قراءة انطباعية في ديوان «السوريون» للشاعر عبدالله الحامدي

نصر محمد / المانيا 

 ديوان السوريون صدر عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع / الإمارات العربية المتحدة ، يحوي بين دفتيه عشرون نصا على امتداد مائة وعشر صفحات من القطع المتوسط ، سعدت جدا بقراءتها ، وكانت لي هذه القراءة المتواضعة. 

 قبل أن أدخل عالم القراءة ، لا بد أن أتقدم للقارئ بلمحة عن الشاعر 

 من عامودا مدينة الحب والقصيدة ، يطل علينا عبدالله الحامدي ويضيء سماء الكلمة ، 

 في زحمة المشهد الثقافي السوري استطاع أن يحفر حضوره بالكلمة الصادقة لا بالضجيج ، كأحد من الشعراء اللذين حملو قضية الإنسان والوطن والمرأة في قلب القصيدة ، فكتب بوجدان واحد ليجعل من الحرف جسرا بين الأرض والمنفى ، وبين الذاكرة والحلم 

 عبدالله الحامدي شاعر وصحفي سوري مقيم في قطر ، مواليد 1967 عامودا / السورية 

بكالوريوس اللغة العربية ، جامعة دمشق 1995 ، ماجستير الأدب والنقد جامعة سيدي محمد بن عبدالله ، فاس 2007 

عمل في الصحف والمجلات والمؤسسات الثقافية القطرية 

انتج فيلم ” ماردين ” قناة الجزيرة الوثائقية، تركيا عام 2010

 مؤلفات نقدية : 

ملامح تشكيلية قطرية ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث ، الدوحة 2003

الفن التشكيلي في دولة قطر : ستون عاما من الإبداع ، مؤلف مشارك ، بالتعاون مابين اكتارا و الكسو ، دارا كتارا للنشر عام 2021

 مؤلفات شعرية : 

وردة الرمل ، دار المختار دمشق 1995

نشرة غياب ، مطابع الراية ، الدوحة 2005

الرهوان ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت عام 2015

 من خلال ثلاثة نصوص: “السوريون الماضون” و “السوريون الآتون” و “ستعودين” ان اقدم نموذج متقدم من الشعر الحديث 

 ديوان “سوريون” للشاعر عبدالله الحامدي ليس ديوان شعر عابر ، بل هو مشروع هوية. شاعر خرج من عامودا ، من أقصى الجزيرة السورية، وحمل معه ذاكرة المكان – تلال أوركيش ومياه الخابور – إلى منفى اختياري طويل في قطر . ومن هذه المسافة، مسافة المغترب الذي يرى الوطن بوضوح أكثر، كتب هذا الديوان ليجيب على سؤال واحد مؤلم كان يلاحق كل السوريين بعد عام 2011 : من نحن بعد كل هذا الشتات ؟

 النصوص الثلاثة التي بين أيدينا – تكشف بجلاء أن الديوان مبني كمعمار دائري محكم ، يمثل ثلاث مراحل وجودية للإنسان السوري : الجذر ، والتيه ، والعودة .

 أولاً: “السوريون الماضون” – قصيدة الجذر

هذا النص هو البيان التأسيسي للديوان. يبدأ الشاعر بكلمة مدهشة: “سعداء”. سعداء ولدنا قرب قفير الشمس .

 وهو افتتاح مقصود يضرب فكرة أن تاريخنا هو تاريخ حزن وحروب فقط . السعادة هي الأصل .

 بنية القصيدة قائمة على تكنيك “التقمص التاريخي الجمعي”. الشاعر لا يقول “كان أجدادي الحوريون” بل يقول “حوريون، فينيقيون… صنعنا ، بنينا ، أوغلنا ” . هو يلغي آلاف السنين بضمير “نحن” . ليؤكد أن السوري اليوم هو استمرار بيولوجي وحضاري واحد لكل هذه الطبقات .

 واختياره لبداية التاريخ ذكي جداً ومحلي : يبدأ بـ “أوركيش” – المدينة الحورية التي تقع تلتها الأثرية “تل موزان” على مقربة من عامودا مسقط رأسه . أن يصرخ اسم قريته الصغيرة في وجه التاريخ العالمي ، ويجعل صرخة أم من أوركيش تنادي ” تعالوا يا أولاد سيخطفكم برق الإعصار ” ، فهذا إعلان أن التاريخ السوري يبدأ من الهامش المنسي ، من الجزيرة ، وليس فقط من دمشق وحلب .

 ثم يتتبع التطور: من الطفولة الطبيعية “عراة الصدر سواعدنا يكسوها الريش” إلى الطفولة الحضارية “نكتب فوق الألواح بأحرفنا الأولى” في إشارة لأبجدية أوغاريت ، إلى مرحلة التمدد الفينيقي “بنينا صور وقرطاج وطنجة” وتصحيحه لأسطورة أوروبا “نبحث عن جدتنا الأوروبية”، وصولاً إلى قمة العطاء الفكري السوري : زينون الرواقي مؤسس الفلسفة الرواقية ، و فيلب العربي الإمبراطور ، و زنوبيا ” سيدة الإشراق ” .

 اللغة هنا ملحمية ، جملها فعلية وحركية ، إيقاعها صاعد .

 ثانياً: “السوريون الآتون” – قصيدة التيه

 إذا كان النص الأول يصعد ، فهذا النص يهوي . وهو موجود في وسط الديوان – ص 47 – كقلب مكسور .

هذا أو ذاك

كل منا منفي أو منسي

فرداً فرداً وجماعات

في أصقاع الدنيا

في الأفلاك

 اختفت الأفعال الكبيرة ، وحلت جمل قصيرة متكسرة كأنفاس لاجئ . واختفت الأسماء التاريخية الكبيرة ، وحل محلها توصيف الحاضر المر : المنفى والنسيان .

 هنا يتحول الشعر من ملحمة إلى دعاء . صرخة ” رباه!” في منتصف القصيدة هي لحظة الانكسار والصدق الأكبر . بعد كل أمجاد أوركيش وزنوبيا ، لا يطلب السوري اليوم سوى ” كهفاً ملموماً نستلهم فيه الذات يوماً أو بضعة أيام ” . ليس قصراً ، بل كهفاً يلم شتاتنا . هذا التواضع في الطلب هو قمة المأساة .

 ثم يأتي بسخريته المرة العظيمة :

فنحن – الجبارين –

سادة عصر الحجر

الفحم ، الغاز ، الذرة

 نحن الذين كنا سادة عصر الحجر الأول – أي بناة أول حضارة – صرنا اليوم سادة عصور حجر أخرى : حجر الفحم الذي يُستغل ، والغاز الذي يُباع ، والذرة التي يُقصف بها .

 وينتهي بوضع دستور السوري القادم ، الذي سيروى عنه : ” كانوا أحراراً كانوا سوريين ” . الحرية صارت هي المنجز التاريخي بحد ذاته . ويحدد مهمته الرباعية :

 نرفو جرح الإنسان ، ونرفع صرح العمران ، نفتح أبواب العلم ، ونغلق باب الاستبداد .

ليكمل رحلتنا القصوى نحو الله . من قفير الشمس في البداية إلى الله في النهاية .

 ثالثاً: “ستعودين” – قصيدة العودة

وهذا هو النص الأخير في الديوان – ص 101 – وهو خاتمة لا يمكن أن يكون غيرها . لو انتهى الديوان بالنص السابق لكان ديوان يأس . لكن الحامدي يختم بقصيدة حب .

 التحول البلاغي هنا هو الأهم : من ضمير ” نحن ” الجمعي الملحمي ، إلى ضمير ” أنتِ ” المفرد الحميم . سوريا لم تعد فكرة أو تاريخاً ، بل صارت حبيبة يخاطبها .

ستعودين

كما كنت يوماً

ضوءاً سعيداً معلقاً على الأعمدة

 وعلامات العودة عنده ليست سياسية ولا عسكرية ، بل علامات الحياة العادية المقدسة التي فقدناها :

سيقرأ التلاميذ دروسهم ، ويكتب العشاق رسائلهم ، ويلعب الأطفال عامدين حول المائدة .

 كلمة ” عامدين ” وحدها قصيدة . الطفل الذي يلعب حول المائدة عامداً هو طفل يشعر بالأمان ، لا يخاف القذيفة .

 ثم يأتي بصورته التي لا يمكن أن يكتبها إلا ابن الجزيرة :

 ستعودين مثل الفيضان في كل ربيع وكلما ذاب الثلج

العودة ليست حدثاً لمرة واحدة ، بل هي دورة طبيعية كفيضان الخابور عند ذوبان ثلوج طوروس . قدر لا يُرد .

 ويختم الديوان كله بهذا البيت الذي يرد على أول بيت :

سأعجن ما تبقى من ترابك بالقش وأبني بيتنا كالعش بالماء والشمس والهواء

في البداية بنينا صور وقرطاج وطنجة – مدن العالم . في النهاية نبني عشاً من قش وتراب . من العمارة الإمبراطورية إلى عمارة الدفء . هذا ليس فشلاً ، بل عودة للجوهر . بعد أن جربنا كل مواد الحضارة الحديثة ، نعود للعناصر الأربعة الأولى للخلق .

 بهذه النصوص الثلاثة يتضح أن ديوان “سوريون” مبني على قوس سردي متكامل :

يبدأ بـ “سعداء ولدنا” – الولادة الكونية .

يمر بـ “كل منا منفي أو منسي” – التيه الكوني .

وينتهي بـ “وأبني بيتنا كالعش” – العودة الإنسانية .

 إنه ديوان يأخذ القارئ من الأسطورة إلى المأساة إلى الحلم . من أوركيش إلى الأفلاك إلى المائدة .

 قيمة الحامدي الأدبية هنا أنه لم يكتب شعراً سياسياً مباشراً ، ولم يكتب نوستالجيا بكائية . بل كتب شعر هوية تأصيلي . أعاد تعريف كلمة ” سوري ” من كونها جنسية في جواز سفر ، إلى كونها حالة حضارية عمرها سبعة آلاف عام ، تمرض لكنها لا تموت ، تموت وتبعث كالعنقاء ، كما قال هو نفسه في نصه الأول .

 وهذا هو عزاء السوري في الشتات وفي قطر وفي كل أصقاع الدنيا : بيته قد يهدم كالعش ، لكنه يعرف كيف يعجنه من جديد بالماء والشمس والهواء .

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

دوسلدورف- خاص: أقام تجمع المعرفيين الأحرار أمسية شعرية في مدينة دوسلدورف، يوم السبت 08.08.2026، استضاف خلالها الشاعر حفيظ عبد الرحمن، في لقاء ثقافي احتفى بالكلمة والشعر ودور الأدب في تنمية الوعي الإنساني.
أدار الجلسة مدير مبادرة تجمع المعرفيين الأحرار، الكاتب ريبر هبون، الذي استهل الأمسية بالتأكيد على ضرورة الالتفاف حول المتنورين والمثقفين والمبدعين، والمضي قدماً نحو…

تستعدّ العاصمة التشيكية براغ لتنظيم دورة من معرض الكتاب العربي والكردي يومي 15 و16 أغسطس، في فعالية ثقافية تنظمها الجالية الكردية السورية في جمهورية التشيك بالتعاون والتنسيق مع نادي القلم التشيكي، بمشاركة دور نشر كردية وكتّاب من عدة بلدان، في تظاهرة تسعى إلى تعزيز حضور الكتاب الكردي والعربي في التشيك، وتوسيع دائرة الحوار بين الثقافة…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لا تُقَاس الرواية الحديثة بقدرتها على سرد الوقائع فحسب، بل بقدرتها على تحويل الجِراح الإنسانية إلى لغة، والذاكرة إلى جماليات، والألم إلى سؤال فلسفي يتجاوز حدود الزمان والمكان.

والصدمات _ سواءٌ كانت شخصية أمْ جماعية _ لم تعد مجرد أحداث عابرة في البناء السردي، وإنما أصبحت جوهرًا معرفيًّا…

سائدة عائد البشيتي

تتبوأ التجربة النقدية لدى الباحث والأكاديمي الفلسطيني فراس حج محمد موقعاً متميزاً ضمن المشهد الأدبي الفلسطيني والعربي المعاصر؛ إذ تنطلق قراءاته من بنية معرفية متخصصة نال عبرها درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية عام 1999، واستمرت بالنمو عبر منجز كتابي غزير يتجاوز الأربعين مؤلفاً تتوزع بين الشعر والنقد والسرد…