محي الدين حاجي
في قريتنا، لم تكن الأيام مجرد ساعات تمر، بل كانت مغامرات محفورة بين أغصان الحور وشجيرات توت العليق. نهارنا يبدأ بضجيج السباحة في “نهر السفان”، حيث الماء يغسل تعب الركض، وينتهي في الأزقة مع صرخاتنا في ألعاب (جاف فشار توك) و(بيكا ميرا). ولكن، مع ميل الشمس نحو المغيب، كان للقرية وجهٌ آخر.
كان الآباء يتجمعون، يسندون ظهورهم إلى جدار طينيّ، مستغلين ظله المتبقية. كنا نحن الصغار، رغم شقاوتنا، نقترب بحذر لنستمع إلى حكايات البطولات، ونكاتٍ تخرج من بين أدخنة سجائرهم وضحكاتهم.
في ذلك اليوم، وبينما كنتُ أحاول الاستماع الى المجلس مع بقية أطفال جيلي، التفت إليّ المرحوم “محمد علي شوركي”. كان في عينيه بريق دعابة يعرفها الكبار جيداً. ناداني بلقبي المحبب
“كيفك محي يى دلال؟”
أجبته برأسٍ مطأطئ وصوتٍ بالكاد يُسمع من فرط الخجل والهيبة من الكبار واحتراما لهم على الرغم من انني كنت امسك يد ابي ونزور بيته ويدردشون القصص والحكايات وأحيانا كان يطرق بابنا ليلا بعكازته ويجالس ابي وانا استمع أليهم
أنا بخير يا خال.
مدّ يده إلى جيبه وأخرج “ربع ليرة”. كانت تلك الربع في عيوننا حينها تعني شراء اشياء كثيرة من”الدكان”. رفعها أمام عينيّ وقال
تذهب الآن إلى هذه التلة (السيركوه)، المطل على الوادي لكن بشرط
تقف هناك، وتصرخ في وجه الوادي: انا مقابل اثنين منكم لنتعارك.
(ez yek hûn do werne min) سأعطيك هذه الربع ليرة.
تلة “السيركوه”، تلك التلة التي تشكلت من مخلفات الحيوانات بعزل الاكواخ (الابقار والاغنام) عبر السنين، كانت تقع في مكان حساس؛ تحت بيت المرحوم عثمان سينمى، وخلف بيت محمود سعيد وبيني وبينها لا يتجاوز 100 متر وكنا نصطاد العصافير والزرزور بواسطة (خه فك) قي النهار بفصل الشتاء ونتخبئ أحيانا خلف الجدران وأحيانا في بيت التنور (مال تنورك) لنراقب صيدنا ونهجم عليها عندما يأتي صوت الطقة. ومن فوق التلة ينكشف الوادي ببساتينه الصغيرة المحاطة بسياجات من أغصان الحور اليابسة، حيث يزرع اهل القرية البصل والثوم والبطاطا والفول، وتعتمد في شتائها على مياه الأمطار كنا نلعب بدون خوف في النهار على هذه التلة وبل كنا نلعب لعبة غرس العصي فيها (جلكانى) ونخرج بزور التمر المنبوتة وناكلها. أكمل الخال محمد علي شرطه الذي جمد الدماء في عروقي ساد الصمت لثانية. كانت هذه الجملة بالنسبة لنا ليست مجرد كلمات، بل هي “إعلان حرب” على سكان الوادي من الجن الذين نؤمن بأنهم يختبئون خلف الأشجار الكثيفة وفي ظلمات الوديان العميقة. تخيلتُ نفسي واقفاً هناك، والليل يزحف، والوادي الصامت قد يفتح ذراعيه ليخرج منه “الاثنان” المجهولان امامي ويمسكون بي. ليس فقط هذه المقولة فكانت هناك أكثر من مقولات تخيفنا نحن الصغار:
Şev li gund hate Te
Dengê Deva tê
Dasik û werîs hatin te
نظرتُ إلى الربع ليرة التي تلمع بين أصابعه، ثم نظرتُ إلى وجوه الأطفال من جيلي الذين كانوا يراقبون وجهي ابتلعتُ ريقي، وشعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي. رغم إغراء المال، ورغم رغبتي في أن أبدو -شجاعاً أمام هؤلاء رجال القرية واصدقائي، غلبني الخوف فقلتُ بصوتٍ يرتجف
والله يا خال…. ما بسترجي
بعطيك نص ليرة
والله يا خال ما بدي
بعطيك ليرة
والله يا خال ما بسترجي اخاف من الوادي
قلتها وأنا أخشى أن يسمعني الجن فيظنوا أني أتحدث عنهم، وخجلاً من الرجال الذين ضحكوا لتلك البراءة. لم أكن أعلم حينها أن الخال محمد علي لم يكن يريد إخافتي، بل كان يختبر أثر تلك “الحكايات التربوية” التي زرعوها فينا.
لقد نجحوا في جعل الوادي مكاناً مهاباً، ليس كُرهاً فيه، بل خوفاً علينا من أن تبتلعنا الأماكن المظلمة بعيداً عن عيونهم. عدتُ في ذلك المساء دون “الربع ليرة”، لكنني عدتُ بدرسٍ لم أنسه أبداً عن هيبة المكان، وحكمة الكبار التي كانت تحمينا بالخيال قبل الواقع