المقعد C13

هوشنك_أوسي
على متن الطائرة التي أقلَّتني من إسطنبول إلى الإسكندرية،
وقفت مضيفةُ الطيران في الممر،
بجانب مقعدي.
بدأت تُمثِّل بحركات جسدها تعليماتَ السلامة:
هكذا تربطون أحزمةَ الأمان مع الحبيب،
وهكذا تفكونها.
إذا تعبت الحبيبة،
فالقبلاتُ على الشفاه هي أقنعةُ أكسجين،
تُقنع القلوب، وتقتنع بها الأجساد.
أبقوا طاولاتِ العشِّقِّ مفتوحة،
وأغلقوا نوافذَ القلق.
على متن طائرة الحب،
هناك مخرجٌ واحد للنجاة،
اسمه الموت.
أثناء المرور بمطبات الهوى،
عانقوا بعضكم بعضًا.
إذا تعرَّضنا لهبوطٍ اضطراري،
واصلوا أنتم التحليقَ بأجنحة الاشتياق وريشه.

صرتُ أتتبَّع حركةَ يديها،
صعودَ وهبوطَ نهديها،
ملامحَها، وتعابيرَ وجهها.
عيناها صافيتان كعيني صقر.
تُخفي خلف ابتسامتها القاتلة
براريَ مجهولةً من التعب.
عطرُها الخفيف فشل في إخفاء رائحة تعرُّقها.
لعنتُ الوشاحَ القصير الذي يحاصر عنقها،
ولعنتُ أشياءَ أخرى.
لاحظتُ اهتمامَ عيني بها.
تخيَّلتُها تُراقصني،
وتخيَّلتني أعاتبها على تأخرها.
وصلت الرحلة،
وهي ما تزال تُمثِّل بلغة الجسد تعليماتَ السلامة،
وتعليماتَ الحب.
***

أن تكون العشقَ الأولَ لامرأةٍ ثلاثينية،
أن تكون الضحيةَ الأولى لقاتلٍ متسلسل،
والمسافرَ الأول على متن طائرةٍ ورقية
تقودها امرأةٌ مطلقة.
إذا ناداك البحر، تستجيبُ بسرعة.
وإذا أغوتك أرملةٌ فاتنة،
تغيبُ عن الدنيا،
وعنها لا تغيب.
لا يعيبُك طيشُك وتهوُّرُك في شيء،
أيها الخمسينيُّ الذي يستدرجُك المجازُ إلى كمائنه.
أنت براهينُ مُرهقاتِك الأبدية،
ورهانُ قصائدك،
ورهنُ أمرِ النساء المتواريات فيها.
دعْ ما للشعر للشعر،
وما للجحيم للجحيم،
ولا تُنازع اليقينَ على مُلكه.
أعرِضْ عن الحيرة والتردد،
وسِرْ إلى حيث تسير ملابسُ الجميلات الداخلية.
أن تكون العشقَ الأولَ لامرأةٍ ثلاثينية،
والمسافرَ الأول على متن طائرةٍ ورقية
تقودها امرأةٌ هوجاءُ ورائعة،
فتلك هي الحياة،
وما قبلها، وما بعدها.

8/7/2026

على متن الطائرة المتجهة من إسطنبول إلى الإسكندرية 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف

 

“أي إنسان غاب عن المكان، وأيّة روح حجبها عني الزمان”

 

في كلّ يوم وفي الساعة السابعة تقريبًا مساء ً كنت آتي إلى هذا المكان أعني “الوجيبة الخلفية من بيتنا الكبير”. كنت تسبق الجميع إليه، إمّا أن يكون إبريق الشاي أمامك أو بعد مدّة من الجلوس تقوم، وبكلّ أريحية لإعداده بنفسك وحسب ذوقك كونه المشروب المفضّل…

مسعود محمد

 

حين يكتب الأديب إبراهيم اليوسف عن جكرخوين، فهو لا يكتب عن شاعر كردي كبير فحسب، ولا ينجز كتاباً توثيقياً عادياً يضاف إلى رفوف المكتبة الكردية والعربية، بل يفتح بوابة وفاء واسعة أمام واحد من أكثر الأسماء رسوخاً في الوجدان الكردي الحديث. فالكتاب هنا ليس مجرد صفحات عن شاعر، بل شهادة على زمن، وعلى جرح،…

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تُولَد القصيدة الحقيقية من رَحِم القلق، لا مِن يقين مكتمل، ولا من طمأنينة مستقرة. والشاعرُ الحقيقي لا يكتب لأنه يمتلك الإجابات،بل لأنه يسكنه السؤال،ولا ينشد الكلمات لأنها مِطواعة، بل لأنها عَصِيَّة، ومتمنعة، تحتاج إلى مَن يُحرِّرها من صمتها. ومن هُنا يصبح قلقُ القصيدة حالةً وجودية وفنية في آن…

د. سارة منصور

في غمرة الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد الأديب والمناضل غسان كنفاني في بيروت، تبدو استعادته اليوم ضرورة وجودية وفكرية ملحة لتصويب بوصلة الوعي الثقافي والسياسي العربي، فلم يكن كنفاني، الذي ولد في عكا عام ستة وثلاثين وتسعمئة وألف واغتيل شاباً في السادسة والثلاثين من عمره عام اثنين وسبعين وتسعمئة وألف، إنساناً عابراً في…