إعداد: جوان سلو
“حين وصول طلائع القوات الإسلامية سنة 637م إلى نواحي منطقة عفرين الحالية، كانت الأسماء الجغرافية الكردية الحالية هي المتداولة حينها، مثل: سهل جومه، جبل هاوار، جبل ليلون، نهر عفرين، وحتى أسماء بعض القرى مثل قرية (شرقيا) التي عقد فيها اتفاق بين أسقف المدينة وقائد الفرقة العسكرية الإسلامية عياض بن غنم لدخول مدينة سيروس (نبي هوري). هذا إضافة إلى المناطق الشمالية الواقعة غربي نهر الفرات في نواحي ديلوك (عنتاب) وملتيه ومراش (جرجم) وغيرها والتي تعتبر مناطق سكن تاريخية تقليدية للكرد ولاتزال غالبية سكانها من الكرد. كما كان في حلب نفسها وريفها القريب خليط من تجمعات سكانية يونانية وآرامية وميدية (كردية)، وتؤكدها ما ورد في المصادر التاريخية التي تعود إلى تلك العهود، حيث يذكر “تويدورس” أسقف مدينة سيروس (نبي هوري) في الفصل السادس من كتابه (التاريخ الديني- سنة 444 للميلاد) في سياق حديثه عن “مار مارون” الذي كان يقيم على عموده في موقع قلعة سمعان الحالية بأنه معروف لدى: “الفرس والميديين… أيضا”.
هذا ما كتبه الباحث الدكتور محمد عبدو علي في كتابه الكرد في موسوعة حلب المقاربة، بعنوان حلب ومناطقها في بداية الحكم الإسلامي.
* خلال البحث في الكتب والمراجع عما يتعلق بتاريخ وجغرافية منطقة عفرين – جبل الكرد، كثيراً ما كان يصادف هذا الاسم: خيرالدين الأسدي ومؤلفه “موسوعة حلب المقارنة”. فكان لابد من التعرف على تلك الموسوعة التي كانت تتلقى المديح والاهتمام من قبل الباحثين في شؤون حلب ومجتمعها. إذ يقدّم الكاتب الدكتور محمد عبدو علي في كتابه ” الكرد في موسوعة حلب المقارنة” الصادر عن دار ميزوبوتاميا بحثاً تفصيلياً عن كل ما يتعلق بالوجود الكردي في عفرين لغةً وشعباً وأثراً، كان قد قرأه ووجده في موسوعة العلّامة الحلبي محمد خيرالدين الأسدي، الذي كانت له مؤلفات لغوية وأدبية متعددة، ولعلَّ أهمها (موسوعة حلب المقارنة)، حيث حاول الأسدي في موسوعته التحقُقَ من تسميات ومفردات لغوية والبحث عن أصولها وانتمائها القومي، وقد وفِّقَ الأسدي في تحديد الأصول الهوية القومية لكثير من المفردات والمصطلحات اللغوية التي كانت متداولة في الوسط الحلبي، لكنه أيضا التبسَ عليه الأمر في بعض المفردات اللغوية والتسميات، وساقه إلى الوقوع في أخطاء تتعارض مع الأسلوب الأكاديمي، فأنسب مفردات ذات جذور كردية أصيلة إلى اللغة الفارسية أو التركية أو العربية أو الآرامية، كونه لم يكن ملمّاً باللغة الكردية وبعلاقاتها التاريخية مع لغات الشعوب المجاورة.
* لدى تصفح الموسوعة، يفاجأ القارئ بالكمّ الكبير من الكلمات والمعلومات والأمثلة والأحاديث والنوادر والتهكمات وأمور أخرى كثيرة ومتنوعة عن الإنسان والمجتمع الكردي في جبل الكرد- عفرين.
لأجل ذلك بذل الدكتور “محمد عبدو علي” جهداً كبيراً بقراءة الموسوعة المشار إليها بمجلداتها السبع، وأراد أن يصحح الأخطاء التي وقع فيها العلامة خيرالدين الأسدي، وتبيان الهوية اللغوية الصحيحة لتلك المفردات التي أنسبها إلى لغات أخرى دون قصد، في محاولة منه لإزالة بعض الحيف التاريخي الذي لحق ولايزال يلحق باللغة الكردية، وتجاهل عراقة لغة أصيلة وقديمة في الشرق الأدنى، وبيان مدى حيويتها وتأثيرها على الجانب اللغوي للمجتمعات التي جاورتها ومن بينهم سكان حلب، لأن الكثير من المصطلحات الحلبية ذات الأصول غير العربية هي في جذورها إما كردية في لفظها ومعناها، أو أنها مشتقة من اللغة الكردية. عدا عن ذلك، فالكرد هم أقرب إلى مدينة حلب من النواحي الجغرافية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية من الفرس.
* وقد كانت الخطوة الأولى في إنجاز هذا العمل، هي مراجعة المجلدات السبع للموسوعة والبحث عن أي كلمة أو عبارة أو موضوع يخص البحث، واستخراج ما ورد في الموسوعة من كلمات يعتقد أنها إما ذات أصل كردي أو أنها تحتوي جذور لغوية كردية، ومن ثم التحقق من أصولها اللغوية الكردية.
لقد استطاع مؤلف هذا الكتاب إغناء موسوعة الأسدي، وأكسبها الصفة العلمية والمصداقية أكثر فأكثر، ولكي يُجَنِّبَ القراء ولاسيما الباحثون في فقه اللغة أو علم اللسانيات تكرار الأخطاء التي وقع فيها العلامة الأسدي الذي كتب بين صفحات موسوعته نوادر وأمثلة كردية وأيضا تهكمات حلبية قيلت في الشخصية الكردية، وقد أوردتها أيضا مع التعليق عليها كلما احتاج الأمر لذلك.
وبصورة عامة تم تصنيف ما ورد في الموسوعة عن الكرد على النحو التالي:
كلمات كردية صريحة ومتداولة حتى أيامنا هذه.
كلمات ذات جذور وأصول كردية، دُمجت وحُرفت أثناء استعمالها في غير بيئتها الاجتماعية والقومية، كالبيئة الحلبية.
كلمات مشتركة ما بين الكردية والفارسية، وذلك بسبب الأصول الآرية المشتركة للغتين.
كلمات فارسية أو تركية دخلت اللغة الكردية المحكية أيضا وصارت جزءً منها.
أمثال قيلت في الكرد على لسان سكان حلب.
أمثال كردية ذكرها الأسدي دون غيره، وهي غير معروفة حاليا.
حكايات ونوادر لأشخاص كرد سمعها الأسدي أو شاهدها بنفسه أو استنسخت من الذاكرة الحلبية التي تعود لفترات ما قبل القرن العشرين. وأبدى محمد عبدو علي رأيه في ذلك كلما كان ضروريا ومفيدا. وكانت هناك حكايات ونوادر وكلمات لم تكن بحاجة إلى تعليق وشرح أو تفسير بسبب وضوحها من حيث المعنى والأصول، فذكرناها كما وردت في الموسوعة.
* يتحدث الكاتب في بحثٍ تفصيلي عن تاريخ حلب عبر الأحقاب الزمنية القديمة كالإمبراطورية الميدية مرورا بالعهد الإسلامي والحمداني والأيوبي وانتهاءً بالعثماني والحديث، مُذكراً بالوجود الكردي في حلب عبر تلك العصور والعهود، حيث تم تقسيم هذا الكتاب إلى سبع فصول، تناول كل فصل منه مجلداً من الموسوعة، وقد حافظ فيها على تسلسل ورود الكلمة أو المادة الكتابية كما هي في كل مجلد، وكتب بجانبها رقم الصفحة الموجودة فيها في مجلدات الطبعة الأولى للموسوعة. وقد أوردها كما جاءت في الموسوعة لفظاً ونصاً، ولكن ببعض التصرف في أحيانٍ قليلة جدا حينما كانت هناك إطالة غير ضرورية بالنسبة لخصوصية البحث، ثم كتب رأيه في بند مستقل أسفل ما نقل من المصدر مباشرة.
* من هو الأسدي؟
محمد خيرالدين الأسدي: هو العلامة الحلبي محمد خيرالدين الأسدي. ولد في حي الجَّلـّوم العريق في مدينة حلب عام 1900 وتوفي فيها في 29. 1. 1971. وهو يذكر بأن جده السابع كان جنديا عثمانيا إنكشاريا من أوربا.
درس خير الدين الأسدي اللغة والعلوم الدينية لدى كبار رجال الدين والعلم في حلب. ثم عمل بعدها معلما في مدارس حلب، وكانت مهنته هذه تؤمن له الدخل الوحيد في معيشته. وقد فقد أصابع يده اليسرى في شبابه حينما كان يحضر لعمل مسرحي لتلاميذه في المدرسة. وتتألف الموسوعة من سبع مجلدات في 3215 صفحة من الحجم الكبير. بعد وفاة الأسدي، كلف السيد محمد كمال من قبل معهد التراث العلمي بجامعة حلب بتحقيق مخطوطتها وإعدادها للطباعة، وتمت طباعتها في مطبعة جامعة حلب سنة 1987.
* نورد هنا مثالا من الكتاب:
البَازار: من التركية عن الفارسية: بازار: السوق في ممر مسقوف. واسمه في الفهلوية: ڤاچار. وفي الفارسية القديمة: أباچاري. وفي الكردية: باچار.
البازار: الصحيح في الكردية هو: بازار Bazar، ويطلق على ساحة أو موقع البيع والشراء الذي كان يقام في أماكن وأيام محددة وخاصة في المدن. وكان يطلق على مدينة عفرين في بداية تأسيسها في العقد الثالث من القرن العشرين اسم “بازار”، واستمدت ذلك الاسم من سوقها “بازارها ” الاسبوعي الذي كان ولايزال يقام كل يوم أربعاء، وكان ذلك البازار هو النشاط والمَعْلَم الأبرز حينها في موقع مدينة عفرين الحالية، فعرفت المدينة بها. نعتقد أن البازار كلمة كردية قديمة ويعود أصلها القديم إلى ((باژار bajar)) أي: المدينة، وكان البيع والشراء يتم في المدن التي تأسست من حيث المبدأ ومن القدم كمراكز تجارية واقتصادية. ثم استبدل الحرف ((ژ،j)) بالحرف ((ز)) كما هو دراج في الكردية ولهجاتها.
بازرگان: من التركية عن الفارسية: ((بازار )): السوق و (( گان )) : أداة النسبة.
بازرﮔان: Bazirgan في الكردية تعني بدقة: القافلة التجارية في الأسفار البعيدة التي تُحْمَلُ بضائعها على الجمال أو البغال، وهي تتألف من كلمتين “بازار+ ﮔْان: بازار: سوق، وﮔان: مختصر من ﮔْهان Gihan: الوصول أو توصيل الشيء إلى مكان ما، فيكون المعنى كاملاً: الوصول أو توصيل الشيء أو البضاعة إلى السوق (البازار). ولذلك نعتقد أنها كلمة كردية أصيلة. ص56
==========
الكُرد في موسوعة حلب المقارنة للكاتب: د. محمد عبدو علي
دار ميزوبوتاميا للنشر والترجمة
سوريا. القامشلي