نصر محمد / ألمانيا
في مساءٍ كان للكلمة فيه موعد مع القلب ، وللوطن البعيد حضورٌ لا يغيب ، احتضنت قاعة جمعية آسو – Komela ASO li Herne في مدينة هيرنه الألمانية أمسيةً أدبية وفنية استثنائية ، التأمت فيها القلوب قبل الكراسي . لم تكن أمسية عابرة ، بل كانت لقاءً للذاكرة بالجغرافيا ، حيث اجتمع نخبة من الشعراء والأدباء والفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي والسياسي، على محبة الكلمة الصادقة.
وما ميّز هذه الليلة وأضفى عليها دفئاً خاصاً ، أنها كانت بنكهة عامودية خالصة ، فالمتحدثون الثلاثة على المنصة ، أبناء مدينة واحدة ، مدينة الحب والشعر ، اجتمعوا في المهجر ليقولوا إن عامودا لا تُنسى ، وإنها تسافر معنا أينما ذهبنا .
أدار الأمسية بلباقة وحضور جميل الصديق * أرمانج *، الذي نسج خيوط اللقاء بحرفية العارف بقيمة الكلمة .
في مجريات الأمسية :
أولاً : حليم يوسف.. سخرية المنفى ومرآة الأوسلندر
افتُتحت الأمسية بالاحتفاء بالروائي الكردي الكبير حليم يوسف . قدّم عريف الأمسية نبذة وافية عن مسيرته الأدبية الثرية ومؤلفاته التي حفرت عميقاً في ذاكرة الرواية الكردية والسورية .
ثم اعتلى الأستاذ حليم المنصة ، وبأسلوبه الساخر المحبب ، أخذنا في رحلة من الضحك الممزوج بالوجع ، حيث قرأ علينا ثلاث قصص قصيرة ساخرة وفكاهية من مجموعته اللافتة ” أوسلندر بك “. كانت قصصاً تضحكك من المفارقة ، وتبكيك من حقيقتها ، لخصت ببراعة معاناة الغريب ودهشة الاندماج بلغة ساخرة لا يتقنها إلا حليم يوسف .
ثانياً : نصر محمد.. قصيدة تبحث عن وطن
بعد ذلك ، انتقل الميكروفون ليقدم الكاتب والشاعر *نصر محمد *، حيث قدم المقدم سيرة موجزة عن تجربته الشعرية ومؤلفاته .
وما أن بدأتُ حديثي ، حتى وجدت الكلمات تسبقني . بعد كلمة ” مساء الخير ” وترحيب حار بالحضور الكريم وشكر عميق لجمعية آسو التي فتحت قلبها قبل قاعتها لهذا اللقاء ، استأذنتُ القصيدة لتتكلم :
كم كنت أتمنى
أن يكون لي وطن
لأجلس على قارعة طريقه
وأرتاح من تعب التسكع
وأبحث عن زاوية
بحجم القصيدة
تضم تفاصيل خوفنا
كانت تلك البوابة التي دخلت منها إلى قلوب الحاضرين . بعدها توالت القصائد ، قصيدة للأم ، تلك الجنة التي نحملها في الغربة ، وقصائد لعامودا ، المدينة التي لا تشيخ في قلوبنا ، وقصيدة لجارتي الألمانية ، تلك الإنسانية التي وجدناها هنا في بلاد الاغتراب ، لتكون جسراً بين ثقافتين ، إضافة إلى باقة أخرى من القصائد التي لامست وجدان الحضور .
ثالثاً : سمير سفوك.. عندما غنّت عامودا بلغتين
ليأتي بعد ذلك دور الروح ، دور الموسيقى . اعتلى الفنان والموسيقي المبدع سمير سفوك خشبة المسرح ، حاملاً عوده ، فحملنا معه . أطربنا بأجمل ما عنده ، بأغانٍ من صميم وجدان عامودا ، صدحت باللغتين *الكردية والعربية* ، فتمايلت القلوب على إيقاعها . كان صوته وعوده يرويان حكاية المدينة ، حكاية الحب والأرض والانتظار .
الختام : توقيع ” سيرة عابر ألغام “
وفي ختام الأمسية ، قدم نصر محمد قراءة انطباعية في رواية سيرة عابر ألغام ، ليعود الروائي حليم يوسف إلى المنصة ليحدثنا عن جديده ، عن روايته التي أثارت الكثير من الجدل والاهتمام ” سيرة عابر ألغام “. تحدث عنها باللغتين الكردية والعربية ، كاشفاً بعضاً من كواليس كتابتها ، ورحلتها بين حقول الألغام الجغرافية والنفسية . ثم اختتمت الليلة بلحظة وفاء جميلة ، حيث قام بتوقيع روايته للحضور ، والتقطت الصور التذكارية التي ستبقى شاهدة على ليلة عامودية بامتياز .
انتهت الأمسية ، لكن أثرها لم ينتهِ . خرجنا من قاعة جمعية آسو ونحن أكثر يقيناً بأن الثقافة هي وطننا البديل حين تضيق الأوطان ، وأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تجمع ما فرقته السياسة والجغرافيا .
شكراً لجمعية آسو في هيرنه على هذا التنظيم الراقي ، شكراً لكل من حضر وشارك وأصغى بقلبه ، وشكراً لعامودا التي جمعتنا مرة أخرى ، هناك في هيرنه ، لتقول لنا : أنا معكم ، أينما كنتم .






