​أسباب سقوط إدارة المرأة في العصور البدائية (الحلقة المفقودة)

 أمين عبدو  / فنان تشكيلي
​حسب الدراسات المتعلقة بالمجتمعات البدائية للإنسان القديم وتطوره، يُقَدَّر انفصاله عن عالم الحيوان بحوالي 100 ألف سنة قبل الميلاد. وقد عُثر على آثار لإنسان “النياندرتال” وبقايا عظامه، وكانت تختلف عن الإنسان الحالي من حيث الضخامة وشكل الجمجمة؛ أي إن الإنسان طرأ تغير على شكله مع مرور الزمن كلما تحسن وضعه المعيشي (أما السؤال عن سبب اختلاف الإنسان عن باقي الكائنات فهذا بحثٌ آخر).
​مرت البشرية في العصور الحجرية بثلاث مراحل رئيسية: الباليوليتي (الحجري القديم)، والميزوليتي (الحجري الوسيط)، والنيوليتي (الحجري الحديث). وعاش الإنسان معظم هذه المراحل في الكهوف، حيث تعرّف العلماء على نمط حياته من خلال الرسم والتصوير على جدرانها. وكانت أغلب تلك الرسومات تعبّر عن حالات صيد الحيوانات البرية وأدواته التي صنعها غالبًا من الحجارة بعد تهذيبها وتوظيفها حسب حاجته واستعماله.
​توصل الإنسان إلى العيش ضمن قطعان متنقلة بشكل مشترك، والتعاون لصد الحيوانات المفترسة ومواجهة الطبيعة وتأمين طعامه عن طريق الصيد. وكان في ذلك الزمن اتكاليًا على الطبيعة؛ أي إنه كان عنصرًا لم يتوصل بعد إلى فكرة الإنتاج. ومن هنا، ظهرت فكرة التأهيل لقيادة هذا المجتمع انطلاقًا من الحاجة، فكانت المرأة هي المرشحة فطريًا لهذه القيادة متمثلة بالأم؛ لأنها هي من تنجب وتعد سر استمرار الجنس البشري.
​قادت المرأة المجتمع البدائي في أحسن صورة خلال الفترة التي توصف بـ “المشاعية”؛ حيث كان “الفرد من أجل الجماعة، والجماعة من أجل الفرد”، وكان التقاسم الاقتصادي متساويًا فيما بينهم، والكل يأخذ حسب حاجته بعيدًا عن الاستغلال أو الملكية الخاصة. وكان الإنسان المشاعي بغنى عن الحروب نتيجة الاقتصاد المشترك ولعدم وجود فوارق طبقية. ومع مرور الزمن، تجاوز الإنسان البدائي العيش في الكهوف وبدأ البحث عن بيئة ملائمة أفضل، فكانوا يتنقلون باستمرار من منطقة إلى أخرى بحسب المناخ؛ يتجهون صيفًا نحو القطب الشمالي، وشتاءً نحو خط الاستواء، أي بعكس التقلبات المناخية.
​ومع مرور آلاف السنين، بدأت تظهر تغيرات في المجتمعات وحالات سلبية لم تدركها المرأة أو عجزت عن علاجها. تمثلت هذه الحالة في أنه أثناء سير القطيع وتنكله، كان الرجل المسن الذي لا يستطيع السير يُستغنى عن خدماته لعدم قدرته على الصيد والمشي، فيُترك مصيره مجهولًا في البراري. ومع تكرار هذه الحالة وازديادها، حدثت ردة فعل لدى الرجال المسنين، فبدأوا يفكرون في حلول تضمن استمرارهم في الحياة.
​أصبح هؤلاء المسنون يقفون في مفترقات الطرق بانتظار المارين للحصول على صدقة، أو تقديم نصيحة مقابل القليل من الأكل والشراب. ورغم عجزهم الجسدي، إلا أنهم كانوا يملكون خبرة طويلة في مجاهيل الطبيعة تجسدت من خلال حياتهم وتفردهم، حتى توصلوا إلى تفسير الكون. وبدأ الشباب يتسللون ليلًا من القطيع ويذهبون إلى أولئك المسنين لسماع حكاية أو نصيحة، أو فك لغز، فصار المسنون بمثابة مكتبة أو مرجع للمعلومات يستفيد منه جيل الشباب، مما أدى إلى تحسين وضعهم الاجتماعي والمعيشي.
​ومع مرور الوقت، أصبح للمسنين جمهور كبير من الشباب وازدادت شعبيتهم، وهنا تولدت لديهم رغبة في الانتقام والتخلص من سلطة المرأة التي بدأت عاجزة عن الاستمرار بهذا الشكل لعدم وجود حلول لهؤلاء العجزة.
​وكما يقال: “الثورة تبدأ من شرارة”؛ تضامن العجزة واتفقوا على الخلاص من هذا الوضع، خاصة بعد تزايد شعبيتهم بين الشباب. وكان أول سؤال وجّهه العجزة للشباب بناءً على اتفاقهم: “يا شباب، إذا أصبحتُم في عمرنا، فماذا سيكون مصيركم؟” فكان الجواب: “سيكون الرمي خارج القطيع”.
​هنا بدأ الحراك للتغيير، واختاروا شابًا يدعى “مردوخ” ليقود الشباب للانتقام من سلطة المرأة المتمثلة بـ “تيامات” وقتلها (حسب الأسطورة السومرية)، وإعلان سلطة الذكر. وتحول هؤلاء العجزة إلى رهبان في أعلى سلطة بالدولة، وأقاموا “الزيقورة” التي تتألف من ثلاث طبقات:
​الطبقة العليا: الشامان أو الرهبان والكهنة، والذين تحولوا إلى “رب الأرباب” بعد تمكين سلطتهم.
​الطبقة الوسطى: العسكر.
​الطبقة السفلى: عامة الناس.
​واستمر نظام الدولة خلال العصور على مراحل متتالية: العبودية، ثم الإقطاعية، فالبرجوازية، ثم الرأسمالية، وصولًا إلى العولمة.
​من جانبها، دافعت المرأة عن كيانها، وظهرت أقوى ردة فعل لديها عند “الأمازونيات”، ولكن حقوقها ما زالت مهضومة حتى اليوم. إن بناء مجتمع سليم يظل فيه التساوي بين الرجل والمرأة شرطًا أساسيًا.
​وجدير بالذكر أنه في بعض المجتمعات تم أيضًا رمي العاجزات من القطيع، وكانت تسمى هذه الظاهرة بـ “بيرعبوك” (Bîr ebok)، وتعني باللغة الكردية “المرأة المسنة”، وهو ما شكل النقيض للفترة التاريخية التي أُلقي فيها الرجال العجزة خارج القطيع.
​وما زال الصراع بين الجنسين قائمًا حتى يومنا هذا، على الرغم من الأصوات والدعوات المطالبة بالمساواة بينهما.
​أمين عبدو – 23/7/2019
محاضر في التاريخ والأسطورة بكلية الفنون الجميلة – جامعة روج آفا.

شارك المقال :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اقرأ أيضاً ...

نصر محمد / ألمانيا

قبل الدخول إلى القراءة: لا بد من التعريف بالكاتبة

كوثر حسن جعفر قاصة وروائية تعيش في حلب. صدر لها عام 2019 مجموعة قصصية بعنوان «حكايا الياسمين» عن دار شلير – سوريا، كما صدر لها عام 2024 رواية «سموات الحزن» عن دار ببلومانيا المصرية.

وصدر لها، قبل أقل من شهر، مجموعة قصصية…

عصمت شاهين الدوسكي

يَشْرَحُ قَلْبُ الْإِنْسَانِ عِنْدَمَا يَجِدُ إِبْدَاعَاتِ الشُّعَرَاءِ تَكْسِرُ الْحَوَاجِزَ الضَّيِّقَةَ، عَابِرَةً الْجِبَالَ وَالْبِحَارَ، لِتَصِلَ إِلَى أَبْعَدِ قَلْبٍ. لَا شَكَّ بِأَنَّ الشَّاعِرَ الْمُبْدِعَ مُحَمَّدَ الْبَدْرِيِّ غَنِيٌّ عَنِ التَّعْرِيفِ، فَهُوَ كَالْفَرَاشَةِ الَّتِي تُحَلِّقُ فِي فَضَاءِ اللُّغَتَيْنِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْكُرْدِيَّةِ، يَمِيلُ عَلَى أَيَّةِ أَرْضٍ مُتْقِنًا الطَّيَرَانَ بِحُرِّيَّةٍ، لَكِنَّهَا لَا تَحْتَرِقُ بِالنُّورِ، بَلْ تَجْعَلُ لَهُ جَمَالًا، وَلِلْعَذَابِ أَلَقًا….

فراس حج محمد| فلسطين

تكمن أهمية اللغة في أنها ذات مدلول “سياسي ثقافي” و”ثقافي اجتماعي”، لا يحتاج إلى أدلة، لأنه بدهي، وكل بدهي لا يلزم استدعاء ما يؤكده، فكلّ ملاحظٍ للواقع بتجلياته كافّة يرى أن للغة اتصالاً مباشراً فيه، بدءاً بالمعجم اللغوي المستخدم، إلى دلالة الألفاظ المشتركة، وصولاً إلى طريقة الكلام نفسها، فثمة لغة فلاحية أو…

صبري رسول

هندسة السّرد:

يهندس الكاتب نزار آكري السّرد الفنّي في رواية فرح خاتون الصّادرة عن دار الزّمان للطّباعة والنّشر ٢٠٢٥ بتقنيّة سرديّة فائقة، تحتلّ الرّواية ١١٦ صفحة من القط المتوسط.

تدور احداث الرّواية على لسان الأميرة الكُردية فرح خاتون، ابنة علي عيسى عبدالكريم آغا المليين، أحد الوجوه الاجتماعية في قرية كندور على تخوم الحدود المصطنعة التي…