العزيز المحامي عثمان عثمان، عشت حباً ورحلت حباً

إبراهيم محمود

لَمن يمكنه التصديق فقط، أقول، لم أسمع برحيل الأستاذ المحامي عثمان عثمان، إلا لحظة تصفحي حيثيات أربعينيته في قامشلو ” 31-7/ 2026 “، وبسبب أموري الصحية وظروفي الخاصة هنا.  لا اعتراض على رحيله، ومن يمكنه إيقاف الزمن الخاص بعمره، وإقصاء الموت عنه؟ إنما لأنني وجدتني، تقديراً للحظة عمرية امتدت لبعض سنين، ولو لقاءات متقطعة، ولكنها كانت دالة على ود، على تقدير، والأهم على وسامة روح في محيّا وجه، إزاء من عرفتُه وهو يأتي على ذكره، وانفتاحه على المحيطين به كرداً وغير كرد.

ولأنني أشرت إلى هذه النقطة، وفيها شهادة لا أظنها تُردُّ، فعليَّ أن أفصّل فيها قليلاً، باعتبارها تعنيني، فهي من خلالي تحديداً، وليس أياً كان، يمكن التذكير بها.

لقد أوردتها في كتابي عن الراحل الدكتور قاسم مقداد جميل باشا المتوفى في ” 13- 10/ 1992 “، وفي القسم المتعلق بالذين كانوا مقرّبين منه، وكان ” أبو أحمد ” أي طيب الذكْر عثمان عثمان في عِداد هؤلاء، وربما من بين الأكثر تقرباً إليه ” صص 170-176 “. ربما كان، ومن خلال حديثه عنه، أشبه بأمين سره أو كاتمه، ويعنى به، ويلتقيه باستمرار، وقيامه بواجبه على أكمل وجه، في أيام العزاء، إلى جانب آخرين، وبسيارته، وهو يستقبل المعزّين من مكونات مختلفة، إظهاراً لهذا الحب، وتعزيزاً لعلاقته، يفصح عن ذلك، وحتى في اربعينيته ” في مدينة الشباب “.

لقد قال الكثير، والمعبّر عن أن الذي كان يشير إليه، مصادَق عليه واقعاً، وما كنت أتلمسه في مكتب عمله باعتباره محامياً، ويتعامل مع مراجعيه بالسوية نفسها من الترحاب والتقدير، يؤكد ما سطَّرتُه حتى الآن.

مما يستحق التذكير، وبوصف ذلك تاريخاً لهذا النوع من المودة دون مقابل، والثقافة الاجتماعية والإنسانية المؤهّلة لممارسة مثل هذه العلاقات، وتجسيدها في قوله وفعله، هو ما أشار إليه في علاقته بالمرحوم الدكتور قاسم، من ذلك، جانب التفاني في سلوك الدكتور ، وروحه المرحة والمضيافة، كما في إنقاذه لشاعرنا الكردي الكبير الراحل جكرخوين” في أكلة برغل، كما ورد في قوله “، وهو حمو ” أبو أحمد “، قبل وفاته، ودون أي تردد، وما يخص صفة الدعابة في الراحل جكرخوين وقوله: يا لها من مفارقة، وقد كنت أهجو البكوات والآغوات وأمثالهم، وها هو أحدهم ينقذني؟ ليردّ عليه الدكتور قاسم ممازحاً: ماذا سيقول عنا الآخرون، ونحن نترك شاعر الكرد الكبير دون معالجة ؟

إشارات أخرى تخصه في علاقته هذه بالراحل قاسم.. لا مجال لإيرادها مفصّلة، فالعبرة في الإشارة ومحتواها، ولتكون الإشارة هذه، محوّلة وهي تسمّي في روح الراحل ” أبو أحمد ” طيبته وبساطته .

أعني بذلك، أن الراحل الدكتور قاسم، ما كان يصادق إلا من يفهمه، ويتفهمه في ثقافته، ورحابة علاقاته مع الآخرين. وما يجدر التذكير به كذلك، أنه لولا الراحل ” أبو أحمد ” لما أبصر كتابي عن الدكتور النور ” سنة 1994 “، وقد تأخر لبعض الوقت. وهذا وفاء آخر له.

ربما تكلمنا معاً  في مناسبات خاصة،حين حل في السويد، وأنا حللت في إقليم كردستان، وإلى الآن. ولتمارس المستجدات تأثيرها في كل منا، هو وأنا، وغيرنا، وما يخص قسوة الظروف، وأمور الحياة وسريان فعلها المختلف، تبعاً لنوعية العلاقة، والعمل، وأمور أخرى، ولا أكثر منها زماناً ومكاناً.

اعتذاري إلى روحك أبو أحمد، لأنني سمعت بنبأ رحيلك متأخراً، وليس لي أن أقول لروحك سوى : إقامة سعيدة في عالمك الآخر، وفي ذاكرة محبيك كما تستحق، وعزائي لعائلتك وأفراد عائلتك وأهلك وأحبّتك، وأنا أقول: باسم حب كان، كتبت هذه الكلمات، من محب تعدّى حدود المكان والزمان، وباسم حب، أعزّي أهل بيتك القريبين منك والبعيدين عنك، ومن شيَّعوك إلى مثواك الأخير، ومن شاركوا حباً في مراسيم تأبينك وأربعينيتك، ومن هنا أقول : من عاش حباً سيدوم حباً.

 

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

صبري رسول

 

العَنْونة وترتيبات النّصّ:

إثر: تأتي بمعنى عَقِبَ، أو في أثره، أو بعده مباشرة،.

واجم: اسم فاعل من «وَجَمَ»، وتُطلق على الشخص الذي يصمت ويعبِس وجهه من شدة حزن أو هم.

عنوان النّصّ في هذه الرواية تدلّ على طبيعة شخصية خاتون الخارجة عن علاقة عاطفية كارثية جلبت لها التوجّس، والعبوس من الآخرين. هذا اتضّح من خلال الحوار الطويل…

نصر محمد / المانيا

ديوان السوريون صدر عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع / الإمارات العربية المتحدة ، يحوي بين دفتيه عشرون نصا على امتداد مائة وعشر صفحات من القطع المتوسط ، سعدت جدا بقراءتها ، وكانت لي هذه القراءة المتواضعة.

قبل أن أدخل عالم القراءة ، لا بد أن أتقدم للقارئ بلمحة عن الشاعر

من عامودا مدينة…

شيرين خليل خطيب

بعض الناس لا يستفزونك لأنهم غاضبون منك، بل لأنهم يريدون أن ينتزعوك من المكان الذي بنيت فيه نفسك بصعوبة، ويجرّوك إلى مستواهم. إنهم يعرفون أن كلمةً جارحة، أو موقفاً مستفزاً، أو إهانةً متعمدة قد تدفعك إلى رد فعل لا يشبهك، فينتظرون تلك اللحظة بفارغ الصبر، لأن سقوطك هو انتصارهم الحقيقي. فهم لا يريدون…

نظّم تجمع المعرفيين الأحرار – Kombûna Zanyarên Azad يوم الأحد 2 أغسطس/آب 2026 ندوة حوارية مع ندى داوود، وذلك في مدينة دوسلدورف بألمانيا.
جاءت الندوة ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية والاجتماعية التي ينظمها التجمع بهدف خلق مساحة للحوار والتعارف وتبادل الخبرات والأفكار.
– ضيفة الندوة
كانت ندى داوود ضيفة اللقاء، حيث تحدثت عن تجربتها الشخصية والمهنية، وعن مسيرتها في…