نصر محمد / المانيا
هذه هي المرة الأولى التي أتصفح فيها ديوان الصديق الشاعر حفيظ عبد الرحمن، ومن سوء حظي أن الصدف لم تسعفني للحصول عليه من قبل. وقد أهداني هذه الفرصة الصديق الشاعر والروائي إبراهيم يوسف في آخر زيارة لي له للاطمئنان على صحته في منزله بمدينة إيسن الألمانية.
ديوان “خلاخيل الكلام” صدر عن ” دار الزمان للطباعة والنشر بدمشق ” ، ترجمه عن الكردية خورشيد عليوي، ويحوي بين دفتيه سبعة وأربعين نصاً على امتداد مائة وتسع وثلاثين صفحة من القطع المتوسط. سعدت جداً بقراءتها، وكانت لي هذه القراءة المتواضعة.
أولاً : لمحة عن الشاعر
قبل أن أدخل عالم القراءة من بابه الكبير ، لا بد أن أتقدم للقارئ بلمحة عن الشاعر .
حفيظ عبد الرحمن ، تولد 1965 قرية باشورية التابعة للحسكة ، كاتب وشاعر وناشط في مجال حقوق الإنسان .
اهتم باللغة والثقافة الكرديتين منذ الصغر .
في عام 1986 انضم إلى هيئة تحرير مجلة “ستير” الكردية التي أسسها الأساتذة روز أوسي ، زاغروس حاجو ، عبد الصمد داوود ، سيامند إبراهيم وعبد السلام داري ورشيد حسو ، بتمويل شخصي وبآلية مستقلة.
أصدر مع الأستاذين عبد السلام داري وخالد جميل كتابين لتعليم اللغة الكردية هما : Keskesor مع كاسيت صوتي مساعد ، و Pirtûka min .
كانت له ثلاث أعمال كتابية جاهزة للطباعة وهي : مجموعة شعرية بعنوان Kenê Ko, Giriyê bêhêl (ضحك أثلم، بكاء حيادي) ، وترجمة مختارات من أعمال جبران خليل جبران من العربية إلى الكردية ، وترجمة بحث تاريخي بعنوان “نوروز بين الأسطورة والحقيقة العلمية” من الكردية إلى العربية .
لكن مع الأسف الشديد ، تمت مصادرتها من ضمن كل موجودات مكتبته الشخصية في المنزل من قبل أجهزة المخابرات السورية ، حين اعتقاله في عام 2010.
نظّم العشرات من دورات تعليم اللغة الكردية وقواعدها منذ العام 1987 وإلى الآن في كل من قامشلو، الحسكة ، حلب ، ومدينة إيسن الألمانية .
يعمل منذ العام 2004 في منظمة حقوق الإنسان في سوريا – ماف ، وهو عضو شبكة المدربين في مجال حقوق الإنسان في العالم العربي ، نفذ العديد من الورش التدريبية في الأردن ، حلب ، قامشلو ، تركيا . وعضو في شبكة مراقبة الانتخابات في العالم العربي ، شارك في مراقبة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في إقليم كردستان العراق عام 2009 . وعضو مجلس أمناء منظمة حقوق الإنسان في سوريا – ماف ، وعضو مكتب تنفيذي في الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكرد في سوريا .
حاولت من خلال هذين النصين اللذين سأوردهما من الديوان أن أقدم نموذجاً متقدماً من الشعر الحديث ومن روح الديوان :
نص “خلاخيل الفضة” صفحة 28 ، ونص “بحيرة الأماني” صفحة 45 .
ثانياً : قراءة في نص “خلاخيل الفضة”
ليست قصيدة عن حليّ ، هذه قصيدة عن جسدٍ يتحول إلى كون .
قراءتك لها كـ “خلاخيل” فقط تظلمها . الخلخال هنا ليس إكسسواراً ، هو الراوي ، هو البطل ، هو العين التي ترى .
1. البنية : طقسٌ تكراري
القصيدة مبنية على اللازمة “خلاخيل الفضة”. تكرارها ليس زخرفة ، هو قرعٌ بحد ذاته . الشاعر يجعلك تسمع الخلخال وأنت تقرأ . كل مقطع يبدأ بها كأنها دقة ناقوس جديد تفتح مشهداً . الرحلة الزمنية للقصيدة واضحة ، وهي رحلة ليلة عشق كاملة : تبدأ ساخنة متسلقة ، وتنتهي مرهقة متخدرة تغفو . هذا قوس درامي متكامل ، من أول توتر إلى الاسترخاء الأخير .
2. الصورة الشعرية : المقدس والجسدي
جمال النص المترجم أنه لا يفصل بين المقدس والشهواني ، وهذه سمة كردية جبلية أصيلة .
• المقدس : “نواقيس دير جبلي / تلتمع بصلاة العشق” . حول الرغبة إلى صلاة ، والكاحل إلى معبد .
• الأسطوري : “عربات عشاق سومريين / في بلاد ما بين النفسين” . تحريف ذكي جداً لـ “بلاد ما بين النهرين”. حول الجغرافيا إلى تشريح للحظة الشهوة.
• الجبلي الكردي : “صدى قطعان الأغنام / في دروب مصايف جبل سيبان”. سيبان ليس جبلاً عابراً ، هو جبل أسطوري في كردستان . هنا يربط صوت الخلخال بصوت الطبيعة الأم .
• الجسدية : “على عرش زبد الحليب / فوق عمود العاج الثلجي”. استعارة حسية عالية. اللون الأبيض المهيمن – حليب ، ثلج ، عاج ، حرير – يجعل الفضة تلمع أكثر
3. اللغة الحسية : قصيدة تُسمع وتُشم
الشاعر لا يكتب للعين فقط : السمع ( تتراكض ، تقهقه ، تقرع ، تزغرد ) ، والشم واللمس في النهاية يحدث التحول الأجمل . بعد كل هذا الطيران ، تتعب الخلاخيل وتتخدر بـ “مسك عرق الكاحل”. هنا يبلغ النص غاية الإيروتيكية دون ابتذال . الضمير مهم : الخلاخيل مؤنثة وتتصرف كامرأة ثانية ، هي التي “تفقد رشدها / تفقد وعيها”. توحّد تام بين الحلي والجسد .
#وعبارة “لتفتح أزرار الرغبة” في “زهر موجات الفستان الرقيق” صورة سينمائية مدهشة. الخلخال في الكاحل يفتح أزراراً في مكان آخر تماماً .
باختصار ، هذه قصيدة عن النشوة كفعل تحرر . الخلخال ، وهو رمز قديم للقيد والحشمة، يتحول هنا إلى رمز للتمرد .
ثالثاً: قراءة في نص “بحيرة الأماني”
هذه قصيدة أخرى تماماً . إن كانت خلاخيل الفضة قصيدة الضجيج والركض والقهقهة ، فـ بحيرة الأماني قصيدة السكون والخوف من أن ينكسر السكون . الأولى تصرخ ، الثانية تهمس وتقول : إياك أن تحرك الماء .
1. البحيرة ليست مكاناً، هي جسد
من أول سطر يضعك الشاعر في خدعة بصرية : “حرير البحيرة الفضي” . القصيدة كلها مبنية على تطابق كامل بين الطبيعة والمرأة : البحيرة = جسد المرأة مستلقٍ ، وادي الأمنيات المقدس = المسافة بين العنق والخصر ، النيلوفر الوردي = الجسد الأنثوي في وسط الماء، شفاه الرمل الذهبي = ملتقى الماء بالجسد . لهذا سماها مملكة لـ “إوزات القُبل” .
2. مركز القصيدة : الارتعاشة الأولى
ذروة الجمال في المقطع الوسطي : “شيئاً فشيئاً / تداعب رعشات الماء خصر النيلوفر الوردي” . لاحظ التدرج الحسي البطيء . كلمة “شيئاً فشيئاً” هي كلمة مفتاحية . هذا هو وصف دقيق جداً للحظة المداعبة الأولى ، حين لمسة صغيرة تربك الجسد كله .
3. #الغناء كذاكرة ثالثة
وهنا تنقلب القصيدة من مشهد طبيعي إلى مشهد ثقافي : “من الجهة القصية / من غابة الذكريات / يتردد صدى أنامل محمد عارف جزراوي / في مروج شعر عيشانا علي” . لأن البحيرة ساكنة لدرجة أنك تسمع فيها أغاني قديمة . فجأة أصبح المشهد طبقتين : امرأة حقيقية أمامك ، وأغنية حب قديمة تأتي من الغابة خلفها .
4. ياريمان : حارس الحلم
القفلة هي عبقرية القصيدة كلها : “يا أيها السمك ذو الحراشف الزرقاء، ياريمان / إياك أن تحرك الماء، ياريمان”. من هو السمك ؟ هو أي حركة طائشة ، أي واقع قاسٍ ، أي يد ثالثة يمكن أن توقظ الحلم . وتكرار “ياريمان” – آه أيها الحبيب – أربع مرات ليس مجرد لازمة غنائية ، هو توسل حقيقي .
في قصيدة الخلاخيل كان يتمنى أن تفقد الخلاخيل وعيها ، هنا يتمنى العكس تماماً : أن لا يستيقظ الحلم من نومه الناعم .
الخاتمة : سر العنوان
والآن اكتملت الصورة. “خلاخيل الكلام” – يا له من عنوان يكشف كل شيء.
لم يسمه الشاعر “خلاخيل الفضة” ولا “بحيرة الأماني”. سماه خلاخيل الكلام . يعني أن الكلمة نفسها هي الخلخال .
وهذا يفسر لماذا القصيدتان هما قصيدة واحدة بوجهين . الخلخال في الثقافة الكردية والعربية له وظيفتان متناقضتان : يقيّد بصوته الذي يفضح مكان المرأة ، ويحرر برقصته التي تعلن الفرح والرغبة . الشاعر يقول : إن كلامه يفعل نفس الشيء . كلامه ليس حبراً على ورق ، كلامه له صوت معدني ، له رنين ، يمشي ويتراكض ويقهقه ويغفو مبللاً بعرق الكاحل .
الديوان كجسد واحد، فصلان من طقس حب واحد :
في “خلاخيل الفضة” : الكلام يرقص.
الأفعال حركية : تتسلق ، تهبط، تتراكض ، تقهقه، تطير ، تزغرد .
في “بحيرة الأماني” : الكلام يتأمل انعكاسه . الأفعال بطيئة وخائفة : تداعب ، تربك ، ترسم ، يتردد الصدى ، إياك أن تحرك .
الأولى عن لحظة الذروة والامتلاك ، الثانية عن الخوف من فقدان ما تحقق . بينهما يكتمل الحب . وهذا هو “وادي الأمنيات المقدس” و “بلاد ما بين النفسين” – هو نفس المكان .
لاحظ أن القصيدتين وباقي قصائد الديوان مترجمة من الكردية . وهذا مهم جداً لفهم العنوان . في الكردية ، لغة الجبل ، الكلمة لها جرس قوي
. وعندما تترجم إلى العربية ، لغة الصحراء والبحر ، تفقد بعض الجرس وتكسب صورة أخرى . الشاعر كأنه يلبس كلامه خلخالين : واحد كردي يقرع فرحاً لا يسكت ، وواحد عربي يهمس في أزقة الفستان الشفيف .
#كما أشار الدكتور خالد حسين في كلمته على الغلاف الخلفي – وقد أحسن الوصف – فإن قوة الترجمة تكمن في هذه الفجوة بين اللغتين .
وقد نجح المترجم خورشيد عليوي بجهد جم في أن يمرر النص الكردي XIRXALÊ PEYVAN بتوقيع الشاعر حفيظ عبد الرحمن إلى تضاريس عربية جديدة ، لينحت له من ثم نافذة جديدة بعنوان “خلاخيل الكلام”.