة استثنائية على الحركة بين الأزمنة والأمكنة والذكريات. فديلمان لا يكتفي بمراقبة الحاضر، وإنما يعود باستمرار إلى محطات من حياته، مستعيداً وجوهاً وأمكنة وتجارب وعلاقات تركت أثرها العميق في تكوينه النفسي والإنساني. ومن خلال هذه الاستعادات تتشكل صورة إنسان عاش بين أكثر من لغة وأكثر من وطن وأكثر من ذاكرة، وبقي يبحث عن نقطة توازن بين ما غادره وما حمله معه إلى المنفى.
وتحتل تجربة المنفى موقعاً مركزياً في الرواية. فالمنفى هنا تجربة وجودية كاملة تتداخل فيها الجغرافيا مع اللغة والذاكرة والعلاقات الإنسانية. وتتحرك الشخصية بين باريس وكردستان، بين المكان الذي احتضن حياتها الجديدة والمكان الذي ظل حاضراً في أعماقها رغم المسافات. وفي أكثر من موضع تكشف الرواية عن ذلك التوتر الدائم الذي يرافق أبناء المنافي؛ توتر الانتماء إلى مكانين في وقت واحد، والشعور بالاقتراب والابتعاد عنهما في آن.
ومن أبرز المحاور التي تتناولها الرواية العلاقة باللغة. فهِنير سليم يفتح من خلال شخصية ديلمان ملفاً بالغ الحساسية يتعلق باللغة الأم وما يطرأ عليها من تحولات تحت تأثير الهجرة والمنفى والاندماج في مجتمعات جديدة. وتتحول اللغة إلى جزء من السيرة الذاتية للشخصية، وإلى مرآة تعكس علاقتها بتاريخها وثقافتها وطفولتها، كما تصبح وسيلة للتأمل في الخسارات الصامتة التي ترافق الابتعاد الطويل عن الوطن.
وفي قلب هذه الرحلة تحتفظ الأم بمكانة خاصة. فهي الحضور الأكثر رسوخاً في ذاكرة ديلمان، والصوت الذي يقوده باستمرار إلى جذوره الأولى. لذلك تتكرر العودة إلى الأم في لحظات متعددة من الرواية، وتتخذ هذه العودة أبعاداً إنسانية وعاطفية تتصل بالطفولة والبيت واللغة والذاكرة، وتكشف مقدار ما تبقى من أثر العائلة في الإنسان مهما ابتعدت به الطرق والأمكنة.
وتتميّز الرواية كذلك بقدرتها على توظيف السخرية في أكثر اللحظات حساسية. فالموت الذي يشكل محور العمل يتحول إلى فرصة لإعادة النظر في البشر وخطاباتهم وصورهم عن أنفسهم. وتكتسب مشاهد الجنازة والأحاديث الدائرة حول ديلمان بعد رحيله طابعاً ساخراً يكشف التناقضات الإنسانية ويعيد طرح أسئلة الحقيقة والذاكرة والصورة التي يتركها الإنسان وراءه.
ولا تنفصل هذه السخرية عن البعد الفلسفي الذي يمر عبر صفحات الرواية. فالكاتب ينشغل بأسئلة تتعلق بالحياة والمصير والانتماء والحرية والهوية، ويطرحها ضمن سياق سردي مرن يتجنب المباشرة والخطابة. ومن خلال التفاصيل اليومية والذكريات الشخصية تتولد أسئلة أوسع تتعلق بموقع الإنسان في العالم، وبما يبقى منه بعد أن يغادره.
يعتمد هِنير سليم على لغة تجمع بين البساطة والعمق، وعلى مشاهد قصيرة متتابعة تمنح السرد إيقاعاً حيوياً. وتبدو خبرته الطويلة في الحقل السينمائي حاضرة في بناء المشاهد وتشكيل الصور وتوزيع الإيقاع السردي، حيث تتنقل الرواية بسلاسة بين الحوار والتأمل والاسترجاع، وبين المواقف الساخرة واللحظات الإنسانية المؤثرة.
في «حياة مليئة بالأحلام» يواصل هِنير سليم هذا المشروع الإبداعي، مقدماً رواية تتحرك بين الحياة والموت، وبين الذاكرة والمنفى، وبين اللغة والهوية. وهي رواية تنظر إلى الإنسان من موقع مختلف، وتعيد مساءلة ما يتركه خلفه من أثر، وما يحمله معه من أحلام، وما يبقى حيّاً في الذاكرة بعد أن ينطفئ الجسد.
جدير بالذكر أن الرواية تقع في 182 صفحة من القطع الوسط، ولوحة الغلاف هي للمؤلف نفسه.

ويُعد هِنير سليم من الأسماء الكردية البارزة في المشهد الثقافي الأوروبي المعاصر. ولد في كردستان العراق، وغادر بلاده في مرحلة مبكرة ليستقر في فرنسا، حيث بنى مسيرة لافتة في السينما والكتابة. عُرف عالمياً مخرجاً وكاتب سيناريو، وقدمت أعماله رؤى خاصة حول قضايا الكرد والمنفى والهوية والتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة. وإلى جانب حضوره السينمائي، واصل اشتغاله الأدبي عبر أعمال سردية تجمع بين التجربة الشخصية والأسئلة الإنسانية الواسعة.