قراءة في كتاب “استعادة غسان كنفاني”: في ذكرى استشهاد كنفاني الرابعة والخمسين

د. سارة منصور

في غمرة الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد الأديب والمناضل غسان كنفاني في بيروت، تبدو استعادته اليوم ضرورة وجودية وفكرية ملحة لتصويب بوصلة الوعي الثقافي والسياسي العربي، فلم يكن كنفاني، الذي ولد في عكا عام ستة وثلاثين وتسعمئة وألف واغتيل شاباً في السادسة والثلاثين من عمره عام اثنين وسبعين وتسعمئة وألف، إنساناً عابراً في تاريخ الأدب المقاوم، بل شكل علامة إنسانية فارقة تتخطى حادثة الاغتيال المادية لتجعل من الفكرة حية عصية على الفناء.

وفي قراءة لكتاب الناقد الفلسطيني فراس حج محمد “استعادة غسان كنفاني” (رام الله وعمان، 2021)، والذي نسج سطوره بأسلوب يحاكي لغة غسان الدافئة والعميقة خلال ظروف الحجر المنزلي، تتكشف أمام القارئ ملامح هذه الاستعادة الحية كأداة لمساءلة الواقع الثقافي الآني وتفكيك أزمات النخبة والمؤسسات الرسمية، ولا تقف هذه الاستعادة عند حدود التقديس العاطفي، بل تسعى إلى قراءة جدلية العلاقة الوثيقة بين الأدب والسياسة، وتسلّط الضوء على غسان كنفاني في تجلياته المتعددة كأديب وناقد وشاعر ومثقف مشتبك وإنسان نابض بالضعف والقوة معاً.

وعند البحث في ملامح غسان المثقف والمناضل، يضع الكتاب القارئ في مواجهة صريحة مع أزمة المثقف المعاصر، رادفاً مقارنة قاسية بين المثقف العضوي المشتبك الذي جسده كنفاني بسلوكه وكتاباته، وبين المثقف المدجن أو الرسمي السائد في أيامنا هذه، فالمثقف الرسمي المعاصر غدا حريصاً على مكاسبه الفردية والذاتية، لاهثاً وراء الجوائز والمناصب والتكريمات المادية التي تقدمها مؤسسات العولمة، مضحياً بمواقفه الوطنية في سبيل حفنة من الدولارات، ويرى فراس حج محمد أن هذا النمط من المثقفين بات صامتاً إزاء قضايا مصيرية مثل صفقة القرن أو الهرولة العلنية لبعض الأنظمة نحو التطبيع، بل إن اتحادات الكتاب الرسمية أصبحت خاضعة لأجندات السلطة الحاكمة وتصدر بيانات إنشائية خالية من أي وعي علمي أو نقد منهجي رصين، وفي هذا السياق، تبرز استعادة غسان كنفاني بوصفها صرخة لكسر حواجز الصمت والتصدي لثقافة الهزيمة والاستسلام، كنفاني لم يكن يوماً انهزامياً؛ إذ انخرط بكامل جسده وقلمه في قلب المعركة، ولم يرَ في الصحافة والسياسة عملاً وظيفياً نفعياً، بل جعل منهما سلاحاً معرفياً كفاحياً خادماً للقضية المركزية.

ويمتد هذا البعد الكفاحي للمثقف المشتبك إلى حقل الممارسة الثقافية التنويرية، حيث كان كنفاني رائد حركة الترجمة والنقد للأدب الصهيوني من خلال كتابه الصادر عام ستة وستين وتسعمئة وألف “في الأدب الصهيوني”، لقد انطلقت تلك الدراسة الريادية من قاعدة “اعرف عدوك” ولم تكن خطوة تطبيعية بل كانت تشريحاً علمياً صارماً للأيديولوجيا الاستعمارية التي تستخدم الأدب وسيلة لتمرير مشاريعها، وينتقد فراس حج محمد في كتابه الازدواجية الفكرية السائدة لدى بعض النخب الثقافية معاصرة التي تتباهى بالترجمات إلى اللغات الغربية كالفرنسية والإنجليزية- والتي كانت دولها تاريخياً صانعة للنكبة وراعية للمشروع الصهيوني- بينما تقيم الدنيا ولا تقعدها بذريعة محاربة التطبيع لمجرد نقل نصوص عربية إلى العبرية دون إذن أصحابها، ويبرز ذلك جلياً في قراءة المؤلف للهجمة التي تعرض لها الكاتب التونسي كمال الرياحي في حينه والبيان المتشنج الصادر عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين، مبيناً أن الاتحاد لم يحاول مناقشة المسألة بوعي نقدي هادئ، بل انجرّ خلف ردود الفعل القريبة من الغوغائية الفاقدة للمنهج العلمي الرصين.

أما في سياق غسان الأديب والناقد، فإن استعادته تدعونا لإنقاذ إرثه الإبداعي من محاولات التدجين المستمرة التي تمارسها المؤسسات التربوية الرسمية من خلال المناهج التعليمية، ويقف المؤلف وقفة نقدية حازمة أمام التدخلات والقص والحذف التي تتعرض لها روايات غسان وقصصه القصيرة في الكتب المدرسية، مثل حذف فقرات كاملة من قصة “البومة في غرفة صغيرة” أو تقطيع رواية “رجال في الشمس” لتقدم للطلبة نصوصاً مهجنة مفرغة من شحنتها الثورية الصادمة، هذا التلاعب الهيكلي بالنصوص يهدف إلى السيطرة على وعي الأجيال الشابة وجعل التعليم وسيلة لإخضاع الفرد لنظام الدولة القائم بدلاً من تحفيزه على التفكير النقدي الحر، ويعيد الكاتب إبراز رمزية البومة في عالم غسان القصصي- كما تناولها نقاد آخرون مثل الدكتور أفنان القاسم والكاتبة تغريد عبد العال- بوصفها رمزاً للشجاعة في مواجهة الخوف، والارتباط الوجداني بذاكرة الطفولة والمعاناة الإنسانية النبيلة في المخيم.

وفي قراءة متأنية لأعمال غسان السردية، يتضح أن روايته الشهيرة “رجال في الشمس” الصادرة عام ثلاثة وستين وتسعمئة وألف لم تكن واقعة روائية معزولة عن سياق الوجدان الجمعي، بل كانت نبوءة مأساوية مستمرة تعبر عن تشتت الفلسطيني وبحثه المرير عن الخلاص الفردي، إن الشخصيات الثلاث: أبو قيس، وأسعد، ومروان، والذين يمثلون أجيالاً مختلفة من المعاناة واللجوء، يلتقون في رحلة الموت داخل خزان الشاحنة تحت لهيب شمس الصحراء الحارقة، ويمثل السائق “أبو الخيزران”، الذي فقد فحولته في الحرب، نموذجاً للقيادة الهزيلة والعاجزة التي تلهو بالمسائل البيروقراطية والتافهة وتفرط في أرواح الناس من أجل مكاسبها المادية الخالصة، ويسقط فراس حج محمد هذه الرموز على الواقع الراهن، مؤكداً أن المأساة لم تنتهِ وأن الرجال ما زالوا يموتون في الشمس؛ فالشباب الذين يلقون بأنفسهم في قوارب الموت بالبحر الأبيض المتوسط هرباً من حصار غزة البائس، أو أولئك العمال الذين تم التلاعب برواتبهم وتهميشهم أثناء جائحة كورونا واتهامهم بنقل المرض دون توفير بدائل معيشية لهم، يمثلون النسخ المعاصرة لضحايا كنفاني الذين ماتوا خنقاً دون أن يدقوا جدران الخزان، إن صرخة غسان “لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟” تظل سارية المفعول لتوقظ النائمين وتدفع الجموع نحو الثورة على واقع الخذلان والتبعية.

كذلك يتناول الكاتب محاولات غسان الشعرية المبكرة المنشورة في كتاب “معارج الإبداع”، مثل قصيدتي “أنا لا أريد” و”بلا عنوان” المكتوبتين في سن التاسعة عشرة، ورغم أن هاتين القصيدتين لم تجعلا منه شاعراً بالمعنى الفني المستقر، إلا أنهما كانتا البداية الوجدانية والمختبر الجمالي الأول لولادة غسان السارد الذي نما نباتاً حسناً في تربة الرواية والقصة والمسرح، أما غسان الناقد، فيتجلى بوضوح في مقالاته الساخرة المجمعة في كتاب “فارس فارس”، لقد استخدم كنفاني هذا الاسم المستعار ليكتب بحرية كاملة بعيداً عن الخصومات الجانبية التي قد تعيق مساره الإبداعي والنضالي، مقدماً نقداً لاذعاً وصريحاً يعري فيه الرداءة الأدبية والمحسوبيات الاجتماعية السائدة في الأوساط الثقافية في بيروت آنذاك، لقد كان نقده بمثابة مرآة صافية تكشف زيف الكلمات السطحية، وهو ما يفتقده المشهد الثقافي الحالي الذي غرق في وحل المجاملات الفارغة والشللية الأدبية التي قتلت شهية القراءة المفيدة وأفسدت الذائقة العامة.

وتكتمل لوحة الاستعادة الإنسانية في كتاب فراس حج محمد بالوقوف عند تفاصيل غسان الإنسان؛ المحب والعاشق النبيل، يدافع المؤلف بجرأة وحرارة عن غادة السمان وقرارها بنشر الرسائل العاطفية التي كتبها غسان إليها، مفنداً آراء النقاد المحافظين الذين اعتبروا النشر جناية على هيبة الشهيد والمناضل، ويرى الكاتب أن هذه الرسائل لم تكن خطيئة أخلاقية، بل كانت تأكيداً لإنسانية غسان الكاملة غير المنقوصة؛ رجل يضج بالحب والشغف، يعيش لحظات الضعف البشري والهشاشة العاطفية، ويعاني من مرض السكري المزمن ومن ملاحقة الوقت والزمن، وكما كتب الروائي السوري ياسين رفاعية، فإن غسان كان يسابق الزمن ويعمل كثيراً دون نوم كافٍ، كأنما كان يشعر بنهايته الوشيكة وبأن يد الموت ستخطفه سريعاً، إن استعادة غسان الإنسان العاشق والهش، إلى جانب كونه الرمز الثوري الصلب، تجعله قريباً من القلوب ومثالاً حياً وواقعياً للأجيال القادمة، وتثبت أن جلال التضحية لا يلغي عيش الحياة بشغفها الإنساني الخالص.

لقد ترك غسان كنفاني مكتبة لا تتجاوز العشرين كتاباً، لكنها كانت مكتبة ثرية؛ شكلت قاعدة معرفية صلبة لا يمكن لدارس للأدب والسياسة الفلسطينية تجاوزها، وقد حظيت أعماله بدراسات معمقة من كبار النقاد والباحثين، مثل يوسف اليوسف في كتابه “رعشة المأساة”، ورضوى عاشور في “الطريق إلى الخيمة الأخرى”، وفاروق وادي في “ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية”، وفيصل دراج في حديثه عن “ذاكرة المغلوبين”، وأشار إليه مراراً الناقد إدوارد سعيد في غير مكان في كتبه ومقالاته.

ويدعو فراس حج محمد المؤسسات الثقافية ودور النشر الشجاعة إلى تحرير إرث غسان وجمعه في كتاب واحد دون تكرار لتأسيس “مكتبة غسان كنفاني” كخطوة حضارية تقاوم النسيان ومحاولات الطمس الصهيونية، إن استعادة غسان اليوم، بعد مرور أربعة وخمسين عاماً على اغتياله، تؤكد أن دماءه التي سالت في بيروت وأشلاءه التي تناثرت في المكان تحولت إلى حبر وأفكار تكتب تاريخ الحرية لكل فلسطين، وأن كلماته تظل منارة تهدي التائهين في عتمة الهزائم، معيدة الاعتبار للإنسان الفلسطيني كصاحب قضية عادلة وموقف صلب لا ينحني أمام رياح التدجين والتنازلات.

======

لقراءة الكتاب كاملاً تفضل بالنقر على الرابط ادناه:

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تُولَد القصيدة الحقيقية من رَحِم القلق، لا مِن يقين مكتمل، ولا من طمأنينة مستقرة. والشاعرُ الحقيقي لا يكتب لأنه يمتلك الإجابات،بل لأنه يسكنه السؤال،ولا ينشد الكلمات لأنها مِطواعة، بل لأنها عَصِيَّة، ومتمنعة، تحتاج إلى مَن يُحرِّرها من صمتها. ومن هُنا يصبح قلقُ القصيدة حالةً وجودية وفنية في آن…

د. مرشد اليوسف
ثمة ذكريات لا تبهت مهما ابتعدت السنوات، بل تزداد وضوحًا كلما تقدم العمر بالإنسان. وبين عشرات الصور التي تختزنها ذاكرتي عن طفولتي في ريف الدرباسية، ما زالت صورة ذلك اليوم حاضرة كأنها حدثت بالأمس.
كنت يومها طفلًا صغيرًا لم يدخل المدرسة بعد.
كنت أنتمي إلى ذلك العالم الريفي البسيط الذي كانت تحدده حدود…

ماهين شيخاني

مقدمة

تزخر الثقافة الكوردية بألقاب اجتماعية تعكس المكانة والوظيفة والقيم التي حكمت المجتمع عبر القرون، ومن أبرزها لقب «كيا» (Kiya / Keya) ، الذي ما يزال متداولاً في كثير من المناطق الكوردية بوصفه عنواناً للحكمة والوجاهة والقيادة الاجتماعية.

ولم يكن هذا اللقب مجرد مفردة لغوية، بل أصبح جزءاً من الذاكرة التاريخية للكورد، ودالاً على شخصية يُرجع…

صبحي دقوري

 

سليم بركات وهو يكتب لا يروي العالم باللغة، بل يجعل اللغة نفسها عالمًا. إنّه لا يدخل الرواية أو القصيدة من باب الحكاية الواضحة، ولا من باب الرسالة السياسية المباشرة، بل من باب المعجم حين يتحول إلى كائن، ومن باب الذاكرة حين تصبح غابة، ومن باب الطفولة حين تفقد براءتها لتصير أصلًا من أصول الرعب…