فصل من روايتي التي تحمل عنوان: الصديقان

د . مرشد اليوسف
صمت أوصمان للحظة، ورفع عينيه نحو السماء المرصعة بالنجوم، كأنما يستشيرها في ما قال.
كان خورشيد منصتاً، لم يقطع عليه، بل ترك كلماته تتراقص في فضاء الحوش كما يتراقص الغبار في شعاع الشمس.
ثم قال خورشيد بصوت هادئ:
كلامك جميل يا أوصمان، جميل كأغنية المطر الأولى، لكنه هشّ كزبد البحر.
أنت تريد أن ترفع الجبال، وتشعل نيران نيروز، وتعيد كتابة الشرائع، لكن هل سألت نفسك: من سيحمل معولك حين تتعب؟ ومن سيشرب من كأسك حين تعطش؟
ابتسم أوصمان ابتسامة مريرة:
أنت لم تفهمني يا خورشيد… أنت تنظر إلى الأمور من زاوية الأرض، من زاوية الحقول والبيادر وبيوت الطين.
أنا أنظر من زاوية السماء.
الفرق بيننا أنك تؤمن بأن التغيير يبدأ من تحت، من جذور القمح والقطن، وأنا أؤمن بأنه يبدأ من فوق، من الأفكار الكبرى، من الرؤى التي تهز الضمائر.
نهض خورشيد من كرسيه، ومشى خطوات نحو شجرة الياسمين، ولمس غصناً منها وكأنه يبحث عن شيء ملموس ليثبت به كلامه:
القمح الذي في حقولنا يا أوصمان، لا ينمو بالأفكار وحدها.
يحتاج إلى الماء، إلى اليد التي تحرث، إلى الصبر .
شعبي الذي تتحدث عنه، شعبي الذي تحلم بخلاصه، يعيش تحت الشمس الحارقة، يعدو خلف رغيف الخبز، لا خلف شرائع أور نامو.
كيف ستحدثه عن الحرية وهو لا يملك قوت يومه؟ كيف ستحدثه عن الكرامة وهو ينام على التراب؟
اقترب أوصمان من خورشيد ووضع يده على كتفه:
لأنني لا أريد أن يظل هكذا!
لأنني أريد أن أفتح عينيه على ما هو أوسع من رغيف الخبز. أتعرف لماذا يتكسر الإنسان؟ لأنه يرى الأفق ضيقاً. أتعرف لماذا يرضى بالقليل؟ لأنه لا يعرف أن هناك أكثر.
مهمتي أن أريه الأكثر، أن أريهم جميعاً أنهم يستحقون الأكثر.
تغيرت نبرة خورشيد، وارتفع صوته قليلاً:
لكن من أنت لتقرر ما يستحقونه؟
من أنت لتكون نبيّاً لهم؟
ألست أنت ذاك الذي كان يختبئ خلف الجدران ليراقب النساء؟ ألست أنت ذاك الذي كان يلهث خلف نارين وشيرين؟
كيف صرت بين ليلة وضحاها صاحب الرسالة؟
ضرب أوصمان قبضته على الطاولة الخشبية الصغيرة، فارتجّت مع أكواب الشاي التي كانت عليها:
لأنني عشت!
لأنني رأيت!
لأنني ذقت مرارة الفقر لما حُرِمْتُ من حقي في الإرث، ولما رأيت أمي تبكي في الليل وأبي يلعن الأيام. لأنني عرفت أن الجوع ليس أشد قسوة من اليأس!
اليأس يا خورشيد هو المرض العضال، وأنا أحمل دواءه!
تدخل الصمت بينهما للحظات، ثقيلاً كالسحب السوداء قبل العاصفة.
ثم جلسا كلاهما، منهكين، كأنهما خرجا من المعركة. التفت أوصمان إلى خورشيد وقال بصوت أخفض:
هل تعرف ما الذي يؤلمني أكثر؟ أنني أحبك يا خورشيد، وأحب هذا الوطن، لكننا نختلف في طرق الخلاص. أنت تريد أن تبني من الحجارة، وأنا أريد أن أبني من الأحلام. وربما… ربما نحتاج إلى الاثنين معاً.
تنهد خورشيد بعمق، ومد يده نحو أوصمان، وصافحه بحرارة:
ربما كنت قاسياً . تعلمت من امي الألم أكثر من الفرح، وأن الصمت أحياناً أبلغ من الكلام.
ولكن اسمعني يا أوصمان:
إذا أردت أن تغيّر هذا الوطن، فلا تبدأ بالآلهة ولا بالملوك ولا بالشرائع القديمة. ابدأ بالإنسان الذي أمامك.
ابدأ بقلبه، ثم بعقله، ثم بيده. عندها فقط ستكبر شجرتك وتمتد ظلالها.
نظر أوصمان إلى خورشيد بنظرة مختلفة، نظرة امتزج فيها الاحترام بالدهشة: ربما كنت محقاً… لكن دعني أسألك سؤالاً:
أنت الذي تحدثت عن أمك وعن وحدتك وعن ألم اليتم… هل وجدت يوماً ما يملأ الفراغ في داخلك؟ أم أن فلسفتك هي مجرد درع تختبئ خلفه؟
ارتجف خورشيد للحظة، وكأن السؤال أصاب مقتلاً.
أخذ نفساً طويلاً، ثم أجاب بصوت مبحوح:
لم أجد بعد… لكني ما زلت أبحث. ربما في يوم من الأيام، تحت شجرة ياسمين أخرى، أو عند ضفاف نهر الخابور، أو في عيون امرأة لم أعرفها بعد… سأجد ما يردّ للروح دفئها.
لكن حتى ذلك الحين، سأظل أكتب فلسفتي على جدران الوحدة، وأرسم أحلامي على سقف الغرفة رقم واحد.
ضحك أوصمان ضحكة صافية، كأنما أزاح عن كاهله حملاً ثقيلاً:
إذن نحن متشابهان أكثر مما نتصور.
أنت تكتب فلسفتك على الجدران، وأنا أكتب تاريخي على الريح.
لكن الريح والجدران… كلاهما يحتاج إلى إنسان يقرأه.
قام أوصمان واقترب من عريشة العنب، وقطف عنقوداً صغيراً وأعطاه لخورشيد:
خذ هذه هدية المصالحة. فلنشرب الشاي مرة أخرى، ولنعد إلى النقاش من جديد، لكن هذه المرة… دعنا نبحث معاً عن أرض مشتركة بين جدارك وريحي.
أخذ خورشيد العنقود وابتسم، وظهرت لأول مرة في عينيه ذلك البريق الذي يسبق الفجر:
أتدري يا أوصمان؟
ربما يكون خلاص هذا الوطن ليس في ثوراتنا الكبرى، ولا في صحواتنا الفلسفية، بل في هذه اللحظات الصغيرة:
لحظة الصداقة، لحظة التفاهم، لحظة العنب والياسمين والشاي في ليلة نيسانية.
وجلسا جنباً إلى جنب، وصمتا طويلاً، يتأملان النجوم التي كانت تتهادى في السماء كأنها تراقبهما. وفي ذلك الصمت، شعر كلاهما بأن شيئاً قد تغير، بأن هناك جسراً رفيعاً قد امتد بين عوالميهما المختلفة، جسر من كلمات لم تُقل بعد، وأحلام لم تولد بعد.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظ خورشيد باكراً، وجلس على حافة سريره يكتب في دفتره القديم:
“ربما ليست الحرية أن نغير العالم دفعة واحدة، بل أن نتعلم كيف نعيش في تناقضاته دون أن نفقد أنفسنا. ربما تكون النجاة أن نصنع من اختلافاتنا جسراً، لا سوراً. وربما يكون الوطن الحقيقي هو ذلك المكان الذي نلتقي فيه، أنا وأوصمان، على ضفة نهر الخابور، نتبادل السمك المشوي والأحلام، ونترك للزمن مهمة تقرير أي منا كان على حق.”
وأغلق الدفتر، وارتدى ملابسه، وخرج إلى شرفة الحوش، حيث كان أوصمان قد سبقه، واقفاً يتأمل شروق الشمس فوق جبل كوكب .
قال أوصمان دون أن يلتفت:
هل تعلم ما أجمل ما في هذا الصباح؟
سأل خورشيد:
ما هو؟
أجاب أوصمان، ويكسوه فمه ابتسامة خفيفة:
أننا ما زلنا هنا. ما زلنا نتنفس.
ما زلنا نختلف.
وما زلنا نأمل.
وقفت الشمس في كبد السماء، وبدت الحسكة من بعيد كأنها مدينة من العسل والذهب، تتوشح بضوء الصباح، وتحتضن في أحشائها كل تلك الأرواح المتعبة، كل تلك الأحلام المتشظية، وكل تلك الصداقات التي تولد من رحم الخلاف، لتعيش في فضاء الأمل.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

تعلن منشورات رامينا مشاركتها في معرض الكتاب الذي تنظمه لجنة الأنشطة في الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الكرد – سوريا (YNRKS)، والمقام يومي 4 و5 تموز/ يوليو 2026 في مدينة إيسن الألمانية، بمشاركة عدد من دور النشر والكتّاب والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي من ألمانيا ودول أوروبية أخرى.

وتشارك الدار في المعرض بمجموعة متنوعة من إصداراتها باللغات العربية…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

حِينَ يضيق الواقعُ بأهله، ويشتدُّ وَطْءُ الظلم على الشعوب، لا يبقى للإنسان سِوى صَوته الحُرِّ يرفعه في وجه القهر، فتنبثق الكلمة مِن رَحِم المُعاناة لتغدو سلاحًا لا يقلُّ أثرًا عن السَّيف.

في تاريخ الأدب، تبرز أسماء قليلة استطاعتْ أن تتحول إلى ضمير الأُمَّة ولسانِ الشعب. ومِن بَين…

صبحي دقوري

لم يفشل النقد العربي في استيعاب سليم بركات لأن نصّه صعب فحسب، بل لأن مشروعه الأدبي كلّه يفضح حدود الأدوات التي اعتاد النقد العربي أن يعمل بها. فالمسألة، في جوهرها، ليست أزمة نصّ غامض أمام قارئ مرتبك، بل أزمة جهاز نقدي كامل حين يجد نفسه أمام كتابة لا تدخل في قوالبه، ولا تستجيب لمفاتيحه…

فواز عبدي

هاتفني صباح هذا اليوم ليخبرني أن كلبه قد هرب. وحين سألته عن السبب، قال:

إنك تعلم كم كنا نعتني به، وندللـه.. لقد صار كأحد أفراد عائلتنا ولا نستطيع مفارقته.. إننا..

قاطعته:

لا أعلم إن كان لديك كلب. وعلى حد علمي فإنك كنت تكره الكلاب..

قال: صحيح. ولكن بعد عودتي من الخليج، وبعد أن أتممت هذا البناء، طلب الأولاد…