ممدوح عبد الستار (روائي وقاص)
تتمحور الفكرة الرئيسية لرواية “تذكرة عودة” – الصادرة حديثاً- للروائي “جوان سلو” حول استكشاف أثر الحرب والصراع على الهوية والذاكرة والإنسان، من خلال التركيز على مدينة كوباني (عين العرب) الكردية في شمال سوريا، والتي عانت ويلات الحرب ضد تنظيم “داعش”. الرواية رحلة في نفوس شخصياتها، وكيف أثرت الحرب على حياتهم، وعلى تصورهم للعالم. فالفكرة الأساسية تتجلى في مفهوم “العودة” كحاجة إنسانية، ليست فقط عودة مادية إلى المكان، بل عودة إلى الذات، إلى الذاكرة، وإلى الجذور المتأصلة في الأرض والتاريخ. هذه العودة تتخذ أشكالاً متعددة، منها عودة “جكرخوين” إلى ذاكرته التي اختلت بسبب صدمة الحرب، وعودة “آفرين” إلى مدينتها كوباني بعد سنوات من النزوح، وعودة “زردشت” إلى طريق حياته الذي يتكرر ما بين قامشلي وكوباني. تتفرع من هذه الفكرة الرئيسية عدة أفكار ثانوية، منها: فكرة الصراع بين الأمل واليأس، وكيف يتمسك الإنسان بالأمل رغم كل المصاعب، كما يتجلى في تصميم آفرين على العودة إلى مدينتها بعد التخرج، وكفاح زردشت اليومي رغم فقدانه لابنه. أيضاً فكرة الذاكرة وأهميتها في تشكيل الهوية، فالشخصيات تحاول استعادة ذكرياتها المفقودة، وتحافظ على ذكريات أحبائها الشهداء، كتراب قبر سيبان الذي تحمله آفرين معها، أو صور الشهداء المعلقة على جدران المدينة. وتبرز فكرة المقاومة والصمود، فالمقاتلون الكرد ليسوا مجرد ضحايا، بل يواجهون الموت بشجاعة، ويحافظون على هويتهم وقيمهم، وتظهر هذه المقاومة في تفاصيل المعارك التي خاضها أبطال الرواية، مثل قصة استشهاد المقاتلة آرين، وتضحية سيامند وغيره من المقاتلين. بالإضافة إلى فكرة أهمية التوثيق، حيث يعمل جكرخوين على تسجيل الانتهاكات والجرائم التي ارتكبت بحق الكرد في روج آفا، وذلك من خلال ذاكرته القوية وأيضاً من خلال قصص الناس الذين يلتقيهم، فتصبح الرواية جزءاً من هذا التوثيق. كما تبرز في الخلفية فكرة النزوح وآثاره المدمرة على حياة الناس، والتي تظهر من خلال معاناة آفرين وعائلتها و”عمشة خودي” الإيزيدية.
اسم الرواية “تذكرة عودة” يحمل في طياته دلالات تتجاوز المعنى الظاهري للكلمات، فهو ليس مجرد إشارة إلى عودة مادية إلى مكان، بل هو رمز إلى رحلة داخلية، تشمل استعادة الهوية، واستجماع الذاكرة. فكلمة “تذكرة” تشير إلى وثيقة تسمح بالمرور، وهي في هذا السياق، ليست مجرد ورقة سفر، بل هي رمز إلى الحاجة الإنسانية إلى الانتماء والعودة. أما كلمة “عودة” فتتجاوز المعنى المادي، فهي تعني العودة إلى الذات، إلى التاريخ، وإلى الهوية التي تشوهت بفعل الحرب والنزوح. فالبطل “جكرخوين” يحاول العودة إلى ذاكرته المفقودة، وإلى ماضيه الذي تشوش بسبب الصدمة. و”آفرين” تسعى للعودة إلى مدينتها، كوباني، وتحقيق حلمها الذي رسمته لنفسها قبل النزوح، فتصبح التذكرة في هذه الحالة هي الطريق الذي يعبر به الشخص من حالة الضياع والتشظي إلى حالة من اكتمال الذات. أما عتبة النص، فتتجلى في الإهداء الذي يسبق بداية الرواية، والذي يشير إلى الهدف من كتابة الرواية: “إلى من يسكنون رواق هذه القصص بذكرياتهم، بأرواحهم، بجراحهم، وبكلماتهم التي تعبق بالوجع، رغم ذلك.. ما يزالون يتمسكون بالأمل.. إلى كل من استشهد ليحيا وطنه أهديكم ملحمة الألم هذه”. هذا الإهداء يضعنا في سياق الرواية، ويشير إلى أنها ليست مجرد عمل أدبي، بل هي ملحمة ألم، وتوثيق لتجارب أشخاص حقيقيين عاشوا ويلات الحرب.
تستند رواية “تذكرة عودة” إلى الفلسفة التي تتناول قضايا الوجود، الهوية، الذاكرة، في سياق الحرب والصراع. فمن الناحية الوجودية، تتساءل الرواية عن معنى الحياة في ظل الموت والدمار، وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إنسانيته وقيمته في عالم يسوده العنف والظلم. فالشخصيات تواجه الموت كل يوم، ولكنها رغم ذلك تتمسك بالحياة، كما في قصة “سيامند” الذي ينجو من الموت مراراً، ولكنه يواصل القتال والدفاع عن أرضه. وتتناول الرواية قضية الهوية الكردية، وكيف تم تهميشها وتشويهها عبر التاريخ، وكيف تحاول الشخصيات الحفاظ عليها وتأكيدها في مواجهة محاولات طمسها. فالرواية تبرز أهمية اللغة والثقافة والتاريخ في تشكيل الهوية الكردية. كما تكشف الرواية مفهوم الذاكرة، وأهميتها في فهم الذات والعالم، فالشخصيات تحاول استعادة ذكرياتها المفقودة، وتتناقل حكايات الماضي، كجزء من محاولتها لفهم الحاضر والمستقبل، فالذاكرة ليست مجرد تجميع لأحداث الماضي، بل هي جزء من هوية الإنسان وتاريخه، وهي التي تحدد من هو وماذا يريد أن يكون. إضافة إلى ذلك، تتناول الرواية فلسفة الزمن، وكيف يمر الوقت بسرعة في ظل الأحداث الكبيرة، وكيف تتداخل الأزمنة مع بعضها البعض، الماضي والحاضر والمستقبل، فقصص الماضي تعود لتسكن الحاضر، وتوجه المستقبل. كما تتطرق الرواية إلى فلسفة المكان، وكيف أن كوباني ليست مجرد مدينة، بل هي رمز للصمود والمقاومة، وكيف يساهم المكان في تشكيل هوية الشخصية. فكوباني بالنسبة لشخصيات الرواية ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي وطن وجذور وتاريخ، وهي المكان الذي يربطهم بالماضي، ويمنحهم المستقبل.
تعتمد رواية “تذكرة عودة” على مجموعة متنوعة من تقنيات السرد التي تجعلها أكثر جاذبية وتأثيراً. أولى هذه التقنيات هي تعدد الأصوات السردية، فالرواية لا تقتصر على صوت واحد، بل تتناوب بين أصوات “جكرخوين” و”آفرين” و”زردشت” وغيرهم من الشخصيات، مما يمنح القارئ رؤية شاملة ومتعددة الأبعاد للأحداث. هذه التقنية تساهم في خلق الواقعية، وتجعل القارئ يشعر وكأنه جزء من الحدث. كما تستخدم الرواية تقنية الاسترجاع الفني (الفلاش باك)، حيث تنتقل الشخصيات إلى الماضي لتستحضر ذكرياتها وتجاربها، وتكشف عن أسباب دوافعها ومواقفها، فالقارئ يتعرف على ماضي “آفرين” من خلال استرجاعها لذكرياتها أثناء النزوح من كوباني، كما يتعرف على ماضي “زردشت” من خلال حديثه عن استشهاد ابنه، وتلك الذكريات المؤلمة. هذه التقنية تساهم في تعميق فهم الشخصيات، وتجعلها أكثر إنسانية وقرباً، كما تسمح هذه التقنية بتداخل الأزمنة وانسيابها في سلاسة، مما يمنح الرواية بُعداً درامياً. ولا نغفل دور الرمزية في الرواية، فالشخصيات والأماكن والأحداث تحمل دلالات رمزية تتجاوز المعنى الظاهري، مثل شجرة الزيتون، والدم، والمطر، واللون الأحمر، كلها رموز تعبر عن معاني في الرواية.
للزمان والمكان دوراً حيوياً في رواية “تذكرة عودة”، فهما ليسا مجرد خلفية للأحداث، بل هما جزء لا يتجزأ من النسيج السردي، ويساهمان في تشكيل تجربة الشخصيات. من الناحية الزمانية، تتنقل الرواية بين أزمنة مختلفة، فهي لا تقتصر على زمن الحاضر، بل تعود إلى الماضي لاستحضار الذكريات والأحداث التي أثرت في حياة الشخصيات، فنجد الرواية تتناول فترة ما قبل هجوم “داعش” على كوباني، وفترة النزوح والمعاناة على الحدود، وفترة المقاومة والتحرير، وصولاً إلى فترة ما بعد التحرير ومحاولات إعادة بناء المدينة. هذا التنقل الزمني يمنح القارئ رؤية شاملة لتطور الأحداث، وكيف تغيرت حياة الشخصيات مع مرور الوقت، كما أن ذلك يساعد في فهم الدوافع التي تحرك الشخصيات وتدفعها إلى اتخاذ قرارات معينة. أما من الناحية المكانية، فكوباني (عين العرب) هي المكان المركزي في الرواية، فهي ليست مجرد مدينة، بل هي رمز للأمل، وهي المكان الذي يربط الشخصيات بتاريخها وهويتها. كما أن الأماكن الأخرى التي تظهر في الرواية، مثل قامشلي والحسكة والقرى المحيطة بكوباني، تلعب دوراً مهماً في سياق الأحداث، فهي أماكن للنزوح والترحال، وفيها تتجسد معاناة الكرد في هذه المنطقة، فالمكان هنا يمثل الوطن والمنفى في آن واحد، فهو مصدر الانتماء والفخر، ولكنه في الوقت نفسه مكان للمعاناة والألم والفقد. وتتداخل الأماكن في الرواية وتتنوع ما بين المدن والقرى والجبال والوديان، والمشافي الميدانية، ومقابر الشهداء، والمخيمات، ومنازل المدنيين المهدمة، كل ذلك يساهم في تكوين صورة متكاملة عن الواقع الذي تعيشه الشخصيات. إن المكان هنا ليس مجرد فضاء جغرافي، بل هو فضاء اجتماعي وثقافي وتاريخي، يحمل في طياته ذكريات وتجارب وتطلعات.
تتسم رواية “تذكرة عودة” بشكل فني متقن ولغة أدبية جميلة. من حيث الشكل، تتكون الرواية من عدة فصول أو مقاطع، وكل فصل يركز على جانب معين من القصة أو على شخصية محددة. هذا التقسيم يسمح للقارئ بفهم الأحداث بشكل متسلسل ومنظم، حيث يحرص الكاتب على إنهاء كل فصل في نقطة محورية تجعل القارئ متلهفاً لمعرفة المزيد. كما تتبع الرواية أسلوب السرد المتناوب، حيث تنتقل من صوت إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، مما يساهم في خلق رؤية شمولية ومتعددة الأبعاد للأحداث. ويستخدم الكاتب اللغة الكردية لإضفاء طابع محلي على الرواية، وإظهار الجانب الثقافي للهوية الكردية، من خلال بعض الكلمات والأسماء التي يستخدمها.
ختاماً، يمكن القول إن رواية “تذكرة عودة” للروائي “جوان سلو”، تطرح تساؤلات جوهرية حول الهوية، الذاكرة، والوجود الإنساني. فالرواية تمثل شهادة حية على تاريخ شعب عانى ويلات الحرب والظلم، كما أنها تؤكد على أهمية تدوين التاريخ وتوثيق الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة. فـ “تذكرة عودة” ليست فقط تذكرة للعودة إلى المكان، بل هي تذكرة للعودة إلى الذات.