قراءة انطباعية في ديوان ( سكر ازرق ) للشاعر الكردي السوري علي مراد 

نصر محمد/ المانيا 

 

 الشعراء أبناء عم الألهة

تربطهم صلة حبر ودم 

لا أحد 

لا صدى يعود إلى انقاضه 

كلما انغرست المعادن لحمي 

بهذه الكلمات أهداني الشاعر الكردي السوري علي مراد ديوانه ( سكر ازرق ) عندما التقيت به مؤخرا في منزل الفنان التشكيلي سالار سعدو وبحضور الرؤائي الكردي السوري ريبر يوسف 

ديوان ( سكر ازرق ) صدر عن دار النخبة للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة، وهو الديوان الخامس للشاعر في ترتيب مجموعاته الشعرية 

يحوي الديوان بين دفتيه ستة وسبعون نصا على امتداد مائة وخمسة وأربعون صفحة من القطع المتوسط 

سعدت جدا بقراءتها، وكان لي هذه القراءة المتواضعة

قبل ان ادخل عالم القراءة من بابها الكبير علي ان اتقدم للقارئ 

بلمحة عن الشاعر علي مراد 

علي مراد، ابن مدينة عامودا، مدينة الحرائق، ولد وترعرع بين حاراتها وازقتها، يجري حبها في كيانه مجرى الدم في عروقه، يكتب فرحا لإنتصاراتها وحزنا في انكساراتها ايضا، اراد ان يكون طائرا كالصقر ويحلق بالطموح والتحدي، شاعرا اثيرا، سمته نصرة الجمال بالشعر، والضرب في الأرض، عبر ترحال سندبادي بحثا عن اللؤلؤة المفقودة في الطبيعة، 

 ينتقل بخفة الفراشة من إبداع الى إبداع، يكتب القصائد حينا، وحينا يتجه الى مرسمه حيث يجعل حروفه ترقص على بياض اللوحة، هو سليل الهم الانساني وتراجيديا الوجع الكردي، ينتمي الى جيل الرهانات الخاسرة، جيل الخيبة والهزائم، جيل الفتوحات الديكنوشيتية،

صدر للشاعر 

  • انكسار الماء في ذاكرة الزجاج، مجموعة شعرية، دار كوردينا، السليمانية – كردستان العراق ٢٠١٥م
  • ماتريوشكا مجموعة شعرية، دار الزمان، دمشق – سوريا ٢٠١٩م
  • للعشق رائحة أخرى، مجموعة شعرية، دار ببلومانيا، القاهرة جمهورية مصر العربية ٢٠٢٠م
  • شانيا مجموعة شعرية، اتحاد المثقفين في اقليم الجزيرة ٢٠٢١ م

حاولت من خلال هذين النصين اللتين سأوردهما من الديوان تمثلان نموذجا متقدما من الشعر الحداثي الحر

نص (احب خطاياك الكثيرة ايضا) الصفحة 5 / 6

ونص ( ولعامودا أرخبيل الكمالية والهضبتان اللتان تلوحان في الأفق القريب ) الصفحة 82 /83

( أحب خطاياك الكثيرة أيضاً )

  هذا النص صلاةٌ معكوسة للحبيب الآثم . وهو أجرأ وأكثر وجعاً .

أولا: العنوان اعتراف كامل

 كلمة ” أيضاً ” هي المفتاح. هنا الشاعر لا يحب محاسنه فقط ككل الناس، بل يحب ما يكرهه الناس فيه . يحب الزلة نفسها. هذا هو الحب الذي تجاوز مرحلة التقييم الأخلاقي ودخل مرحلة العبادة .

ثانيا: قلب الدين رأساً على عقب

 بنى الشاعر ديناً جديداً للعشق، بفقهٍ مضاد تماماً للفقه المعروف :

في ديننا المعتاد: سوء الظن إثم .

في دين الشاعر: سوء الظن بالحبيب إثم / والإثم في دين العشق من الكبائر

جعل الحبيب هو المقدس الذي لا يجوز الشك به . الشك به هو الكفر .

ثم يبدأ طقوسه العجيبة :

” أنا أتوضأ بماء خطاياك “

الوضوء يكون بالماء الطهور، لكن الشاعر يتطهر بنجاسة الحبيب نفسها . خطاياه هي التي تجعلك طاهراً . هذا انقلاب صوفي خطير . • ” والصلاة هذيان يناغم ثغري لتلد الفاتحة “

صلاته ليست خشوعاً، بل هذياناً، سكراً . ومن هذا الهذيان تلد الفاتحة من جديد . كأن حبه يعيد خلق الدين. • ” أعمدك بدموعي “

انتقل من الوضوء الإسلامي إلى التعميد المسيحي . هنا الشاعر يمارس كل الطقوس المقدسة على جسد حبيبة ضالة، ليطهرها هو، لا ليطهرها الله . 

الشاعر هنا ليس عاشقاً، بل هو كاهن في معبد حبيبة خاطئة .

ثالثا: لذة الألم

هذه هي المنطقة الأكثر قتامة وصدقاً في النص :

“أحب قسوتك … / وأزين عنقي بسياط / مازالت تلون أطرافي / سياط ما خانت لحمي مرة”

هنا الشاعر لا يشتكي من القسوة، بل يتزين بها. السياط صارت عقداً في عنقك. وهذا الاعتراف: ” ما خانت لحمي مرة ” أي أنها كانت صادقة، أوصلت الألم كاملاً. هناك لذة ماسوشية واضحة، لكنها ليست جسدية فقط، هي لذة الولاء المطلق. أن يبقى أثره عليه دليلاً على أنه مر من هنا .

رابعا: الخيبة البلاغية

في المقطع الأخير، تنكسر كل هذه الطقوس أمام حقيقة باردة :

“أطوف حول قصيدة لا عطر لي فيها / لا حروف اسمي تبتر أكمام الفتور / ولا البلاغة تعيدني طفلا”

يا لوجع هذه الصورة. الشاعر يطوف حول كعبة الحبيب / القصيدة، لكنه غريب عنها. لا عطر له فيها، لا اسم له فيها. حتى بلاغته التي كانت سلاحه في النص الأول، خانته هنا. لم يعد قادرا على إعادته طفلاً بريئاً.

” همشت العبارة وجهه على رصيف اللامكان ” – العبارة نفسها ضاعت، تشردت مثلك .

خامسا: الخاتمة : 

حنان الأم لا حنان العاشق

بعد كل هذا الجلد والطواف والهذيان، تأتي الخاتمة بنبرة مختلفة تماماً، نبرة أمومة :

” أنا لا أحبك فحسب أيتها الضالة / أعمدك بدموعي / وبرفق أطوي خطاياك الكثيرة / وأنام… “

قال عنها ” أيتها الضالة ” . الضالة لا تُعاقب، الضالة يُبحث عنها وتُعاد . فتطوي خطاياها برفق، كما تطوي أم ثياب طفلها المتسخة، ثم تنام .

النوم هنا ليس استسلاماً، بل سلام. بعد أن توضأت بخطاياها وعمدتها بدموعك، انتهى الطقس. يمكنك الآن أن تنام مطمئناً .

نص موجع وصادق جداً، لأنه يكسر صورة الحبيب الملائكي ويقول: أحبك حتى وأنت تؤذيني، بل أحب أذاك لأنه منك .

( ولعامودا أرخبيل الكمالية والهضبتان اللتان تلوحان في الأفق القريب ) الصفحة 82 / 83

هذا ليس نصاً يُقرأ، هذا نص يُتوضأ به. ولذلك سأقرأه كصلاة.

أولا: العنوان / العتبة

بدأ الشاعر بما يشبه الإحداثية الشعرية الغامضة :

 

 “ولعامودا أرخبيل الكمالية والهضبتان”. كأنه يضع خريطة سرية لمنفاه. عامودا ليست مكاناً جغرافياً فقط، هي ذاكرة. والأرخبيل والهضبتان يلوحان في الأفق القريب، أي أن الوطن لم يعد أرضاً متصلة، بل جزراً متناثرة في داخله، يراها ولا يصلها. هذه العتبة وحدها تلخص حالة المنفى .

 

 ثانيا: لمن تكتب؟ لـ ” أناك “

أجمل ما في النص أنه ليس خطاباً للآخر، بل حوار مع الذات الثانية.

” لرسم أناك لا تحتاج الى احبار ملونة “

هنا الشاعر لا يرسم ذاته المجازية بأدوات الزينة. يرفض كل أدوات التجميل الشعري: الأحبار الملونة، مساحيق الرتوش، الأكريليك المخصب. يرفض حتى الرصاص الذي هو لغة الفرح المزيف عندنا .

لماذا ؟ لأن أناك لا تُرسم، هي تُستعاد. هي :

  • اخضرار يمتد من شرفة دار تسكنك حتى لا نهايات المنتهى • أبيض يخيم على وجه البهاء

ثم تأتي جملتك الفلسفية الصاعقة التي هي قلب النص كله :

” هل هناك تعريف للنقاء غير النقاء “

هنا توقفت البلاغة عن الشرح. النقاء لا يُعرّف، يُشار إليه فقط . كأنك تقول إن أناك عصي على التعريف، هو بداهة

 

 ثالثا: من البلاغة إلى القذائف

ينكسر النص فجأة من التأمل الجمالي إلى الواقع. وهذا هو جرح القصيدة الحقيقي :

” ولا لناب ذئب تعلقه على كتف رضيع / ولد على صوت القذائف “

هنا دخل الشاعر الحرب. دخل الخوف الشعبي الأصيل، والتميمة، والحاجة لسترة مضادة من الغدر. وبدأ ينتقل من رسم الذات إلى حماية الذات الوليدة في زمن الحرب. الطفل الذي يولد على صوت القذائف لا يحتاج زينة، يحتاج نجاة. وهذا الانتقال هو ما يعطي النص صدقه الموجع .

رابعا: النصف البعيد

ثم يأتي الحل الذي قترحه:

“كل ماتحتاجه هو ان تطلق العنان / لنصفك البعيد هناك”

الشاعر هنا منقسم. نصف هنا يحاول أن يرسم ويحمي، ونصف هناك مسافر في قطار سريع صوب مدن لا تعرف عنك شيئاً. هذا هو تعريف المنفى الدقيق: أن تكون مترنحاً على برزخ.

ونداء الشاعر 

” يا رابع المطعونين / يا اول الدمع “

يا له من نداء. الشاعر هنا لا يخاطب بطلاً، بل خاطب الجريح الأخير الذي صار أول الباكين. فيه قداسة الحزن

خامسا: الخاتمة : 

كيف كُتب النص

يختم بتواضع العارف :

” لم اتوضأ بحبر النبوة / ولم انم في كهوف الامتحان يوما / فقط تيممت بتراب / شكل منه انت “

هنا ينفي عن نفسه النبوة والأسطورة . لا يريد أن يكون نبياً ولا ناسكاً في كهف . هو ابن تراب، لكن هذا التراب نفسه شكّل “أنت” الأجمل . 

ولذلك كان لا بد أن تدون هذا النحيب ” على اوراق الروح / ليكون اخر منشور تغنيه نجمة فوق شباك منفاك، يا انت “

فالنص هنا نص قوي لأنه صادق، ومجروح، ويرفض الزخرفة في زمن كثرت فيه الزخرفة. لغته بسيطة بلا تكلف، لكن صوره عميقة .

في الختام 

(سكر ازرق) يُجسد لوحات شعريّة حيّة تتنفس بالحنين والذكريات، حيث تتدفق المشاعر بلغة موسيقيّة أخاذة، الصور البلاغية المُفعمة بالحركة تحيل القارئ إلى عالم ساحر من الأسطورة والدفء الإنساني، وكأن الكاتب نسج خيوط الذاكرة بخيوط الضوء .

 

 ديوان سكر ازرق للشاعر الكردي السوري علي مراد يستحق القراءة العميقة، بإعتبار قصائده تشبه روحه وعمق مسيرته الحياتية الصعبة .

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

أصدرت منشورات رامينا في لندن مسرحية جديدة «تحت شجرة التين» للكاتب الكردي العراقي هوشنك وزيري، في عمل أدبيّ يستعيد واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في التاريخ الكردي الحديث، عبر معالجة مسرحية تنفتح على أسئلة الذاكرة والعدالة والغياب، وتتّخذ من حملة الأنفال وما خلّفته من مآسٍ إنسانية منطلقاً لبناء عالمها الدراميّ.

تمتدّ المسرحية في فضاء إنساني يتجاوز…

ماهين شيخاني

كان ينتظر مكالمة واحدة فقط.

منذ أسبوع وصديقه، صاحب المكتب العقاري، يعده بأن المستأجر سيدفع أجرة الشقة، وأن المبلغ سيبقى أمانة في المكتب حتى يأتي لاستلامه. لم يكن المبلغ كبيراً، لكنه بالنسبة إليه كان يشبه نافذة يدخل منها الهواء إلى بيت اختنق طويلاً.

في العاشرة صباحاً فتح هاتفه.

رسالتان.

الأولى من صديقه:

“الأمانة وصلت… تعال متى شئت.”

ابتسم لأول مرة…

عصمت شاهين الدوسكي

جَاءُوا بِلَا قَلَقٍ
سَرَقُوا بِلَا أَرَقٍ
نَامُوا بِلَا عَرَقٍ
العَدْلُ عَلَى الوَرَقِ
****
مَنْ يَسْأَلُ الأَمَانَ ..؟
اغْتَصَبُوا حَتَّى المَكَانَ
زَمَنُهُمْ بِلَا زَمَانٍ
وَالمُهَانُ يَبْقَى إِنْسَانَ
***
لَا صَوْتَ عَلَى المَنَابِرِ
لَا صَرْخَةَ عَلَى المَجَازِرِ
لَا رَدَّ عَلَى المَشَاعِرِ
لَا عِبْرَةَ فِي المَقَابِرِ
_**_
أَحْلَامٌ غَدَتْ ذِكْرَيَاتٍ
أُمْنِيَاتٌ عَلَى شَغَافِ النَّبَضَاتِ
الآلَامُ تَمْضِي بِلَا آهَاتٍ
كَأَنَّ الأَجْسَادَ بِلَا خُطُوَاتٍ
***
لَا حَقَّ لَنَا وَلَا حُقُوقَ
كَأَنَّنَا أَوْرَاقٌ العُرُوقُ

طَرِيَّةٌ لَكِنَّهَا بِلَا شُرُوقٍ
أَيُّ عَدْلٍ بَيْنَ فَاسِقٍ وَفُسُوقٍ..؟
***
جُوعٌ…

فراس حج محمد| فلسطين

 

إلى راقصة فلامنكو إسبانية

(A una bailaora de flamenco Española)

هامش:

“الرقص هو إمكانية الجسد في أن يبدأ من جديد، أن يتحرر من وطأة الماضي وقوانين الجاذبية. إنه ليس عرضاً خارجياً، بل هو الفكر في حالة حركة. الرقص يعلمنا أن الجسد لا يطيع الروح كعبد، بل إنه يشاركه الصيرورة والوجود. في الرقص، تلتقي الصرامة القصوى…