أربعون يوماً على رحيلك

سعيد يوسف

 

“أي إنسان غاب عن المكان، وأيّة روح حجبها عني الزمان”

 

في كلّ يوم وفي الساعة السابعة تقريبًا مساء ً كنت آتي إلى هذا المكان أعني “الوجيبة الخلفية من بيتنا الكبير”. كنت تسبق الجميع إليه، إمّا أن يكون إبريق الشاي أمامك أو بعد مدّة من الجلوس تقوم، وبكلّ أريحية لإعداده بنفسك وحسب ذوقك كونه المشروب المفضّل لديك، وطقساً من طقوس الترحيب الذي يمنح الجمع ألفةً، كنت تملك نَفَساً خاصاً وذائقة في إعداده وترتيبه، تترك الإبريق لدقائق حتى يركن ويأخذ وضعه النهائي الجاهز للشرب .

في بعض الأحيان كنت أبادر لإعداده، وهنا كان يدور حديث مسلٍّ بين الحضور ! حول مستوى نجاحي؟ والنموذج المعتمد هو لمستك في الإعداد.

أربعون يوماً لم أشرب الشاي هنا، ولا أملك الدافع ولا الجرأة حتى في تحضيره، بل فقدت رغبة الشرب وطعمه بعدك.

اليوم وفي هذا المكان أجلس وحيداً، لا أصوات بشرية سوى همهماتٍ من أصوات الجيران، وأصوات أخرى مختلطة تأتي من البعيد.

كلّ شيء هنا يفتقد حضورك البهي المميّز الذي لا يضاهيه حضور، الشجيرات الصغيرة التي أحضرها حمودي، الكراسي الشاغرة، حتى القطط هنا تفتقدك تبحث عن زادٍ من جود يديك. رشّة الماء التي تنعش المكان غابت أيضاً. والآن كلّ ما في هذا المكان فقد الروح لا حياة.

ذات مرّة سألني حفيدي لوران الصغير وهو ينظر إلى السماء من هناك؟ التفت إليه وإذا به ينظر إلى الأعلى سألته من؟ أجاب عمو سعد، لقد رحل إلى الجنة! هكذا أقنعته أمّه، لأنه كان يسأل عنك ويبكي! لقد اشتقت إليه، ولماذا لايزورنا ؟ ويبدو أنّ سؤاله اختفى أيضاً وبات في طيّ النسيان ! يا إلهي

كان حضورك سحريّاً، كنت استثناءاً : صوتك الدافىء، وجهك الجميل ، ضحتك الفريدة، ابتسامتك المتفردة الحنونة، بحيويتك كنت تحرك كل ما يوجد في المكان. كنت المركز دائماً وما حولك يتحرك شوقاً إليك. لم يكن سعد شخصية عابرة، بل كان استثناءً أينما كان وفي أيّ وقت. منذ أن بدأتَ أولى خطواتك على أرض قريتنا خربة زرگان التي بدأت منها سيرة حياتك وإليها انتهيت، بعد آخر نفَسٍ من أنفاسك في صيرورة هذه الحياة السرمدية المتجددة .

 

كنت تتصدّر التفوّق دائماً، في كلّ موقف اجتماعي، في كل مراحل دراستك، في العمل كنت مثال العطاء، ويشهد على ذلك طلابك وزملاء المهنة، في تعاملك الاجتماعي، في إدارة ورعاية أمور البيت والتواصل مع الأخوات والأخوة، والأحفاد كنت الشمعة التي تنير للجميع هبةً وعطاءً، تتقن فن توزيع المشاعر على الجميع.

لم تكن تنحني لأحد ، ولا حتى تغريك الأموال والوظائف، ولا يرهبك أصحاب النفوذ والمناصب كنت النجم والملك وسيد ذاتك لا تستجيب إلا لنداء ضميرك وإرادة عقلك وقانون أخلاقك حيث كنت معجباً أشد الإعجاب بالأخلاق الكانتية، وإرادة القوة عند نيتشه وجبروت سقراط في تحدي الفناء.

 

أتذكر بحرقة في عام ١٩٧٣ عندما أقدم عنصر الأمن العسكري حيث كنا محتجزين عندهم في القبو، على ضرب وجهك بملء قوة كفّيه ولمرات متتالية، ومع ذلك صمدت وتركته يفرغ حقده وسمومه التي ارتدت إليه، في تحدّ لا نظير له، لم تهزك كلماته ولا تهديداته، بدا أمامك وكأنه شبح أعدّ من كرتون.  

أثبتّ ذلك أيضاً في محنتك الأخيرة، كم كنت شجاعا مفعماً بالكبرياء وقوياً، تجلّت هذه الشجاعة في قدرتك على السيطرة على ذاتك وضبط انفعالاتك حتى في أشد المواقف حرجاً وحساسية، لا تفسح المجال لأي سلوك متهور!

لم تتذمّر ولا مرة أنك تتألم أو تشعرنا بخطر يهدّدك  يا إلهي! صدّقوني لم يتفوّه سعد بلفظة تعبّر عن عمق  وجعه. هكذا قالها لي ذات مرّة : مهما كان ألمي قاسيًا وشديداً فلن أكشف عنه بكلمة تعبّر عن الإنكسار وهكذا فعلها، ولهذا لم نكن نعلم شدة ما يعانيه من الوجع.

قبل أشهر عندما كنت في زيارة إلينا كشفت عن سرّ مرضٍ لديك منذ أربعين سنة لا يعلمه سوى إثنين هما أنت والطبيب، قلت لي هذا الكلام ولكنك لم تكشف ما هو هذا المرض، ونحن بدورنا لم نسألك عنه، وها قد رحلت ورحل ذلك السر معك!.

لقد تركتني يا سعد بعد سبعين عاماً وحيداً في هذا العالم القاسي، أذوق مرارة العيش بعدك، ولو كان الأمر بيدك لما فعلتها قط. عيناي تذرفان الدموع تبحثان عنك، وقلبي يحترق ألماً لفقدك، كنت لي الأخ والصديق، وأباً وقدوة وسندًا وها أنا ذا وحيد في هذا العالم الغامض.

لا أعلم لماذا كنت تحبني بهذا العمق. عندما كنت أزورك تستقبلني وكأنّ ضيفاً حلّ عليك لأول مرة، وفي الوداع ترافقني حتى نهاية الشارع، ألأجل أن تطمئنّ أنك أوصلتني إلى البيت، أم لمعاني أخرى؟ حقيقة لست الوحيد الذي كان محطّ اهتمامك، ولكن كنت تمنحني اهتمامًا مغايراً، نعم هكذا كانت مشاعري، ربما تعود جذورها لأيام الطفولة والدراسة بكل مراحلها، أوللتقارب العمري وطول فترة عيشنا سوياً وربما أيضاً لأنها حقيقة فطرية في سجيتك. كم أنا فخور بك ومدين لك مهما فعلت فلن أوفيك فيض مشاعرك وعمق أحاسيسك.

حقّاً لقد كنت عظيمًا، في شجاعتك، في عواطفك، في ذكائك، في حبك وفي وفائك، كنت قياديًا ولكن ليس قائد معركة، ولا أعتقد أنك كنت تتمنى ذلك فأنت رجل المحبة والسلام، لقد كنت قائداً في معركة الحياة تدافع عن الحرية والخير والجمال كنت كاتبًا وأديباً وشاعراً، رغم أنك لم تترك رواية أو ديوان شعر، ويشهد على ذلك شذرات من كتاباتك الكثيرة جداً والمتناثرة على صفحات الكتب التي كنت تقرؤها. ليس كلّ من ألّف كتابًا هو كاتب، ولا كلّ من لم يترك كتابًا ليس بكاتب. كثيرون أولئك العظماء الذين خلدهم التاريخ، دون أن يتركوا خلفهم كتباً، ولكنهم تركوا فلسفة، وديناً إنسانيّاً، وأنت واحدٌ منهم.

 

كنت فيلسوفاً ويشهد على ذلك سيرة سلوكك الظاهري والعملي، ولهذا كنت تعشق الفلسفة الإغريقية والغربية. وترجمت ذلك في الدفاع عن الفضائل والجمال وعن الحياة، حياة كل الكائنات الحية نباتاً وحشرات، لا تعتدي على حقّها في الحياة، أو طيوراً تعتني بها، تقدم لها الطعام والماء ، صيفا كنت تترك سطل ماءٍ على سقف بيتك كي تنهل منه الطيور.

كنت حريصًا على رعاية النبت والشجر، تعشق المطر، تعشق الكون والفلك والنجوم والبيئة والأرض ولهذا كنت تجلس أو تتكأ على الأرض مباشرةً دون فاصل بينكما، إنه عشق الاتحاد معها والذوبان فيها وتقديسها هكذا كانت فلسفة حياتك، عشق الأرض والماء فمنهما تنبلج الحياة، لقد تركت مئات أشجار الزيتون والعنب بعدك تخبىء كل منها ذكريات وتروي حكايات، وعلى أوراقها آثار لمساتك.

إنّ أعظم شيء يمكن أن يفعله الإنسان في هذه الحياة هو الفلاحة والزراعة هذا ما توصل إليه فولتير عندما تقدّم به العمر، حقيقةً لم تكن عنايتك بالأرض والزراعة لأغراض تجارية، بل لسبب أساسي ألا وهو عشق الأرض لأنها الأم الكبرى، تمنح ديمومة الحياة.

رحل والدي في /١٣/ ٥/ ٢٠٠٢/ بقيت معه ليلاً حتى لفظ أنفاسه الأخيرة وأغمضت عينيه بيدي.

رحلت والدتي في /١٤/ ٥/ ٢٠١٧/.

في المشفى كنت أستنجد وأتوسّل روحها كي تأتي لإنقاذك، وإذا بها أتت في صبيحة /١٤/ ٥/ ٢٠٢٦/ لتأخذك من عالم المادة والآلام والشقاء إلى عالم الأرواح النقية الذي يليق بك، حيث الصفاء المطلق. كم تعبت يا سعد وكم تحملت من المشقة والأعباء والآلام لأجل الجميع، ووهبت دفء عواطفك ونبل إنسانيتك للجميع. عشت حياة الحكماء، ورحلت رحيل العظماء.

عذراً والداي :

تحملت فراقكما بصبر وشجاعة، إلا سعد ففراقه مختلف تماماً، ثقيل جدّاً تحمله، أحسب أن أحدهم انتقم مني وخطفه لا أتقبل ما جرى، حقّا لقد كان التوقيت خاطئاً، وكان الرحيل ظالماً واعتداءً.

لو خيرتُ أن أختار لقاء شخص ممن رحلوا لاخترتك أنت ياسعد، لا خترت أن أرى وجهك دوماً دون ملل. بابتسامتك الدافئة المعبّرة، أو أسمع ضحكتك وصوتك الهادئ سأختارك أنت يا من كنت تملأ الفراغات في كل ثنايا المكان، في زوايا البيت وعلى سطح الدار، وفي شرفته، في ممراته، في بيتنا وشارعنا كم كنت أراك وأتابعك وأنت تتهادى في مشيتك كل الفراغات باتت فارغة الآن من حضورك.

سبعون عاماً كنا سوياً وهي فترة أطول من الفترة التي قضيتها مع والديّ. كنا نتقاسم كلّ شيء الأفراح والأتراح، كنا نتناقش قضايا الفكر والروح، والفلسفة والأديان، التاريخ، والجغرافيا، الآداب، والفنون، والعلوم. كنت قارئا جيداً ومتابعًا للقراءة دوماً ودون انقطاع، متفوّقاً في كل المعارف والعلوم، والحكايات والسرديات الاجتماعية ، تتمتع بذاكرة متقدة في استحضار الماضي بكل تفاصيله، حتى في نقل المشاعر واحاسيس الوجوه وصور المكان.

تركت كتبك ومجلاتك المفضلة والعزيزة التي صنفتها في مجلدات خاصة، كنت تقرأ كثيرأ، ولكن كنت تقول أني لا أملك إرادة الكتابة، بينما كنت تعبّر عن إعجابك بالتزامي ممارسة الكتابة.

تعشق الموسيقا والاستماع للأغاني الكوردية، تغني لحفدائك على الشاشة الصغيرة ترسل إليهم فيض حنانك وحبك، فيزدادون تعلقاً بك، مؤكد أنها ستزهر وتثمر في سجاياهم وأرواحهم. كنت تهوى سماع نقرات ريشتي على أوتار العود، لقولك انها تنبع من إحساس حقيقي مرهف وعميق.

ينطبق علينا القول الصوفي:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا

نحن روحان حللنا بدنا

إلهي خفّف عني وزر فراقه

ولا تحملني ما لا طاقة لي في تحمّله

وداعًا أيها الفيلسوف الحكيم

وداعًا أيها الحكيم الزاهد

وداعًا أيها الحكيم الرواقي

وداعًا يا محبّ الأخلاق الكانتية

كنت تحبّ آندريه الفيلسوف لفوضويته الإبداعية

ولهذا اخترت اسمه يا أبا آندريه

وداعًا يا عاشق مملكة ميديا

ولهذا اخترت الاسم يا أبا ميديا

وداعًا أيها الحكيم الزرادشتي

أفكار وأقوال وأعمال حسنة

لكل هذا كان دينك وفلسفة حياتك هي الإنسانية

سلامٌ عليك يا سعد يوم ولدت

وسلامٌ عليك يوم رحلت بصمتٍ دون أنْ تودعني

أمنيتي الكبرى وشوقي الأعظم أن ألتقيك ذات يوم وأضمك إلى صدري في أي مكان من هذا الكون الرحب اللامتناهي.

 

حسكة /٢٢/6/2026

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

مسعود محمد

 

حين يكتب الأديب إبراهيم اليوسف عن جكرخوين، فهو لا يكتب عن شاعر كردي كبير فحسب، ولا ينجز كتاباً توثيقياً عادياً يضاف إلى رفوف المكتبة الكردية والعربية، بل يفتح بوابة وفاء واسعة أمام واحد من أكثر الأسماء رسوخاً في الوجدان الكردي الحديث. فالكتاب هنا ليس مجرد صفحات عن شاعر، بل شهادة على زمن، وعلى جرح،…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تُولَد القصيدة الحقيقية من رَحِم القلق، لا مِن يقين مكتمل، ولا من طمأنينة مستقرة. والشاعرُ الحقيقي لا يكتب لأنه يمتلك الإجابات،بل لأنه يسكنه السؤال،ولا ينشد الكلمات لأنها مِطواعة، بل لأنها عَصِيَّة، ومتمنعة، تحتاج إلى مَن يُحرِّرها من صمتها. ومن هُنا يصبح قلقُ القصيدة حالةً وجودية وفنية في آن…

د. سارة منصور

في غمرة الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد الأديب والمناضل غسان كنفاني في بيروت، تبدو استعادته اليوم ضرورة وجودية وفكرية ملحة لتصويب بوصلة الوعي الثقافي والسياسي العربي، فلم يكن كنفاني، الذي ولد في عكا عام ستة وثلاثين وتسعمئة وألف واغتيل شاباً في السادسة والثلاثين من عمره عام اثنين وسبعين وتسعمئة وألف، إنساناً عابراً في…

د. مرشد اليوسف
ثمة ذكريات لا تبهت مهما ابتعدت السنوات، بل تزداد وضوحًا كلما تقدم العمر بالإنسان. وبين عشرات الصور التي تختزنها ذاكرتي عن طفولتي في ريف الدرباسية، ما زالت صورة ذلك اليوم حاضرة كأنها حدثت بالأمس.
كنت يومها طفلًا صغيرًا لم يدخل المدرسة بعد.
كنت أنتمي إلى ذلك العالم الريفي البسيط الذي كانت تحدده حدود…