الرواية في عصر الذكاء الاصطناعي.. من الأزمة إلى الأفق

جوان سلو

“أخطط لمواصلة الاستفادة من استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة رواياتي، مع السماح لإبداعي بالتعبير عن نفسه على أكمل وجه”
(سي إن إن بالعربية 20 يناير 2024).
هذا ما قالته الكاتبة “ري كودان” الفائزة بجائزة الرواية اليابانية لعام 2024، والبالغة من العمر 33 عاماً، حيث أنها اعترفت بأنها حصلت على مساعدة من مصدر “غير مألوف” أي روبوت المحادثة “شات جي بي تي”.

* رافقت الروايةُ التحولاتِ السياسية والتاريخية والاجتماعية التي عاشتها البشرية، منذ بدايات عصر النهضة، بوصفها سيدة السرد والحكاية الرامية إلى التأمل العميق في الذات الإنسانية، فهي من موقعها السردي في مواجهة مستمرة – “فكرية وجمالية” – لكل ما هو حديث. ففي ظلّ هذه التطورات المتلاحقة، ونخصّ بالذكر هنا تطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي وبرمجياته المتعددة، وتأثير هذه التطبيقات الالكترونية على جمالية اللغة السردية والمدارس الفكرية والصياغات البلاغية، تطفو فكرة مستقبل الرواية، الداعية إلى دراسة هذا العالم الحديث والولوج داخله، والعمل على الاندماج معه، ما برحت الأسئلة تتكاثر شيئاً فشيئاً في مخيلتنا، وتطلب منا أن نطرحها، فهل ننتظر بزوغ الأدب الاصطناعي؟ أيجوز لنا أن نعتبرها روايات أصيلة أم مزيفة؟ أو أنّ فنّيات الكتابة الحديثة أعادت صياغة التذوق الأدبي من جديد؟ وهل بإمكاننا إدراكها وتمييزها؟ وما الذي يتغير في فعل الكتابة حين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من عملية الكتابة الإبداعية؟

* تتزاحم التساؤلات الوجودية في عقول الكتّاب والأدباء والقرّاء على حدّ سواء، بينما يبحث النقّاد عن تفسيرات ونظريات تواكب هذا التقدم الأدبي، وتسدّ الفجوة بين الكتاب والقارئ.
إن ما تحدثت عنه الكاتبة اليابانية عن التشاركية الإبداعية بينها وبين الآلة؛ هو خير مثال على تطور العلاقة بين الإنسان كمحرّك شاعري، وبين الآلة كمحرّك تكنولوجي، مثلها كمثل الانتقال بالكتابة من الورق إلى الآلة الكاتبة، ومن ثم إلى الحاسوب المحمول، انتهاءً بالمساعدة التكنولوجية الخوارزمية في التفكير والإحساس عوضاً عن الإنسان.

* اختبارات الجودة “إيزو الرواية”.

ماذا لو طُلب من عدد من الروائيين أن يسألوا تطبيق الذكاء الاصطناعي سؤالاً بعينه، وبالصياغة الأدبية ذاتها، من على أجهزتهم الخاصة، وفي الوقت نفسه، سؤالاً محدداً، فهل ستكون الإجابات واحدة؟ أم أنها تتميز عن بعضها، وتختلف؟
ربما تكون الإجابات متقاربة أو حتى متشابهة نوعاً ما، إلا أنها ستظهر لنا مدى تغلغل الخوارزمية التكنولوجية في سبر أغوار البشرية، ومدى تعلّق الإنسان الحديث بها، لدرجة أنها تعلم مسبقاً أو ضمناً ما يريده الإنسان السائل، رغم التباين الواضح بين الأسلوبين فليس باستطاعتنا أن ننكر ما قدّمه لنا الذكاء الاصطناعي من أدوات ماتعة تآزر الكاتب وترافقه في تنسيق أفكاره وإعادة صياغة جمله واختيار مفرداته، ومن خلق مقترحات للحبكة السردية، وساعده أيضاً في صياغة نصوص سردية أو شعرية مختلفة. كأن يطلب الكاتب مثلاً من برنامج المحادثة “جي بي تي” كتابة ثلاثة صيغ مختلفة لخاتمة قصة قصيرة، فيقوم التطبيق بالاستجابة لطلب الكاتب، واستخلاص ثلاثة خواتيم مختلفة تمثّل نهايات غير متشابهة للقصة، وما على الكاتب إلا اختيار الأنسب بينها، وإعادة كتابتها بأسلوبه. وهكذا يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى ما يشبه بـ (المساعد الخيالي الداخلي)، إنه أداة لتوسيع الفكرة، لا أن يحلّ محلّ الكاتب في الإبداع.

هذه الاختبارات، بالرغم من مهارتها الفنية، تُواجه بانتقادات عميقة تتعلق بغياب “الأنا الشعوري”، فهذه الأدوات، مهما أتقنت محاكاة الأسلوب الإنساني، تبقى ضعيفة ومقيدة وقاصرة عن التعبير عن مشاعر الإنسان الطبيعية الحقيقية، إذ لا يمكن لها أن تعرف طعم الخذلان، الخوف، الفرح، السعادة، الألم، أو الإحساس بالاغتراب، إلا بوصفها بيانات لغوية، جُمعت من ملايين النصوص السردية والشعرية، أو بما يسمى بـ “السطو الأسلوبي”، فما يُميز الرواية البشرية هو قدرتها على الولوج في وجدان الشخصية، وعلى تمثيل الحالات النفسية والأخلاقية والمعنوية، فهذه الأبعاد لا تزال حكراً على التجربة البشرية فقط، وما تقوم به هذه الأداة الاصطناعية التقنية أنها تنسج سرداً مُتقن الحبكة، لكنها تفتقر إلى ما يمكن تسميته بـ “الإحساس”، ذلك الشعور العاجز عن البرمجة.
لا يُمثل التطبيق خطراً وجودياً على الرواية، بقدر ما هو أداة تدعم الخيال الإبداعي، فانتقلت هذه التطبيقات بفعل هذه الاختبارات من أزمة الثقة إلى أُفق المستقبل، فصارت تدعو إلى تحديث علاقة الأديب بالكتابة، وتدفعه إلى تصوّر مستقبلٍ تُصبح فيه روايته مشروعاً تفاعلياً، حيث يتفاعل فيه الكاتب مع قرّائه عبر منصة ذكية بشكل مباشر، ويعمل على تطوّير النص في الزمن الحقيقي، بناءً على تفاعل حديث. حيث ينتقل القارئ من التلقّي إلى المشارك في بناء النص. فيمكنه اختيار نهاية، أو حذف فصل، أو إعادة ترتيب الأحداث. وهو ما يسمى بـ “القارئ النموذجي عند أمبرتو إيكو، الذي يرى أن النص لا يكتمل إلا بتأويل القارئ”.
حيث يمكن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي أن تكون مُدرّباً للكتّاب الجدد، فتعرض عليهم البدائل، وتناقش معهم السيناريوهات الممكنة. من هنا باتت الحاجة ملحّة لاستخلاص رمزٍ للجودة الأدبية على غرار نمط (إيزو) الدولي لجودة المواد الاستهلاكية، ليتمّ التمييز بين الرواية الأصيلة البشرية، وبين التي تدخّلت أيادٍ إلكترونية في صياغتها من جديد.

* الهوية الأدبية.. من تفرّد الخبرة إلى مجانسة الأسلوب.

يدعو إدوارد سعيد في مقولته “المنفى كشرطٍ للكتابة” إلى أن تتجاوز الرواية بنيتها اللغوية من الأثر المادي إلى النفسي، فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من براعة، لا يعيش المنفى، ولا يستطيع كتابة رواية أصيلة، تراعي الأحاسيس المرافقة للعزلة، ولا يعرف معنى التمزق الداخلي، الذي يجعل من رواية مثل “الطريق” للكاتب “كورماك مكارثي” صرخة وجودية، لا مجرد سرد، وباستطاعتنا تسمية التعاون بين الإنسان والآلة في السرد الأدبي بالاندماج الفني، مثله كمثل أغلب الصناعات الحديثة، لكن هذا الاندماج لا يعني موت الإبداع، بل إعادة تعريفه. فهي الهوية الحقيقية التي يجب على الكاتب في نهاية الأمر إلى البحث عنها بنفسه، واستكشاف كينونتها الأدبية، وكما يقول ميلان كونديرا: “الرواية هي فن اكتشاف ما لا يمكن قوله بغيرها”، والذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على رفد الكثير من الأفكار، لا يعرف ما يجب أن يُقال، لأنه لا يهدد الأدب، إنما يضعه أمام مرآة جديدة، هذه المرآة قد تكشف هشاشة المشاعر البشرية، أمام الأزمات.

* فنّ تشكيل الرواية الحديثة، وجماليات السرد الأدبي…

الرواية كائن حية، تعيش مع الكاتب وتموت في آخر كلمة منها، لكنها تعود للحياة حين يحملها القارئ بيديه، ويقرأها بعينيه، فهي روايات “حية” تتشكّل كفنّ جمالي، وتتطور مع تفاعل القارئ، وانطلاقاً من الاندماج الذي طرأ بين مخيلة الكاتب الإنسان وبين حداثة الذكاء الاصطناعي؛ خرجت أعمال أدبية حداثية، وما بعد الحداثة، حيث نستطيع أن ندعوها بأعمال هجينة مستقبلية، تجمع بين ذاكرة الآلة وحدس الإنسان. لكنّ التحدي الأكبر سيبقى في الحفاظ على “الجرح الوجداني” الذي يمنح الرواية عمقها وإحساسها بالمآسي. كما كتبت الروائية المصرية هويدا صالح: “الذكاء الاصطناعي قوة تحويلية تعيد تعريف الإبداع والسرد والمعنى” رغم ذلك تظل الرواية فناً لمقاومة الزمان، النسيان، اليقين، وحتى مقاومة برودة الآلة. حيث أنها تتغيّر وتتلون وتظهر بلغات جديدة، لكن جوهرها سيظلّ ذلك الصوت البشري الذي يخصّ الروح لا الفكر، لتظلّ الكتابة في عمقها ذلك الفعل العصي على البرمجة، ذلك التمرد الإنساني الذي يحوّل الفوضى الشعورية والذاكرة الجمعية والجرح الإنساني إلى لوحة من كلمات منثورة على صفحات تاريخ الإنسان المعاصر، كقصةٍ مروية، تروي تجارب بشرية متوالية.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليس من السهل أن يسأل الكاتبُ: إلى أين أنتمي؟. السؤالُ في الظاهر بسيطٌ، لكنَّه حين يخرج من فم كاتب أفريقي عاشَ الاستعمارَ، وورث لغته، وغادرَ بلدَه، ثم وجد نفسه يكتب من فضاء آخَر، يتحوَّل إلى سؤال ثقيل، يكاد يكون سؤالًا عن الحق في أن يكون الإنسانُ نَفْسَه.

الكاتبُ…

نصر محمد
ألمانيا – هيرنه / 2026

لم أكن ناقداً يوماً ، كنت قارئاً فقط . قارئاً كسولاً كما أصف نفسي دائماً ، يبحث في مكتبته في هيرنه عن كتاب ينسيه الحنين إلى عامودا ، فيصادف ديواناً أهداه له صديق بخط يده : ” إلى صاحب الشعور المسؤول الممتلئ محبة وإنسانية “.

هكذا بدأت هذه القراءات . لم…

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست الزنوجة كلمةً بريئة تمامًا. وراء هذه الكلمة تاريخٌ طويل مِن الإذلال، والاستعمار، والاقتلاع، وتجارة البشر، وتحويل الإنسان الأسود إلى جسدٍ يُباع ويُشترَى، ولونٍ يُختزَل فيه العقلُ والثقافة والوجود. لذلك حين ظهرت الزنوجة في الأدب الأفريقي والكاريبي لم تكن مُجرَّد اتجاه شِعري أو نزعة جمالية تبحث عن إيقاع…

بَهْزَادُ عَبْدُ البَاقِي عَجْمُو
القصيدةُ الثانيةُ المُهداةُ إلى البارزانيِّ الخالدِ

أَشْهَدُ أَنَّكَ لِلْكُورْدِ زَعِيمٌ،
وَبِاسْمِكَ نَفْخَرُ مَا دَامَ فِي الصَّدْرِ قَلْبٌ يَخْفِقُ وَيَفْتَخِرْ،
فَلَسْتُ أَدْرِي: أَأَنْتَ كُورْدِسْتَانُ،
أَمْ أَنَّ كُورْدِسْتَانَ فِي مَجْدِهَا بِاسْمِكَ تَزْدَهِرْ؟

يَا أُسْطُورَةً لَنْ تَتَكَرَّرْ،
يَا رَايَةً فَوْقَ الجِبَالِ تَرْفَعُهَا أَيَادِينَا يَوْمَ النَّصْرْ،
يَا صَوْتَ شَعْبٍ لَمْ يَبِعْ حُرِّيَّتَهُ،
وَلَمْ يَنْحَنِ لِلرِّيحِ، وَلَمْ يَخْشَ مِنْ عَاصِفَةٍ أَوْ خَطَرْ.

يَا سِمْفُونِيَّةَ وَطَنٍ،
تُصْغِي لِأَلْحَانِهَا…