سليم بركات: الكائن اللغوي والذاكرة الكردية في العربية

صبحي دقوري

 

 سليم بركات وهو يكتب لا يروي العالم باللغة، بل يجعل اللغة نفسها عالمًا. إنّه لا يدخل الرواية أو القصيدة من باب الحكاية الواضحة، ولا من باب الرسالة السياسية المباشرة، بل من باب المعجم حين يتحول إلى كائن، ومن باب الذاكرة حين تصبح غابة، ومن باب الطفولة حين تفقد براءتها لتصير أصلًا من أصول الرعب والجمال معًا. لذلك لا يمكن قراءة بركات كما نقرأ روائيًا واقعيًا يريد أن يشرح لنا المجتمع، ولا كما نقرأ شاعرًا يريد أن يمنحنا نشيدًا صافياً. إننا نقرأه كما ندخل متاهة لغوية لها قوانينها، وحيواناتها، وأشباحها، وسلالاتها، وأحجارها، وطيورها، وأسماءها التي لا تشبه أسماء أحد.

أشد ما يميّز سليم بركات أنه لم يستعمل العربية استعمالًا مطمئنًا. لم يتعامل معها كأداة جاهزة لنقل الحكاية، بل كغابة قابلة للتوسيع، وكجسد يجب أن يُدفع إلى أقصى طاقته. اللغة عنده ليست سطحًا شفافًا يرى القارئ من خلاله العالم، بل هي العالم نفسه. الجملة لا تمرّ هادئة؛ إنها تتلوى، تتكاثر، تتناسل، تفتح أبوابًا داخل أبواب، كأن كل مفردة تحمل ذاكرة سلالية، حيوانية، أسطورية.

هنا تكمن فرادته وخطورته في آن واحد. فهو من جهة أحد أكثر كتّاب العربية قدرة على تفجير المعجم، وعلى تحرير الجملة من كسادها اليومي. ومن جهة أخرى، فإن هذا التفجير قد يجعل القراءة عسيرة، لأن النص لا يمنح نفسه بسهولة، ولا يراعي القارئ العابر. لقد وصفته جامعة شيكاغو بأنه من أكثر الشعراء والروائيين ابتكارًا في العربية، وذكرت أن تميزه يأتي من استخدامه المختلف للأسلوب والموضوع. 

ليست صعوبة بركات زينة نخبوية، وليست غموضًا مفتعلًا دائمًا. إنها نتيجة طبيعية لمشروع يريد أن يقول ما لا تقوله اللغة العادية. غير أن هذه الصعوبة نفسها قد تتحول أحيانًا إلى عائق، حين يصبح المعجم أقوى من الشخصية، وحين تبتلع الجملة الجسد الإنساني الذي كان يفترض بها أن تكشفه. هنا يبدأ النقد الضروري: بركات عظيم حين تجعل لغته العالم أكثر كثافة، لكنه يوشك على إرباك قارئه حين تغدو الكثافة غاية في ذاتها

في الجندب الحديدي لا يكتب بركات طفولةً تستدرّ الحنين. الطفولة عنده ليست حديقة خلفية للذاكرة، بل مختبر قسوة. إنها طفولة في أرض حدودية، في عالم قروي كردي شمالي، حيث الطبيعة ليست زينة، بل قوة عمياء؛ والحيوانات ليست خلفية، بل شركاء في الرعب واللعب واللغة؛ والمجتمع ليس صورة بريئة عن الأصالة، بل فضاء للعنف والعادات والذكورة والخرافة والحرمان.

تصف مؤسسة LEILA الأوروبية هذا العمل بأنه سيرة طفولة قصيرة ورائدة تدور في شمال سوريا، يستعيد فيها بركات طفولته بأسلوب شعري، داخل مجتمع كردي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث تظهر قسوة الحياة اليومية والمشهد الريفي بوصفه ملعبًا قاسيًا للأطفال. كما تشير إلى تعددية المكان: كرد، عرب، مسيحيون، غجر وسواهم، وإلى حضور العادات والثأر والمعتقدات الدينية في بناء العالم السردي. 

ما يهم نقديًا أن بركات لا يجعل الطفولة تفسيرًا نفسيًا بسيطًا لما سيأتي، بل يجعلها أصلًا لغويًا. الطفل عنده لا يرى الأشياء كما هي، بل كما تجرحه. لهذا تبدو الذاكرة في الجندب الحديدي كأنها مصابة بحمّى. الأشياء الصغيرة تكبر، والحيوان يكتسب معنى أسطوريًا، والصوت اليومي يتحول إلى نذير، والقرية تصبح كونًا ناقصًا، لا يُرى إلا من عين طفل لا يملك سلطة لكنه يملك دهشة جارحة.

وقد أضاءت مقابلة حديثة مع مترجم العمل إلى الإنكليزية فكرة مهمة: كتابة سيرة الطفولة في سن مبكرة كانت نقطة انعطاف في تجربة بركات؛ فبعد عقد من كتابة الشعر وحده، فتح هذا العمل باب النثر والرواية، وجعل ذاكرة الطفولة مصدرًا لطاقة تخييلية ستتوزع بين الواقعية السحرية، والتاريخي، والعبثي، والتجريبي.

لا يكتب بركات عن الكرد كما يكتب صاحب قضية يريد أن يشرح مظلومية جماعة. إنه أخطر من ذلك وأعمق. إنه لا يحوّل الكردية إلى موضوع داخل العربية فقط، بل يجعل العربية نفسها تتكلم وهي تحمل ندبة كردية. الكردية في أعماله ليست لغة ظاهرة دائمًا، لكنها روح تحتية. إنها تسكن أسماء الأمكنة، الحيوان، الجبل، الثلج، الصمت، السلالة، القرابة، الخوف، النداء.

من هنا لا ينبغي اختزال بركات في “أدب الهوية”. أدبه لا يقول: أنا كردي إذن سأشرح الكرد للعرب. بل يقول شيئًا أكثر تركيبًا: أنا كردي أكتب بالعربية، ولذلك سأجعل العربية تفقد اطمئنانها إلى مركزها، وسأدفعها إلى استضافة ذاكرة لا تشبه الذاكرة الرسمية التي اعتادت حملها. هذه هي قوة بركات: إنه لا يطلب من اللغة اعترافًا سياسيًا فحسب، بل يفرض عليها انزياحًا جماليًا.

في هذا المعنى، يصبح بركات واحدًا من أكثر التجارب الكردية العربية تعقيدًا. إنه لا يكتب بالكردية، لكنه لا يذوب في العربية. ولا يكتب بالعربية كما يكتب العربي المطمئن إلى ميراثه. إنه يكتب من منطقة بينية: كردي القلب، عربي العبارة، أسطوري المخيلة، منفوي المقام، كوني النزعة.

تضم تجربة بركات الروائية أعمالًا كثيرة، منها فقهاء الظلام، أرواح هندسية، الريش، معسكرات الأبد، ثلاثية الفلكيون في ثلاثاء الموت، دلشاد: فراسخ الخلود المهجورة، كهوف هايدراهوداهوس، سبايا سنجار، سيرة الوجود وموجز تاريخ القيامة، ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟، وغيرها. وقد أدرج المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات قائمة واسعة من أعماله الروائية والشعرية، مبينًا امتداد تجربته وكثافتها. 

الرواية عنده لا تقوم على الحكاية بالمعنى التقليدي. لا تبدأ غالبًا من شخصية تريد شيئًا وتسعى إليه عبر حبكة واضحة. إنها تبدأ من اضطراب كوني. الشخصيات لا تتحرك في مجتمع واقعي فحسب، بل في كون مسكون بالعلامات والأسماء والحيوانات والقرائن الغريبة. لهذا تبدو بعض رواياته أقرب إلى نصوص كونية أو أسطورية منها إلى روايات اجتماعية.

في دلشاد مثلًا لا يكون الاسم مجرد اسم امرأة أو شخصية، بل عتبة إلى عالم مهجور، إلى خلود متآكل، إلى فراسخ من الذاكرة والضياع. وفي فقهاء الظلام لا تكون الظلمة حالة سياسية أو دينية فقط، بل بنية معرفية وسردية. وفي سبايا سنجار يقترب من جرح أيزيدي حديث، لكنه لا يكتبه بلغة التقرير، بل بلغة تجعل المأساة جزءًا من تاريخ طويل للانتهاك والأسطورة والاقتلاع.

هنا تظهر عبقرية بركات وخطره معًا. فهو لا يرضى بأن تكون الرواية حكاية قابلة للاستهلاك. يريدها مخلوقًا لغويًا كثيفًا، أشبه بحيوان غريب لا يعرف القارئ كيف يقترب منه. وهذا يمنحه مكانة فريدة، لكنه يحدّ أيضًا من اتساع جمهوره. فسليم بركات ليس كاتبًا شعبيًا، ولن يكون. إنه كاتب يطالب قارئه بثمن: الصبر، والتورط، والتخلي عن القراءة الكسولة.

يصعب الفصل بين بركات الشاعر وبركات الروائي. ففي شعره سرد، وفي رواياته شعر. وقد أشار حوار ArabLit مع مترجم بركات إلى أن بركات نفسه لا يقيم فصلًا حادًا بين لغة شعره ولغة نثره، وأن نثره يحمل ومضات شعرية كثيفة. 

هذا يفسر لماذا تبدو رواياته أحيانًا وكأنها قصائد طويلة مقنّعة، ولماذا تبدو قصائده أحيانًا كأنها خرائط سردية لعوالم غير مرئية. فالجملة عنده لا تريد أن تؤدي وظيفة واحدة. إنها تصف، وتُسمّي، وتُغنّي، وتؤسطر، وتقاوم، وتشوّش، وتخلق.

لكن هذا التداخل بين الشعر والنثر يخلق سؤالًا نقديًا مهمًا: متى تكون شعرية النثر قوة؟ ومتى تصبح عبئًا على السرد؟ عند بركات تكون قوة حين تكشف ما لا تقدر الحكاية العادية على كشفه؛ وتصبح عبئًا حين تؤخر حركة الرواية، أو تجعل الشخصية مجرد حامل للغة، لا كائنًا له مصيره الخاص

لا يمكن فهم بركات من دون الانتباه إلى ثلاثة عناصر حاسمة: المكان، الحيوان، والسلالة.

المكان عنده ليس جغرافيا فقط. القامشلي، الجزيرة، الشمال السوري، الجبل، السهل، الثلج، الحدود، كلها تتحول إلى كائنات ذات ذاكرة. المكان لا يستقبل الإنسان؛ إنه يصنعه، يجرحه، يطارده، ثم يعود إليه في المنفى كندبة.

أما الحيوان فليس رمزًا بسيطًا. الحيوان عند بركات شريك وجودي. إنه ليس استعارة خارجية، بل مرآة لما في الإنسان من بدائية، وذكاء، وخوف، وشراسة، وحاسة. الحيوان يدخل اللغة كما يدخل الحلم، ويكسر مركزية الإنسان. هنا يقترب بركات من رؤية أنطولوجية عميقة: الإنسان ليس سيد العالم، بل واحد من كائناته المرتبكة.

أما السلالة، فهي ليست فخرًا قبليًا. إنها عبء، أثر، سؤال عن الأصل، عن الأب، عن القرابة، عن الدم، عن الاسم، عن اللغة التي تمنحك نسبًا أو تسلبه منك. بركات لا يطمئن إلى السلالة؛ يحفر فيها كما يحفر في الجرح

من بيروت إلى قبرص إلى السويد، تبدو حياة بركات نفسها كأنها انتقال بين أمكنة لا تمنحه إقامة نهائية. لكن المنفى عنده ليس موضوعًا مباشرًا دائمًا. إنه يعمل في العمق: في التوتر بين اللغة والمكان، في تضخم الذاكرة، في تحويل القرية القديمة إلى كون، وفي تحويل الجملة إلى بيت بديل.

تقول جامعة شيكاغو إن بركات عاش في بيروت وقبرص قبل أن ينتقل إلى السويد عام 1999، حيث يقيم، وتربط ذلك بمساره الطويل ككاتب غزير الإنتاج.   لكن المهم نقديًا أن المنفى عنده ليس مجرد غياب عن الوطن، بل هو طريقة في الوجود. إنه لا يكتب من خارج المكان فقط، بل يكتب كما لو أن المكان نفسه خرج من نفسه وصار لغة.

قيمة سليم بركات الكبرى أنه أعاد إلى العربية طاقتها الوحشية. جعلها أقل أدبًا بالمعنى المهذب، وأكثر قدرة على حمل الغريب، والكثيف، والكردي، والحيواني، والأسطوري، والمنسي. لقد وسّع العربية من الداخل، وأجبرها على أن تستضيف ما كانت كثيرًا ما تطرده أو تهمشه.

لكن حدوده تأتي من المصدر نفسه. فالغزارة اللغوية قد تنقلب إلى فيضان. والتعقيد قد يصبح عزلة. والعبارة التي تريد أن تكون كونًا كاملًا قد تخنق أحيانًا اللحظة الإنسانية البسيطة. بركات لا يُقرأ بسهولة، وربما لا يريد أن يُقرأ بسهولة. غير أن السؤال يبقى: هل كل عسر في نصه ضرورة فنية؟ أم أن بعضه فائض عن الحاجة؟

هذا النقد لا ينقص من قامته، بل يحميها من التقديس. فالتجارب الكبرى لا تُقرأ بالمديح وحده. وسليم بركات ليس بحاجة إلى قارئ يصفق له، بل إلى قارئ يصارعه. إنه كاتب لا يعطيك نصًا لتستهلكه، بل يرميك في لغة تريد أن تعرف: هل أنت قارئ حقًا، أم عابر يبحث عن حكاية سهلة؟

سليم بركات امتحان للعربية الحديثة. امتحان لقدرتها على حمل ذاكرة غير مركزية، كردية، حدودية، أسطورية، جارحة. وامتحان للقارئ العربي: هل يستطيع أن يقرأ نصًا لا يطيعه؟ هل يقبل أن تكون اللغة ليست طريقًا معبدًا إلى المعنى، بل جبلاً وعراً؟ هل يحتمل أن يدخل رواية لا تسلّيه، بل تزعزع عاداته في القراءة؟

إنه ليس كاتبًا عن الكرد فقط، ولا كاتبًا عن المنفى فقط، ولا شاعرًا غريب الأطوار فقط. إنه أحد أولئك الذين جعلوا اللغة نفسها موضوعًا للمعركة. ومن هنا تأتي أهميته: لقد حوّل الهامش إلى مركز لغوي، لا بالشعار، بل بالكتابة. وحين يفعل الكاتب ذلك، فإنه لا يطلب مكانًا في الأدب فحسب؛ إنه يغيّر شكل الأدب نفسه.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تُولَد القصيدة الحقيقية من رَحِم القلق، لا مِن يقين مكتمل، ولا من طمأنينة مستقرة. والشاعرُ الحقيقي لا يكتب لأنه يمتلك الإجابات،بل لأنه يسكنه السؤال،ولا ينشد الكلمات لأنها مِطواعة، بل لأنها عَصِيَّة، ومتمنعة، تحتاج إلى مَن يُحرِّرها من صمتها. ومن هُنا يصبح قلقُ القصيدة حالةً وجودية وفنية في آن…

د. سارة منصور

في غمرة الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد الأديب والمناضل غسان كنفاني في بيروت، تبدو استعادته اليوم ضرورة وجودية وفكرية ملحة لتصويب بوصلة الوعي الثقافي والسياسي العربي، فلم يكن كنفاني، الذي ولد في عكا عام ستة وثلاثين وتسعمئة وألف واغتيل شاباً في السادسة والثلاثين من عمره عام اثنين وسبعين وتسعمئة وألف، إنساناً عابراً في…

د. مرشد اليوسف
ثمة ذكريات لا تبهت مهما ابتعدت السنوات، بل تزداد وضوحًا كلما تقدم العمر بالإنسان. وبين عشرات الصور التي تختزنها ذاكرتي عن طفولتي في ريف الدرباسية، ما زالت صورة ذلك اليوم حاضرة كأنها حدثت بالأمس.
كنت يومها طفلًا صغيرًا لم يدخل المدرسة بعد.
كنت أنتمي إلى ذلك العالم الريفي البسيط الذي كانت تحدده حدود…

ماهين شيخاني

مقدمة

تزخر الثقافة الكوردية بألقاب اجتماعية تعكس المكانة والوظيفة والقيم التي حكمت المجتمع عبر القرون، ومن أبرزها لقب «كيا» (Kiya / Keya) ، الذي ما يزال متداولاً في كثير من المناطق الكوردية بوصفه عنواناً للحكمة والوجاهة والقيادة الاجتماعية.

ولم يكن هذا اللقب مجرد مفردة لغوية، بل أصبح جزءاً من الذاكرة التاريخية للكورد، ودالاً على شخصية يُرجع…