فراس حج محمد| فلسطين
صدر مؤخراً عن دار الرعاة للدراسات والنشر في رام الله وجسور ثقافية للنشر والتوزيع في عمان، الطبعة الأولى من كتاب “أعطني فنّاً- لنجعل الحياة ممكنة” للكاتب والمحامي الحيفاوي حسن عبادي، بتحرير فراس حج محمد، ويقع الكتاب في 170 صفحة من القطع المتوسط، وازدانت لوحة غلافه وبنيته الداخلية بتصميم الفنان ظافر شوربجي.
ينطوي العمل على بنية معمارية موضوعاتية موزعة على خمسة فصول مكثفة، مدعومة بجهاز معرفي موازٍ صاغه المحرر في 26 حاشية تعريفية وتوثيقية تفكك السياقات التاريخية والمؤسسية للأعمال والأسماء الواردة، ويطرح الكتاب وثيقة (سوسيو- ثقافية) شاملة ترصد حراك الفعل الإبداعي الفلسطيني والعربي، وتحول مشاهدات الكاتب الميدانية إلى سجل تاريخي ناطق يرسخ السيادة الحضارية والمقاومة الرمزية لفلسطين في وجه سياسات الإبادة بكل أشكالها، وأهمها بعد إبادة الإنسان الإبادة الثقافية.
تتضوع في كتاب “أعطني فنّاً” أصداء المشروع التوثيقي والنقدي الذي خاضه حسن عبادي عبر سنوات طويلة من معايشة الواقع الفلسطيني داخل الوطن والمنافي، ولعل القراءة المتأملة لإنتاجه الأدبي تجعل هذا الإصدار امتداداً تحولياً المنهج، منسجماً مع الخط السير التاريخي لكاتب جمع بين الترافع الحقوقي والنقد الأدبي والعمل المجتمعي، ليأتي هذا الكتاب مؤسساً فيه عبادي لمرحلة يصح تسميتها بمرحلة التجميع الجمالي والحضاري، بعد مرحلة حافلة بالمؤلفات الخاصة بالأسرى الفلسطينيين ومجموعة قصصية لا تبتعد في موضوعاتها عن كل هذا الجهد النضالي والإبداعي للمؤلف، إذ يمثل هذا الكتاب الذروة التراكمية لمشروع عبادي الثقافي، فإذا كانت كتب الأسرى قد ركزت على تحرير الجسد والروح عبر الكلمة القابعة خلف القضبان، فإن أعطني فنّاً ينتقل إلى تحرير الحيز العام والذاكرة الجمعية من خلال الريشة، والنغمة، والحركة المسرحية، وتظهر الرابطة العضوية بين هذه الكتب في كون الفنان التشكيلي أو المسرحي يمارس الفعل الذاتي ذاته الذي يمارسه الكاتب الأسير؛ فكلاهما يقاوم التغييب والمحو الرمزي، وكلاهما يسعى لكي لا تذوب الذاكرة الوطنية في قوالب النسيان أو الأسرلة.
تتأسس الفلسفة الجمالية لكتاب أعطني فنّاً على عتبة نصية مكثفة واقتباس تناصي جرى تحويره بوعي، إذ يتخذ المؤلف حسن عبادي من المقولة الشكسبيرية التاريخية الشهيرة “أعطني مسرحاً، أعطك شعباً عظيماً” نقطة انطلاق لبناء مقولته الخاصة التي تصدرت الكتاب “قيل: أعطني مسرحاً أعطك شعباً؛ وأنا أقول: أعطني فنّاً أعطك شعباً”.
يرسخ التقديم التحريري النقدي الذي وضعه فراس حج محمد الأبعاد المعرفية لهذا التحوير الفلسفي؛ إذ إن عبارة شكسبير، التي تقاطعت تاريخياً مع طروحات أفلاطون حول دور الفنون في تكوين مواطني المدينة الفاضلة، ومع شعارات الخبز والمسرح أو الخبز والسيرك في الرومانيات الكلاسيكية والتعديلات الناصرية والجزائرية والعراقية والسودانية الحديثة، كانت تحصر الفعل التربوي والجمالي في الفضاء المكاني والمؤسساتي المحدد بالخشبة المسرحية، وفي السياق الفلسطيني الخاضع للحصار والتدمير الممنهج للبنى التحتية والتضييق المكاني وانعدام المسارح المستقرة في الضفة الغربية، يتعذر تأمين المسرح التقليدي بشكل مستدام، ومن هنا يأتي استبدال المسرح بالمفهوم الكلي الشامل الفن ليتيح تفكيك قيود المكان وتحويل كل مرسم متواضع، أو عريشة لاجئ، أو حائط يافاوي إلى فضاء إنتاجي مقاوم.
تعتمد الفلسفة الفنية للعمل على مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه التي أوردها الكاتب في تصديره “نحن نملك الفن لكيلا نموت من الحقيقة”، وفي الواقع الفلسطيني، تشير الحقيقة إلى قسوة الاحتلال، والتشظي الجغرافي، والمنافي البعيدة؛ في حين يمثل الفن المساحة البديلة والوطن المتنقل الذي يُعاد فيه تركيب الجغرافيا السليبة، ورتق أشتات الذات الجمعية.
يمثل الفصل الأول عملا توثيقيا للحراك المسرحي الفلسطيني والعربي، مسلطاً الضوء على 10 أعمال مسرحية وعروض كوميدية فردية، ناقش من خلالها الكاتب القضايا الوجودية والسياسية المترتبة على النكبة والنزوح، وتتنوع النصوص المسرحية المعالجة بين التأليف الفردي، والإعداد الروائي، والكوميديا الارتجالية.
وقد توقف المؤلف عند مسرحية أساطير الإنس والجان في دولة برهان الزمان لإبراهيم خلايلة، وتناولت المسرحية موضوعة العودة كموتيف مركزي لتهجير أهل مجد الكروم والجليل، مستحضرة نضال فرقة الحكواتي والمسرح الوطني الفلسطيني بالقدس، ومسرحية راس عروس، وقد عالجت المسرحية تشتت المهجرين في قضاء الناصرة عبر مجموعة من الشخصيات، وتجلت سيميائية العودة في حبات السمسم المسحورة والمفتاح المعلق في الرقبة، كما تناول هذا الفصل مسرحية مدام سراي، ومسرحيتي ممثل انتحاري وشجر وحجر، حيث ناقشت الأولى صراع الهوية لفنان قادم من أعالي الجليل يعيش التضحية الروحية، بينما ركزت الثانية على تجربة الاقتلاع واللجوء وحراسة الأرض.
وكان للمسرحيات من النساء نصيب، من خلال توقف الكاتب عند مسرحية ألاقي زيك فين يا علي، كتابة وتمثيل رائدة طه، وإخراج لينا أبيض، وقد أدت رائدة مونودراما استعادت فيها سيرة والدها الشهيد علي طه، وتطرقت المسرحية لانتهاك الجسد والتحرش الممارس في مكتب القيادة الفلسطينية، ومسرحية 36 شارع عباس حيفا، كتابة وتمثيل رائدة طه، وجسدت رائدة شخصيات عائلة أبو الغيدا (الأصحاب الأصليين) وعائلة المحامي علي وزوجته سارة المقدسية، والمستوطن شلنغر، والجارة إيمي، مستحضرة صدمة النكبة ورفع علم الكيان يوم 15 أيار.
بالإضافة إلى ذلك حضرت مسرحية عائد إلى حيفا التي أعدها وأخرجها مكرم خوري عن رواية غسان كنفاني، وتناولت أحداث نيسان 1948 والعودة في 1967، ومن الأدب العالمي حضرت مسرحية قصة خريف للكاتب الإيطالي ألدو نيكولاي للحديث عن عزلة العجزة والشيخوخة.
وأخيرا اشتمل الفصل الأول على عرض “مش أبيض” من نوع (ستاند آب كوميدي) للفنان المقدسي علاء أبو دياب، قدم فيها نقداً لازدواجية المعايير الغربية وحرب أوكرانيا، وتمويل البيئة المشروط، وفساد مشروع مركز خالد الحسن للسرطان.
ويتتبع الفصل الثاني الحراك الموسيقي والغنائي بوصفه الأثير الحامل للهوية والقادر على اختراق الحواجز العسكرية والحدود الجغرافية التي فرضتها اتفاقيات التقسيم وسايكس بيكو، وتتوزع التجارب الموسيقية بين الأغنية الملتزمة والتوزيع الكلاسيكي والأوركسترا الشاملة، فورد عرض وألبوم “أحلى من برلين”، كلمات الشاعر مجد كيال، وتلحين فرج سليمان، ويعالج الألبوم أزمة السكن بحيفا، والاغتراب في بيروت وبغداد وبرلين، وكذلك عرض “تحية لزياد الرحباني” الذي قدمته فرقة بيت الموسيقى الشفاعمرية، وعرض قصائد درويشية مغناة الذي نظمته جمعية أورفيوس، وعرض شيوخ الطرب لجوقة سراج الراموية، وفرقة 47Soul، ومهرجان موتسارت وحفل لمارسيل خليفة.
ويشكل الفصل الثالث المتن البصري الأكبر للكتاب؛ إذ يعالج اللوحة والمنحوتة والمجسم بوصفها وثائق بصرية تحمي الحيز العام وتمنع اندثار الذاكرة الجمعية، وتطرق الكتاب إلى 5 معارض جماعية، وهي: معرض أمنا الأرض، ومعرض نقاوم بالريشة والقلم، ومعرض ألم وأمل، ومعرض القدس العتيقة، ومعرض لوحات يوم الأسير بمدريد.
كما قدم الكاتب قراءة نقدية وتوثيقية شاملة لسبعة عشر معرضاً شخصياً، لمجموعة من الفنانين وهم: إبراهيم حجازي، وأحمد كنعان، وتغريد حبيب، وجميل عمرية، وجنان عبده، وخضر وشاح، وخليل ريان، وسلوى النمر، وسمير سلامة، وظافر شوربجي، وعبد الله كنعان، وعلا زرعيني، وفؤاد إغبارية، ومنير قزموز، وناجي العلي، ونزيه نصر الله، ويوسف عراقي.
وأما الفصل الرابع فيخصصه المؤلف لزياراته الميدانية لمجموعة من المراسم الفنية، مسلطاً الضوء على البيئة الإنتاجية للفنانين، وتتجلى في هذا الفصل أبعاد المكان الفني الفلسطيني، فبرز مرسم توفيق عبد العال، وجبر أبو حامد، وزياد الظاهر، وعبد عابدي، ومحمود أحمد شاهين، ومحمود عيسى موسى، ووليد قشاش، بالإضافة إلى متحف التراث الشعبي “من زمان كان”، كما يهتم عبادي بإبراز مقتنياته من لوحات الفنانين الفلسطينيين حيث يزين مكتبه بلوحات العديد من هؤلاء الذين ذكرهم في الكتاب.
وفي الفصل الأخير قدم الكاتب قراءات نقدية لأربعة إصدارات، متبوعة بالشهادة على قضايا مصادرة الحريات الفنية التي تعرض لها الفن والفنانين في فلسطين المحتلة، ويتعامل عبادي مع تلك الكتب بوصفها متوناً خاضعة للمساءلة الجمالية، فتوقف عند الحضور الموسيقي والفني في رواية باباس للكاتب الراحل أحمد أبو سليم، وناقش كتاب “على مد البصر” للمصور صالح حمدوني؛ محللاً تقنيات الأبيض والأسود في تصوير الشارع، وتناول هذا الفصل كتابين للكاتب فراس حج محمد الأول كتاب “فتنة الحاسة السادسة- تأملات حول الصور”، مفككاً سيمياء الصورة، وعلاقتها بالبعد البلاغي والجسد، والتأثير السياسي للكوفية والعلم الفلسطيني، والكاريكاتير الساخر، والكتاب الآخر “الصوت الندى – تأملات في الأداء والأغاني”، محللاً التفاعل بين النص الشعري واللحن، وأما كتاب المصورة السويدية لينا فريدريكسون “All Quiet on the West Bank?” فيستعرض ما توقفت عنده المؤلفة من توثيق حول الجدار الفاصل، والحواجز العسكرية، ومعاناة الأطفال في المحاكم العسكرية.
وفي الجانب الآخر من هذا الفصل سجل الكاتب مواقف صريحة ضد أشكال القمع والتضييق التي تطال الأعمال الفنية، من مثل إلغاء عرض المسرحية الموسيقية إنهيدوانا لفرقة مسرح عشتار في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، وإلغاء حفل الفنان تامر نفار في أم الفحم، والملاحقة والهجوم الشعبي وشبه الرسمي الذي طال عرض فيلم “صالون هدى”، وهدم الجدارية والنصب التذكاري للكاتب الشهيد غسان كنفاني في مقبرة عكا بقرار من سلطة الاحتلال، وتدمير وإزالة تمثال الحوت الضخم للفنان وليد قشاش في ميناء عكا، وأخيرا يقدم عبادي تأبينا للكاتب الصحفي اللبناني طلال سلمان صاحب جريدة السفير والمدافع الصلب عن القضية الفلسطينية.
وبذلك يكون الكتاب قد أضاء على دور الإبداع الفلسطيني بوصفه أداة من أدوات المقاومة الفكرية والحفاظ على الهوية الوطنية ضد محاولات الطمس والتهويد، مؤكداً أن الفنون البصرية والسمعية والمسرحية تعمل جسراً حضارياً يوحّد الفلسطينيين في الداخل والشتات، متجاوزة بذلك الحواجز الجغرافية والسياسية المفروضة عليهم.
كما يدعو الكتاب إلى مأسسة العمل الثقافي عبر التوثيق المنهجي والاحترافي، مشدداً على ضرورة حماية حرية التعبير من الرقابة المزدوجة، ويبرز أيضاً أهمية الفن في تقديم القضية الفلسطينية باعتبارها نموذج الانتصار للقيم الإنسانية العالمية والكرامة، وبهذا يتحول المنجز الجمالي إلى درع معرفي يثبت تجذر الشعب الفلسطيني في أرضه وأحقيته في الحياة والحب والحرية والحلم.