إبراهيم اليوسف يعيد تقديم جكرخوين.. الشاعر والإنسان والمناضل

مسعود محمد

 

حين يكتب الأديب إبراهيم اليوسف عن جكرخوين، فهو لا يكتب عن شاعر كردي كبير فحسب، ولا ينجز كتاباً توثيقياً عادياً يضاف إلى رفوف المكتبة الكردية والعربية، بل يفتح بوابة وفاء واسعة أمام واحد من أكثر الأسماء رسوخاً في الوجدان الكردي الحديث. فالكتاب هنا ليس مجرد صفحات عن شاعر، بل شهادة على زمن، وعلى جرح، وعلى نضال، وعلى رجل حوّل اللغة إلى وطن، والقصيدة إلى مقاومة، والذاكرة إلى مشروع بقاء.

في كتابه “جكر خوين.. رسول السهل والجبل: شهادات”، الصادر عن تاسك للنشر في الجزائر، الطبعة الأولى عام 2026، يقدم الكاتب إبراهيم اليوسف عملاً خاصاً في بنائه ومقاربته، لأنه لا يكتفي بقراءة جكرخوين من الخارج، ولا يضعه في قالب نقدي جاف، بل يقترب منه من خلال الشهادات والحوارات والذاكرة العائلية والإنسانية. فالكتاب يقوم على أبواب تتناول عوالم جكرخوين، وحوارات مع أفراد أسرته، وشهادات أصدقائه ومقربيه، وجائزة جكرخوين للإبداع الشعري، إضافة إلى ألبوم صور.

هذه القيمة تجعل من كتاب إبراهيم اليوسف عملاً ضرورياً، لأنه يقدّم جكرخوين لا بوصفه تمثالاً بعيداً، بل إنساناً كاملاً: شاعراً، أباً، مناضلاً، مثقفاً، كردياً عاش الفقر والملاحقة والمنفى والقلق، وترك خلفه إرثاً لا يمكن اختزاله في قصيدة أو ديوان أو شعار. إننا أمام كتاب يسوّق للمعنى قبل الاسم، وللذاكرة قبل الورق، وللكاتب قبل أن يدخل إلى موضوعه، لأن إبراهيم اليوسف لم يكتب عن جكرخوين كقارئ عابر، بل كأديب يعرف خطورة التوثيق حين يتعلق الأمر برمز من رموز شعبه.

 

إبراهيم اليوسف: الكاتب الذي اختار الشهادة طريقاً إلى الحقيقة

تكمن أهمية إبراهيم اليوسف في هذا العمل في أنه لم يتعامل مع جكرخوين باعتباره موضوعاً أدبياً مغلقاً، بل باعتباره عالماً مفتوحاً يحتاج إلى الإصغاء. لذلك اختار أن يترك مساحة واسعة لأصوات العائلة والمقربين، لأن هؤلاء وحدهم يستطيعون إضاءة الزوايا التي لا تظهر في القصائد ولا في الدراسات النقدية التقليدية.

لقد كتب اليوسف كتاباً أقرب إلى “وثيقة وفاء”، لكنه في الوقت نفسه يملك قيمة بحثية واضحة، لأنه يسد نقصاً في معرفة التفاصيل الخاصة لحياة جكرخوين. فالكتاب لا يكتفي بالسؤال: ماذا كتب جكرخوين؟ بل يسأل أيضاً: كيف عاش؟ كيف كان في بيته؟ كيف تحمّلت أسرته معه أعباء النضال؟ كيف جمع بين الأبوة والشعر والسياسة؟ وكيف صار اسمه جزءاً من ذاكرة الناس؟

في بنية الكتاب يظهر بوضوح أن المؤلف لا يدّعي تقديم صورة نهائية عن جكرخوين، بل يقدمه من خلال انعكاسه في عيون الذين عاشوا قربه، واحتفظوا به حياً في ذاكرتهم. وهذه الطريقة تمنح العمل صدقه الإنساني، لأن الشخصيات الكبيرة لا تُفهم فقط من خلال نصوصها، بل من خلال أثرها في الناس أيضاً.

 

كتاب لا يبيع الورق بل يوقظ الذاكرة

إن تسويق هذا الكتاب لا ينبغي أن يكون بوصفه كتاباً عن شاعر فقط، بل بوصفه عملاً يعيد إلى القارئ الكردي والعربي معنى الوفاء للرموز الثقافية. نحن أمام كتاب عن جكرخوين، نعم، لكننا أيضاً أمام كتاب عن مسؤولية الكاتب تجاه الذاكرة، وعن واجب الثقافة تجاه من صنعوا الوعي.

فالكتاب يذكّرنا بأن الأمم لا تنهض فقط بالسياسة والسلاح، بل تنهض أيضاً بالشعراء والمثقفين واللغويين والباحثين الذين يحمون اللغة من الاندثار، ويمنحون الشعب صورة عن نفسه. من هنا تأتي أهمية جكرخوين، ومن هنا أيضاً تأتي أهمية إبراهيم اليوسف، لأنه لا يكتفي بالاحتفاء، بل يحوّل الاحتفاء إلى وثيقة مكتوبة.

 

جكرخوين: الشاعر الذي صار ضميراً كردياً

بعد تقديم الكتاب وكاتبه، ندخل إلى شخصية جكرخوين، ذلك الاسم الذي يعني “الكبد الدامي” أو “الجرح الداخلي”، وكأن الاسم نفسه كان نبوءة لسيرة رجل حمل وجع شعبه في جسده وقصيدته. ولد جكرخوين عام 1903 في قرية هساري، وعاش طفولة قاسية، ثم غادر قريته عام 1918 وهو ما يزال في الخامسة عشرة من عمره، وبعد وصول العائلة إلى عامودا فقد والديه خلال فترة وجيزة. ثم بدأ مسار طويل من الترحال والتحصيل العلمي في المدارس الدينية، قبل أن يصبح لاحقاً واحداً من أبرز رموز الشعر والثقافة والسياسة الكردية.

هذه البداية القاسية لم تكن تفصيلاً عابراً في حياته، بل شكلت جوهر شخصيته. فقد عرف الفقد مبكراً، وعرف معنى أن يكون الإنسان بلا استقرار، وأن يحمل وطنه معه في الذاكرة. لذلك لم يكن شعره شعراً بارداً، بل كان صادراً من تجربة حقيقية، من فقر ويُتم وغربة ونضال.

 

من المدارس الدينية إلى الكتابة بالكردية

تلقى جكرخوين علومه في المدارس الدينية، وكانت تلك المدارس تعتمد العربية لغة للعلم والدراسة. وبعد تخرجه عمل خطيباً وإماماً لفترة. لكن التحول الكبير في حياته كان حين اختار أن يكتب بالكردية، في زمن كانت فيه اللغة الكردية محاصرة بالتهميش، بعيدة عن المؤسسات الرسمية والتعليمية.

بدأ جكرخوين كتابة الشعر بالكردية عام 1924، وهو في الحادية والعشرين من عمره. وهذه النقطة بالذات تجعل منه رائداً لا مجرد شاعر. فقد كان يستطيع أن يكتب بالعربية، بحكم تكوينه الديني والتعليمي، لكنه اختار لغة شعبه، أي اختار الطريق الأصعب. كتب بالكردية حين كانت الكتابة بها فعلاً ثقافياً وسياسياً في آن واحد.

بهذا المعنى، كان جكرخوين يحمي اللغة قبل أن يكتب القصيدة، وكان يؤسس وعياً قبل أن يبحث عن شهرة أدبية. لقد جعل من اللغة الكردية بيتاً للذاكرة، ومن القصيدة وسيلة لتعليم الناس الانتماء.

 

الشعر كسلاح واللغة كوطن

لم يكن جكرخوين شاعراً منفصلاً عن مجتمعه. كتب عن كردستان، عن الفقراء، عن المرأة، عن الظلم، عن الحرية، وعن كرامة الإنسان. كان شعره مفهوماً للناس، قريباً من وجدانهم، ولذلك حفظوه وغنّوه وتناقلوه في المجالس.

في هذا تكمن عبقريته. لم يكن شاعراً للنخبة وحدها، بل شاعراً للشعب. قصيدته لم تكن تحتاج إلى وسيط كي تصل، لأنها خرجت من وجع الناس وعادت إليهم. ولذلك صار شعره جزءاً من التكوين الوجداني الكردي، وساهم في رفع الوعي القومي والاجتماعي والثقافي لدى أجيال متعاقبة.

 

المناضل السياسي والثقافي

من الخطأ اختصار جكرخوين في صورة الشاعر فقط. فقد كان منخرطاً في العمل الثقافي والسياسي، ومن مؤسسي أول جمعية ثقافية كردية في سوريا، “خويبون”، كما ساهم في تأسيس جمعية “جوانكورد”، وكان من أعضاء اتحاد الشباب العالمي، ومن مؤسسي حزب “بندا آزادي”، ثم عضواً في اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا.

هذه المحطات تؤكد أننا أمام شخصية جمعت بين الشعر والتنظيم، وبين اللغة والموقف، وبين القصيدة والنضال. لم يكن جكرخوين يكتب عن الحرية فقط، بل عمل من أجلها. ولم يكن يمدح الشعب من بعيد، بل عاش معه، وتألم لأجله، ودفع ثمن مواقفه.

 

عدالة اجتماعية لا قومية ضيقة

ما يميز جكرخوين أيضاً أنه لم يفصل القضية الكردية عن العدالة الاجتماعية. فقد دافع عن الكرد وكردستان، لكنه في الوقت نفسه وقف ضد ظلم الملاكين والآغوات والإقطاعيين والمخاتير، وناصر الفقراء والمحرومين، ودافع عن المرأة وحقها في التعليم والتحرر.

وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن جكرخوين لم يكن قومياً بمعنى الانغلاق، بل كان تحررياً بمعنى واسع. كان يرى أن حرية الشعب لا تكتمل إذا بقي الفقراء مسحوقين، وإذا بقيت المرأة مهمشة، وإذا بقيت اللغة محاصرة، وإذا بقي الإنسان خائفاً من السلطة والمجتمع معاً.

 

العائلة التي دفعت ثمن الرمز

من أجمل ما يقدمه كتاب إبراهيم اليوسف أنه يفتح الباب أمام عائلة جكرخوين كي تتحدث. فالرموز الكبرى كثيراً ما تتحول في الذاكرة العامة إلى أسماء عالية، لكن عائلاتهم تعرف الجانب الآخر من الحكاية: الفقر، الخوف، الغياب، الملاحقة، القلق، والحرمان.

تكشف الحوارات مع أبناء وبنات جكرخوين قسوة الحياة التي عاشتها أسرته، حتى إن بعض الأيام مرت عليهم من دون شيء على مائدة الطعام. هذه التفاصيل لا تقلل من الرمز، بل تجعله أكثر إنسانية وأكثر صدقاً.

لقد كان جكرخوين شاعراً كبيراً، لكنه كان أيضاً أباً في بيت يعاني. وكان مناضلاً، لكن نضاله لم يكن بلا ثمن. هنا تظهر قيمة الشهادات التي جمعها إبراهيم اليوسف، لأنها تمنحنا الصورة التي لا تمنحها القصائد وحدها.

 

السويد والمنفى الأخير

في عام 1979 وصل جكرخوين إلى السويد، وهناك عاش سنواته الأخيرة حتى رحيله في 22 تشرين الأول/أكتوبر 1984. لكن المنفى لم يكن نهاية صلته بالوطن، بل كان استمراراً لها بطريقة أخرى. فالمناضل الحقيقي لا يغادر قضيته حين يغادر جغرافياه؛ يحملها معه في اللغة والذاكرة والكتابة.

كانت السويد محطة أخيرة في حياة رجل عاش متنقلاً بين الأمكنة، لكن قلبه ظل مشدوداً إلى كردستان. لقد رحل بعيداً عن الأرض الأولى، لكنه بقي قريباً من شعبه في القصيدة والوجدان.

 

لماذا يجب قراءة هذا الكتاب؟

لأن كتاب إبراهيم اليوسف ليس مجرد كتاب عن جكرخوين، بل هو مدخل إلى فهم مرحلة كاملة من الوعي الكردي. إنه كتاب عن شاعر صنع لغة حديثة لشعبه، وعن عائلة عاشت ظلال الرمز، وعن كاتب اختار أن يحفظ الشهادات قبل أن تضيع.

يجب قراءة هذا الكتاب لأنه يعيد الاعتبار إلى التوثيق. ويجب الاحتفاء بإبراهيم اليوسف لأنه لم يكتب عن جكرخوين من موقع الاستهلاك الثقافي، بل من موقع الوفاء والمسؤولية. ويجب أن يصل هذا الكتاب إلى القراء لأنه يذكّرنا بأن الذاكرة إن لم تُكتب تضيع، وأن الرموز إن لم نوثق حياتها تتحول إلى أسماء ناقصة.

إبراهيم اليوسف في “جكر خوين.. رسول السهل والجبل: شهادات” لا يقدم كتاباً عن شاعر فقط، بل ينجز عملاً في الوفاء الثقافي. أما جكرخوين، فهو ليس مجرد موضوع الكتاب، بل روحه وجرحه ونبضه. بين الكاتب والكتاب والمكتوب عنه، تتشكل ثلاثية جميلة: أديب يوثق، وكتاب يحفظ، وشاعر لا يزال يمشي في ذاكرة الكرد كصوت لا يشيخ.

جكرخوين كان شاعراً، لكنه كان أكثر من شاعر. كان لغة تمشي، وجرحاً يغني، وذاكرة تقاوم النسيان. وإبراهيم اليوسف، بهذا الكتاب، لا يكتفي بأن يكتب عنه، بل يعيده إلينا كما ينبغي أن يعود الكبار: لا في صورة جامدة، بل في شهادة حية، وفي كتاب يستحق القراءة

========= 

أخباركم – أخبارنا

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تُولَد القصيدة الحقيقية من رَحِم القلق، لا مِن يقين مكتمل، ولا من طمأنينة مستقرة. والشاعرُ الحقيقي لا يكتب لأنه يمتلك الإجابات،بل لأنه يسكنه السؤال،ولا ينشد الكلمات لأنها مِطواعة، بل لأنها عَصِيَّة، ومتمنعة، تحتاج إلى مَن يُحرِّرها من صمتها. ومن هُنا يصبح قلقُ القصيدة حالةً وجودية وفنية في آن…

د. سارة منصور

في غمرة الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد الأديب والمناضل غسان كنفاني في بيروت، تبدو استعادته اليوم ضرورة وجودية وفكرية ملحة لتصويب بوصلة الوعي الثقافي والسياسي العربي، فلم يكن كنفاني، الذي ولد في عكا عام ستة وثلاثين وتسعمئة وألف واغتيل شاباً في السادسة والثلاثين من عمره عام اثنين وسبعين وتسعمئة وألف، إنساناً عابراً في…

د. مرشد اليوسف
ثمة ذكريات لا تبهت مهما ابتعدت السنوات، بل تزداد وضوحًا كلما تقدم العمر بالإنسان. وبين عشرات الصور التي تختزنها ذاكرتي عن طفولتي في ريف الدرباسية، ما زالت صورة ذلك اليوم حاضرة كأنها حدثت بالأمس.
كنت يومها طفلًا صغيرًا لم يدخل المدرسة بعد.
كنت أنتمي إلى ذلك العالم الريفي البسيط الذي كانت تحدده حدود…

ماهين شيخاني

مقدمة

تزخر الثقافة الكوردية بألقاب اجتماعية تعكس المكانة والوظيفة والقيم التي حكمت المجتمع عبر القرون، ومن أبرزها لقب «كيا» (Kiya / Keya) ، الذي ما يزال متداولاً في كثير من المناطق الكوردية بوصفه عنواناً للحكمة والوجاهة والقيادة الاجتماعية.

ولم يكن هذا اللقب مجرد مفردة لغوية، بل أصبح جزءاً من الذاكرة التاريخية للكورد، ودالاً على شخصية يُرجع…