نصر محمد / ألمانيا
هذه ليست قصيدة عن مدينة ، بل قصيدة عن مسافة . عشرون دقيقة هي المسافة الجغرافية إلى عامودا ، وعشرون عاماً هي المسافة الوجودية للوصول إليها .
1. مفارقة الزمن – عشرون دقيقة التي لا تنتهي :
تفتتح بـ ” إلى عامودا تأخذني عشرون دقيقة ” – جملة تقريرية ، بسيطة ، كأنها مواصلات . ثم تكسرها فوراً بـ ” وزمرة من العمر والذكريات “. هنا يتحول الطريق من إسفلت إلى زمن . الجسد يصل في عشرين دقيقة ، لكن الروح تحتاج زمرة ، أي جماعة ، من العمر كله . وهذا هو تعريف المنفى الداخلي : القرب الجغرافي والبعد الروحي . أن تكون عامودا أمامك وتحتاج عمراً لتدخلها .
2. عامودا كوليمة بكاء – من المكان إلى الطقس :
” صارت عامودا تأخذني إلى وليمة بكاءٍ كل مرة “
تحول مدهش . المدن عادة تأخذنا إلى ولائم فرح أو غداء . لكن عامودا ، بعد كل ما جرى ، صارت وليمة بكاء . والوليمة طقس جماعي ، ليس بكاءً فردياً . نحن نبكي معاً ، نأكل حزننا معاً .
ثم تأتي الجملة الأكثر وجعاً وصدقاً في النص كله :
” أمسِ ، وارينا شاعراً في حناجرنا ، فلم نرثه بـ توقيعة ولم نخصّه بـ مفارقة ، نحن الذين نصطفي القُربَ فنخرس “
هنا تعري الشاعرة بلاغة الفيسبوك . حين يموت شاعر حقيقي ، يسكن في الحنجرة ، لا في المنشور . نحن جيل يصطفي القرب الحقيقي فيخرس ، لأن اللغة تصبح أصغر من الفقد . هذا بيت قصيد يعري كل مراثي الاستعراض .
3. بغداد كحالة صوفية لا كجغرافيا :
فجأة تنقلنا من عامودا إلى بغداد . وهذا ليس شروداً ، بل هو الجذر .
” وتعرفني بغداد مذ كنتُ أمنيةً خبأها عاشقٌ طيَّ شغافه “
بغداد هنا ليست عاصمة ، هي نسب . هي الطريقة القادرية ، هي الشيخ الجيلاني . الشاعرة القادري تحمل اسمها قدراً. لذلك تقول :
” وأذكاري القادرية تسبّح ربّ الأقدار “
جناس بديع بين القادرية والأقدار . الذكر الصوفي هو محاولتها لضبط الفوضى ، لتسبيح القدر لا للاحتجاج عليه .
و ” أبي أمير الحضور والغياب في قلب ابنة خاله ” – هنا تظهر بنية العائلة الكردية / الجزيرية المحافظة ، الحب المؤجل ، الحياء ، الخال ، ابنة الخال . الحب الذي يُخبأ طيَّ الشغاف لا يُعلن . فتصبح بغداد نفسها أمنية عاشق خجول .
4. اللغة بين الأرض والسماء :
النص يمشي على مستويين لغويين :
مستوى أرضي عامودي : منازل ، منزلة في العيون ، رتب التفوق ، حلقات مفقودة .
ومستوى سماوي صوفي : حضرة مقدسة ، المدينة الشاملة ، بحر بمد وجزر ، شاطئ لم تطأه الأفكار .
القفلة هي الذروة الصوفية :
” أشكر السماء ؛ المدينة الشاملة ، ليس لأفقها بداية ولا نهاية “
السماء أصبحت مدينة ، أوسع من عامودا وبغداد معاً. مدينة بلا بداية ولا نهاية تحل مشكلة العشرين دقيقة التي لا تنتهي . يكفي وجودها كي تكون هي بحراً .
” شكراً لصباحها… يُعلّم المحارات الابتسام ، ولليلها… يصوغ قمراً لا يسقط “
هنا تنتهي الوليمة التي بدأت بالبكاء بالابتسام. المحارة التي كانت تبكي لؤلؤاً ، صارت تبتسم . والقمر الذي كان يسقط كل مرة في عامودا ، صار قمراً لا يسقط في سماء الطريقة .
النص قصيدة نثر عارفة . لا تصرخ . تضع المسافة القصيرة – عشرين دقيقة – على كتف مسافة طويلة – عمر كامل – وتمشي بهما معاً إلى حضرة لا تسقط .