أمانة الربيع الخائفة: كيف صنعت عمتي “خالصة” وعيي الأول؟

نجاح هيفو

في حياة كل إنسان لحظة فاصلة ينقسم فيها العمر إلى نصفين؛ نصف قبل المعرفة، ونصف بعدها. بالنسبة لي، جاءت تلك اللحظة في يوم ربيعي من أيام نوروز، تحت ظلال نظام الأسد القمعي البائد. كنت طفلة صغيرة أرى العالم ببراءة كاملة، وأسير ممسكة بيد عمتي “خالصة” التي كانت تمثل بالنسبة لي الأمان كله.

خرجنا نبحث عن الفرح؛ عن الدبكات الكردية، والأغاني، وألوان الربيع التي كانت تُمنع عنا طوال العام. لكن ذلك الفرح لم يدم سوى لحظات.

فجأة، رأيت رجال الشرطة بوجوههم الجامدة وهيبتهم المصنوعة من الخوف يندفعون نحو فتاة في مقتبل العمر. لم تكن تحمل سلاحاً، ولم تهتف بشعار، ولم ترتكب ذنباً سوى أنها ارتدت أشرطة بألوان النسيج الكردي: الأخضر والأحمر والأصفر والأبيض. امتدت أيديهم بعنف لينزعوا عنها تلك الألوان، وكأنهم ينتزعون منها حقها في الفرح والانتماء.

تجمدت في مكاني. لم أفهم لماذا يُعاقَب إنسان بسبب ألوان يرتديها. التفتُ غريزياً إلى عمتي خالصة لأحتمي بها، لكنني رأيت في عينيها ما كان أشد وقعاً عليّ من مشهد الشرطة نفسه.

رأيت الخوف.

كانت ترتدي حول خصرها حزاماً يزهو بالألوان ذاتها. وفي لحظة خاطفة، تحولت تلك الألوان من رمز للربيع إلى تهمة قد تقود صاحبها إلى الاعتقال. رأيتها تنزع الحزام بسرعة، وتضم الأشرطة إلى صدرها كما لو أنها تحتضن جزءاً من روحها، أو تحاول إنقاذ ذاكرة كاملة من يد البطش.

ثم التفتت إليّ.

كانت أنفاسها متلاحقة، ويداها ترتجفان. وضعت الأشرطة بين كفي الصغيرتين وهمست بصوت خافت أثقلته سنوات القهر:

“خبئيها.”

حين لامست تلك الألوان يدي، شعرت ببرودة الخوف تسري في جسدي. لكنني شعرت أيضاً بشيء آخر يولد داخلي. في تلك الثواني القليلة، كبرت أعواماً. نظرت إلى الأشرطة المخفية بين يدي، ثم إلى رجال الشرطة، وأدركت، وأنا ما زلت طفلة، أننا لا نعيش حياة طبيعية، بل نعيش تحت ظلم يخاف حتى من الألوان.

عدت إلى البيت وأنا أحمل في جيبي الصغير سراً أكبر من عمري. لأيام طويلة، كنت أستيقظ مذعورة، أتحسس مكان الأشرطة، وأتخيل رجال الأمن وهم يقتحمون منزلنا بحثاً عنها. أخفيتها كما يُخفى الكنز، وتعلمت لأول مرة أن أخفي خوفي أيضاً. كانت تلك الأشرطة أول درس في الكتمان، وأول درس في المقاومة الصامتة، وأول تعريف لي لمعنى أن تكون الهوية جريمة في وطنك.

اليوم، وقد رحلت عمتي “خالصة” إلى جوار ربها، أدرك أن ما تركته لي كان أكبر من ذكرى عابرة. تركت في قلبي درساً لن يموت، وأمانة سأحملها ما حييت. كلما جاء نوروز، لا أرى تلك الأشرطة الملونة فحسب، بل أرى وجهها، وارتجافة يديها، وهمستها التي ما زالت تتردد في أذني: “خبئيها”.

رحلت خالصة، لكن شجاعتها بقيت. ورحل الخوف الذي أراد النظام أن يزرعه فينا، وبقيت الألوان حرة، ترفرف في السماء التي حُرمنا منها زمناً طويلاً. رحم الله عمتي، فقد كانت أول من علّمني أن الهوية قد تُحمى أحياناً بصمت، وأن الأمانة الصغيرة التي وضعتها في يدي طفلةً كانت الشرارة الأولى لوعيٍ رافقني طوال حياتي.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا

سامية يحيى إبراهيم، ابنة عامودا، خريجة معهد إعداد المعلمين. عملت معلمة لمدة خمسة عشر عاما، ثم تقاعدت مبكرا. تكتب الشعر منذ ما يقارب خمسة وعشرين عاما، ولها ديوان مطبوع بعنوان «صلوات الأشجار»، صادر عن اتحاد مثقفي روجآفا كردستان، إضافة إلى نصوص كثيرة غير مطبوعة،…

السويد – خاص: صدر حديثاً الكتاب الأربعون للشاعر والناقد لقمان محمود بعنوان (الحياة الكامنة خلف الكلمات)، عن دار “49 بوكس” في السويد. يقع الكتاب في (234) صفحة من القطع المتوسط، وهو استكمالٌ لمشروع لقمان محمود في مجال السرد، حيث سبقت له إصدرات عدة في هذا السياق، منها: “ترويض المصادفة” عام 2011، “زعزعة الهامش” عام 2019، “كسر…

تلقى المكتب الاجتماعي في الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الكرد في سوريا، بحزن وأسى كبيرين، نبأ رحيل الفنانة كولستان طاهر- سوباري، التي توفيت ليلة أمس، تاركةً وراءها حضوراً فنياً وذكريات راسخة في نفوس وقلوب أسرتها وعائلتها، وذويها، وأصدقائها ومحبي فنها.
لقد عُرفت الراحلة بصوتها المميز، وبموهبتها الفنية التي لم تقتصر على الغناء، إذ عرفتها خشبات المسرح فنانةً…

جوان سلو

كثيراً ما يوصف الأدب الإيراني بأنه أدب مختلف عن الآداب الأخرى لحفاظه على أصالته وخصوصيته وواقعيته وتمسّكه بتراثه الثريّ الخاص، إذ يجد القارئ العربي في هذه الأعمال الأدبية فضاءً ثرياً من اللغة والأفكار والأسلوب والثقافة، وقد فرض الأدب الإيراني المترجم عن اللغة الفارسية في الآونة الأخيرة وجوده المميّز بين الإصدارات العربية المترجمة، واحتلَّ من…