صدر للروائي والناقد هيثم حسين كتاب جديد بعنوان «أثر الرواية»، عن منشورات رامينا في لندن، وهو كتاب نقدي وتأملي يتناول فن الرواية من داخل تجربة الكتابة نفسها، ويتتبع مجموعة من الأسئلة المتصلة بالسرد والخيال والذاكرة والشخصيات والحبكة والعنوان والغلاف، وصولاً إلى علاقة الرواية بالفلسفة والتحولات التي يشهدها العالم المعاصر.
يتحرّك الكتاب في منطقة التماس بين السرد والفكر، وبين التجربة الفردية والبنية الاجتماعية، والذاكرة والجغرافيا، والجسد والتحولات السياسية والثقافية، وينظر إلى السرد باعتباره ممارسة للتفكير وإعادة قراءة العالم من خلال التفاصيل اليومية والتوترات التي تعيشها الشخصيات وعلاقة الفرد بالجماعة. ويرى حسين أن الرواية تتيح مساحة للاشتباك المعرفي واختبار الوعي الإنساني، وتمنح التجارب اليومية والهامشية حضوراً في مواجهة السرديات الكبرى والخطابات الاحتفالية والانتصارية.
ويضم الكتاب مجموعة من الفصول التي تضيء جوانب مختلفة من صناعة الرواية وتجربتها، من بينها: «الحكايات والهويات الإنسانية»، «حين تتشابك الحياة مع السرد»، «حين تكون الكتابة نجاة مؤقتة»، «محاكمة الخيال»، «حيوية الشخصيات الروائية المتجددة»، «أعباء الذاكرة ومسؤوليات الرواية»، «حقيقة الرواية بين اليقين السردي ووهم الامتلاك»، «اختيار عنوان الرواية»، «الغلاف بوابة القارئ إلى الكتاب»، «الروائيون في صراع التسويق لأعمالهم»، «أخلاقيات مهنة الأدب»، «الحبكة الروائية وأهميتها في هندسة الرواية»، «الرواية والفلسفة: إثراء السرديات وتوسيع الآفاق»، و«الرواية ومواجهة التحولات في العالم».
وينطلق حسين في الكتاب من النظر إلى الرواية باعتبارها فناً مفتوحاً على تعدد زوايا النظر، حيث تحمل كل شخصية تصورها الخاص للعالم، فيما تتشكل حيوية العمل الروائي من قدرته على إبقاء السؤال مفتوحاً وإتاحة المجال لقراءات تتغير بتغير السياقات الثقافية والاجتماعية. ويضع الكتاب الشخصية الروائية في قلب هذه العملية، باعتبار ما تخوضه من صراعات مع الذاكرة والرغبات والمخاوف وسيلة للكشف عن تعقيد التجربة البشرية وتحولاتها.
ويولي الكتاب اهتماماً خاصاً بالتفاصيل الصغيرة في البناء الروائي، من النظرة العابرة والصمت والتردد إلى اللحظات اليومية التي تبدو عادية، فيما يمكن أن تتحول داخل السرد إلى عناصر تكشف العالم النفسي للشخصيات وتترك أثرها في وعي القارئ. ويظهر القارئ في هذه الرؤية شريكاً في إنتاج المعنى، إذ تتحول القراءة إلى نوع من إعادة الكتابة الصامتة التي يدمج من خلالها تجربته الخاصة في العالم الذي تبنيه الرواية.
ويتوقف حسين عند العلاقة بين الحكاية والهوية، متتبعاً حضور القصص في تشكيل الذاكرة الفردية والجماعية ونقل المعرفة والقيم والتجارب بين الأجيال، وكيف يستطيع الإنسان من خلال الحكايات إعادة تأويل تجربته وبناء علاقته بذاته وبالعالم. كما يناقش قدرة السرد على العبور بين الثقافات، انطلاقاً من المشترك الإنساني الذي تحمله الحكايات على اختلاف لغاتها وأشكالها وبيئاتها.
ويخصص الكتاب مساحة للعلاقة المعقدة بين الحياة والسرد، ولا سيما مع تراجع الحدود الصارمة بين السيرة والرواية في الكتابة المعاصرة، حيث تتقاطع الذاكرة مع التخييل والتجربة الشخصية مع البناء الفني. ويحضر الخيال باعتباره أحد المرتكزات المركزية في الكتاب، إذ يناقش حسين قدرته على توسيع أفق القارئ وإتاحة العيش، عبر القراءة، في تجارب وعوالم وشخصيات تتجاوز حدود حياته المباشرة.
وفي مقابل ذلك، يطرح الكتاب سؤالاً حول ما يمكن أن يهدد الخيال الروائي في الكتابة المعاصرة، وخصوصاً حين يتحول الاعتماد على التقارير الإخبارية ومقاطع الفيديو والمواد الواقعية إلى بديل عن إعادة خلق الواقع أدبياً. ويرى حسين أن المادة الواقعية تحتاج إلى التحول داخل مختبر الكتابة كي تكتسب بعدها الأدبي، فيما يبقى الخيال عنصراً أساسياً في قدرة الرواية على اكتشاف الذات والآخر والحفاظ على طاقتها الإبداعية.
ويمتد «أثر الرواية» إلى القضايا التي تحيط بالنص بعد اكتماله أيضاً، من اختيار العنوان وتصميم الغلاف إلى حضور الروائي في فضاء التسويق، إلى جانب الأسئلة الأخلاقية التي ترافق مهنة الأدب، ومسؤولية الذاكرة، وهندسة الحبكة، والعلاقة بين الرواية والفلسفة، وموقع هذا الفن في عالم تتغير فيه أنماط القراءة والانتباه بفعل التحولات الرقمية.
ويشير حسين إلى أن الرواية المعاصرة تواجه تحولاً في بنية الانتباه وإيقاع القراءة وصورة الكاتب والقارئ، وهو ما يضع الروائي أمام أسئلة جديدة تتعلق ببناء الجملة وتوزيع الكثافة السردية وإدارة إيقاع النص، مع الحفاظ على العمق في زمن يتسم بسرعة التداول وتشتت التركيز.
ويجمع الكتاب هذه القضايا ضمن رؤية تتعامل مع الرواية باعتبارها شبكة من العلاقات الفكرية والسردية التي تتقاطع فيها الهوية والجسد والذاكرة والجغرافيا والحياة اليومية والفضاء الرقمي، وتلتقي فيها التجربة الفردية بالتحولات الاجتماعية والتاريخية. ويتوجه الكتاب إلى الروائيين الساعين إلى تطوير أدواتهم السردية، وإلى القراء المهتمين بالرواية كمساحة للتفكير، وإلى الباحثين في النقد الأدبي والثقافي، مقترحاً علاقة مع النص تقوم على الحوار المفتوح والتفكير النقدي.
ويأتي هذا الكتاب امتداداً لاشتغال هيثم حسين على الرواية من موقع يجمع بين الممارسة الإبداعية والقراءة النقدية، ومحاولة للعودة إلى الأسئلة التي ترافق الروائي خلال مراحل الكتابة وما بعدها، والبحث في الأثر الذي تتركه الرواية في كاتبها وقارئها وفي العالم الذي تنشأ داخله.
جدير بالذكر أن الكتاب يقع في 150 من القطع الوسط ولوحة الغلاف للفنان التشكيلي خضر عبد الكريم.
تعريف بالكاتب:
هيثم حسين: روائيّ كرديّ سوريّ، من مواليد عامودا 1978م، مقيم في لندن، عضو جمعية المؤلفين في بريطانيا، مؤسّس ومدير موقع الرواية نت. وصلت مجموعته القصصية “حين يمشي الجبل” إلى القائمة القصيرة لجائزة الملتقى للقصة في الكويت، شارك في مهرجانات أدبيّة دولية، وترجمت أعماله إلى الإنكليزيّة والفرنسيّة والتشيكيّة والكرديّة والفارسيّة..
من أعماله في الرواية والسيرة والقصة والنقد: “آرام سليل الأوجاع المكابرة”، “رهائن الخطيئة”، “إبرة الرعب”، “عشبة ضارّة في الفردوس”، “قد لا يبقى أحد”، “العنصريّ في غربته”، “كريستال أفريقي”، “هكذا عشت الجحيم”، “حين يمشي الجبل”، “وجوه المنفى دروب الوطن”، “الرواية بين التلغيم والتلغيز”، “الرواية والحياة”، “الروائيّ يقرع طبول الحرب”، “الشخصيّة الروائيّة.. مسبار الكشف والانطلاق”، “لماذا يجب أن تكون روائياً؟!”.