بَهْزَادُ عَبْدُ البَاقِي عَجْمُو
القصيدةُ الثانيةُ المُهداةُ إلى البارزانيِّ الخالدِ
أَشْهَدُ أَنَّكَ لِلْكُورْدِ زَعِيمٌ،
وَبِاسْمِكَ نَفْخَرُ مَا دَامَ فِي الصَّدْرِ قَلْبٌ يَخْفِقُ وَيَفْتَخِرْ،
فَلَسْتُ أَدْرِي: أَأَنْتَ كُورْدِسْتَانُ،
أَمْ أَنَّ كُورْدِسْتَانَ فِي مَجْدِهَا بِاسْمِكَ تَزْدَهِرْ؟
يَا أُسْطُورَةً لَنْ تَتَكَرَّرْ،
يَا رَايَةً فَوْقَ الجِبَالِ تَرْفَعُهَا أَيَادِينَا يَوْمَ النَّصْرْ،
يَا صَوْتَ شَعْبٍ لَمْ يَبِعْ حُرِّيَّتَهُ،
وَلَمْ يَنْحَنِ لِلرِّيحِ، وَلَمْ يَخْشَ مِنْ عَاصِفَةٍ أَوْ خَطَرْ.
يَا سِمْفُونِيَّةَ وَطَنٍ،
تُصْغِي لِأَلْحَانِهَا قُلُوبُ الأَحْرَارْ،
وَيَا أُنْشُودَةَ البَلَابِلِ فِي سَمَاءِ كُورْدِسْتَانَ،
إِذَا أَمْطَرَتْ سَمَاؤُهَا، وَأَخْضَرَّ فِيهَا الشَّجَرْ.
وَيَا مَنَارَةَ حُبٍّ فِي مِينَاءِ الوَطَنِ،
تَهْتَدِي بِنُورِهَا السُّفُنُ إِذَا ضَلَّتْ فِي البَحْرْ،
أَرَى فِي وَجْهِكَ شُرُوقَ الشَّمْسِ
بَعْدَ لَيْلٍ طَالَ، وَبَعْدَ عَتْمَةٍ وَقَهْرْ.
وَأَرَى فِي عَيْنَيْكَ شُعَاعَ الأَمَلِ،
لِفَارِسٍ عَادَ مِنْ مَعْرَكَةِ الأَيَّامِ مُنْتَصِرْ،
وَكُنْتَ تُجَابِهُ العَوَاصِفَ بِالحِكْمَةِ،
وَبِعَقْلٍ مُسْتَنِيرٍ لَا يَخْشَى الرِّيحَ إِذَا عَصَفَتْ، وَلَا يَهَابُ الخَطَرْ.
غَرَسْتَ فِي تُرْبَةِ الوَطَنِ شَجَرَةَ الأَمَلِ،
وَسَقَيْتَهَا مِنْ دَمِكَ الطَّاهِرِ حَتَّى أَثْمَرَتْ،
وَهَا هِيَ اليَوْمَ تَمْتَدُّ جُذُورُهَا،
وَفِي كُلِّ غُصْنٍ مِنْهَا لِلأَجْيَالِ ثَمَرْ.
كُلَّمَا جَاءَ آذَارُ،
يَزْهَرُ حُبُّكَ فِي قُلُوبِنَا كَزَهْرِ الرَّبِيعِ،
وَتَسْتَيْقِظُ الذِّكْرَى،
فَيَرْجِعُ اسْمُكَ فِي شَوَارِعِنَا نَبْضًا، وَفِي جِبَالِنَا صَدًى، وَفِي أَرْوَاحِنَا فَخْرْ.
وَحْدَكَ مَنْ جَعَلَنِي أَعْبُرُ بَوَّابَةَ الشِّعْرِ،
وَأَحْمِلُ القَلَمَ لِأَقُولَ مَا فِي القَلْبِ مِنْ أَلَمْ،
فَنَحْنُ لَا نَكْتُبُ الشِّعْرَ مِنْ تَرَفٍ،
وَلَكِنْ نَكْتُبُهُ حِينَ يَضِيقُ بِنَا الصَّدْرُ، وَيَعْجِزُ عَنِ الكَلَامِ الفَمْ.
نُخْرِجُ أَوْجَاعَنَا مِنْ أَعْمَاقِ القُلُوبِ،
وَنَضَعُهَا فَوْقَ السُّطُورِ حُرُوفًا مِنْ نَارٍ وَدَمْعْ،
فَتُولَدُ الأَفْكَارُ مِنْ رَحِمِ المَآسِي،
وَيَخْرُجُ مِنْ رَمَادِ الحُزْنِ شِعْرٌ لَا يَمُوتُ وَلَا يَنْدَثِرْ.
أَقْلَامُنَا تُوَاسِينَا،
وَمِدَادُهَا دَمُ القَلْبِ، وَدَمْعُ العَيْنِ، وَذَاكِرَةُ السِّنِينْ،
وَكُلُّ حَرْفٍ نَكْتُبُهُ يَحْمِلُ قِصَّةَ شَعْبٍ،
وَحُلْمَ أُمَّةٍ، وَأَرْضًا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَعِيشَ حُرَّةً إِلَى يَوْمِ الدِّينْ.
وَمَا الحَيَاةُ إِلَّا مَوَاقِفُ وَتَحَدٍّ وَإِصْرَارْ،
وَمَا الحُرِّيَّةُ إِلَّا حُلْمٌ يُرَوَّى بِالصَّبْرِ وَالِانْتِظَارْ،
وَمَا الرِّجَالُ إِلَّا مَنْ يَتْرُكُونَ بَعْدَ رَحِيلِهِمْ أَثَرًا،
يَبْقَى فِي الأَرْضِ ذِكْرًا، وَفِي القُلُوبِ نُورًا، وَفِي التَّارِيخِ فَخْرًا.
فَسَلَامٌ عَلَيْكَ يَا بَارَزَانِيُّ،
يَا ابْنَ الجِبَالِ، وَيَا صَوْتَ كُورْدِسْتَانَ الحُرِّ،
سَلَامٌ عَلَيْكَ يَوْمَ وُلِدْتَ،
وَيَوْمَ رَحَلْتَ، وَيَوْمَ يَبْقَى اسْمُكَ فِي ذَاكِرَةِ الشَّعْبِ لَا يَنْدَثِرْ.
سَتَبْقَى فِي قُلُوبِنَا رَايَةً لَا تَنْحَنِي،
وَفِي جِبَالِنَا صَوْتًا لَا يَخْمُدُ وَلَا يَنْكَسِرْ،
وَسَيَبْقَى اسْمُكَ، مَا بَقِيَتْ كُورْدِسْتَانُ،
نُورًا فِي دُرُوبِهَا، وَحُلْمًا فِي صُدُورِ أَبْنَائِهَا،
وَذِكْرَى رَجُلٍ لَا يَمُوتُ مَنْ يَحْيَا فِي قَلْبِ شَعْبِهِ وَيَفْتَخِرْ