مروة بريم
تسألني انتظارها بلطف، أختارُ مقعدًا في الصفوف الخلفية، وتختفي في إحدى أُبهاء الكنيسة لبعض الوقت، أراقب بصمت تفاصيل المكان، بعضهم مستغرقٌ في صلاته، وآخرون في حركة وقورة ومهيبة بين المقاعد، يبدو تمثال السيدة العذراء في صدر المعبد كغيمة تعلّقت بها العيون وهي تتأهّب لتنفيذ ميثاق الهطول بعد طول جفاف. يتدفق صوت الأرغن كماء عذب يسقي الأرواح العطشى، فتصير الطمأنينة طوّافة كماريا توقدُ أرتال الشّموع لمواعيد الضّفاف البعيدة، أوشكُ أن أمسك غلاصم سمكة أسطورية اختلقتها الموسيقى في مخيلتي، تقطع رحلتي وتسحب رأسي المدفون في سُحُب وردية كحلوى غزل البنات، تباغتني بعينيها العسليتين الواسعتين، وهما تلمعان بشكل لافت كأنهما شظيتان من شمسٍ نائية استنفدت وقودها النووي، واختارت وجهها الأرمني الطّاعن في العراقة.
تمسك مفصل كتفي وتهزني قليلاً، لتُحررني كعنكبوتٍ عنيد استغرق في هندسة شبكة عملاقة في السقف الجَمَلوني للكنيسة، أنظر إليها بشيء من الاستياء الطفولي البريء، لماذا جعلتني أترجل من كل هذا الجوز الأَنوف المرصوص بأناقة يا شريرة؟
كأنها قرأت سخطي، نضحك بطلاقة حتى تضيقَ محاجرنا وتصير رفيعة، كقوارب استدرجها المحيط إلى عمقه البعيد، نضحك بشيء من القهقهة الناعمة كما يفعل الأصدقاء في أفلام الرسوم المتحركة.
يتقدم نحونا رجل دين بيده سلة أتعبتْ خَوّاصًا في عناقات لامتناهية حتى تبدو بالغة الأناقة، دون أن أفصح عن انتمائي الديني ودون أن أُسأل، أضع في السلة مبلغًا ماليًا أتبعها بانحناءة صغيرة من رأسي كما تفعل راقصة باليه، فدارُ العبادة هذه تشبه نقاء ماريا وصفاء روحها القريبة مني جدًا.
نخرج من البوّابة وقلبي مزدحم بالطيبة والحب، أستفزها بسؤالي هل اعترفتِ بخطاياك للكاهن؟
تجيبني بدعابة:
– حتى لو قتلتكِ لن أعترف، فقط أوقدتُ بعض الشموع لأفي بنذوري.
ننضم إلى السيل البشري المتدفق على أرصفة العزيزية في حلب، يتمايل طابور الأشجار كأحبار في عيد القيامة.
تحاول لفتَ انتباهي لحقيبة أعجبتها خلف إحدى الواجهات الزجاجية قرب عبارة السَّنتر، صديقتي لا تعلم أنني لم أصحُ بعدُ من الصّور، وما زلت عالقة في سقف كنيسة اللاتين، أتفحّصُ عنقود الأجراس فتشاغب زهرة العنصُل عند أنفي، أيُعقل أن أحدهم حنّطَ غانية جبالنا الشّتوية وعلّقها كثريّا في السقف، وصار لها حنجرة تبثّ منها رنينًا ساحرًا أدمنته المدينة؟
بين الخطوة والأخرى، يهرولُ صوتها مع ضوضاء السّيارات الكثيرة وينحشر في مسامعي، أزيلُ الأجراس الرّشيقة من رأسي، وكل يقين أنها ستُقرع قُبيل حلول المساء لتوقظ البيوتات العتيقة من عَيْلولتها:
– أظنها كانت حقيبة جميلة.
– تجاوزنا مكان الحقيبة.
– لا تكترثي، لم تكن حقيبة كوكو شانيل.
نضحك مرّة أخرى، وأرغمها على التوجه غربًا كأنني آل كابوني زعيم المافيا المعروف، وتنصاع صديقتي الرائعة لرغبتي دون أدنى اعتراض، حتى نجد أنفسنا على ناصية رصيف يطل على الحديقة المركزية، تصطف فيه حوانيت أنيقة جدًا:
-هيا يا فتاة ابتاعي لنا كوزين من مثلجات سلّورة اللذيذة، تعرفين أريدها حليب..حليب فقط.
تضحك بشدة وتقول:
-يخرب بيتك يا مروة منيح الدنيا صيف كنت خربتِ بيتي.
وتذكرني بالمرات التي فرضتُ عليها جزية الصداقة في أشتية حلب الفاتنة، وكيف جعلتها تبتاع مخبوزات الكرواسون المحشوة بالجبن المالح، ونأكلها مع شاي منكّه بالقرنفل قرب مدفأة بيتهم، وتحدثني عن اشتياقها لجامعة يريفان، وتشتم عرّاب البريستوريكا غورباتشوف لأنه حرمها من إتمام تعليمها الجامعي، وتوقظ على لساني شقاوة مربى الجوز الذي كانت تعدّه أمها الجيورجية الخالة زفارد، وتخبرني بعربيتها الشبيهة بشوارعنا التي أتت السيارات على اسفلتها:
_ تشبهين الجيورجيات يا مروتي.
ثم توقظني من نفسي من التفاصيل التي تتخذ من رأسي كولونيالية نِمال مجنّحة، نتسابق ونكابد للقضاء على الحلوى المثلوجة، تلتفت إليّ تتحرى نزعتي المالحة بريبة، وكأنني أصبحتٌ شخصًا آخرَ وتبحث عن سبب لتغفر لي اختياري الحلو المذاق، لأنها تعلم جيدًا أنني والمذاقات الحلوة أعداء، وتصرُّ أنني لم أبصر الدنيا في جبل، بل في إحدى مُسطّحات الملح في كولومبيا.