حين تتحول عفرين إلى جسرٍ ثقافي بين أجزاء كوردستان
ليست جائزة «جميل هورو وبافي صلاح» مجرد جائزة تُمنح لفنان أو موسيقار، وليست مناسبةً عابرةً لتكريم اسمٍ فني هنا أو هناك؛ إنها تراثٌ فني وثقافي متناقل، يحمل في جوهره ذاكرة عفرين التاريخية والحضارية، ويعيد وصلها بمحيطها الكوردستاني الأوسع، عبر اللغة والفن والموسيقى والذاكرة المشتركة.
بعد دخول القوات التركية إلى منطقة عفرين، أُطلقت هذه الجائزة تخليداً لاسمَي اثنين من أبرز رموز الفن في عفرين، وهما الفنانان جميل هورو (1934–1989) وبافي صلاح (1952–2016)، اللذان تركا أثراً عميقاً وكبيراً في مسيرة الفن والغناء الكوردي.
ومنذ انطلاقتها، أخذت الجائزة على عاتقها مهمةً نبيلةً: تكريم الإبداع، وحفظ الذاكرة الفنية، وتشجيع الفنانين الذين جعلوا من الفن وسيلةً لحماية الهوية والثقافة الكوردية.
واليوم، وبعد أن مرّت الجائزة بثلاث دورات، تستعد للانتقال إلى دورتها الرابعة في مسيرة الفن الكوردي.
في الدورة الأولى، ذهبت الجائزة إلى الفنان الكوردي الكبير نظام الدين أريج – FERQÎYÊ TEYRAN، تقديراً لمسيرته الفنية، وعطائه الجميل، وإسهاماته في خدمة الفن والغناء الكوردي.
وفي الدورة الثانية، كان التكريم من نصيب الموسيقار العالمي الأستاذ دلشاد سعيد، أحد الأسماء البارزة في الموسيقى الكوردية، تقديراً لمسيرته وإسهاماته في تطوير الموسيقى الكوردية وإيصالها إلى فضاءات أوسع.
أما الدورة الثالثة، حملت أيضاً اسماً كبيراً من أسماء الفن الكوردستاني، حيث ذهبت الجائزة إلى الفنانة كلستان برور، تقديراً لمسيرتها الفنية الطويلة، ودورها في الأغنية الكوردية، وللحضور الذي تركته في وجدان أجيال من الكورد.
أما في هذه الدورة، الدورة الرابعة، فقد وقع الاختيار على الفنان الكوردستاني الكبير بلند إبراهيم، حامل هموم وشجون الكورد وكوردستان بين جوانحه.
بلند إبراهيم… الفنان الذي زار عفرين، وتعرّف على أنينها الصارخ، واقترب من أهلها في الهجرة والتهجير، وزار مخيمات الكورد في الشهباء، ونام معهم، وغنّى معهم، وبكى معهم.
نعم …، فإن أسماء المكرَّمين في الدورات الثلاث ليست مجرد قائمة من الفنانين؛ بل هي جسورٌ تمتد من عفرين إلى فضاء كوردستان الثقافي.
وتكمن القيمة الحقيقية لهذه الجائزة في أنها تجعل من عفرين، بتاريخها الثقافي والفني العريق، نقطةَ تواصلٍ بينها وبين بقية أجزاء كوردستان.
فالفن لا يعرف الحدود السياسية، والموسيقى لا تحتاج إلى جواز سفر، والذاكرة لا يمكن تقسيمها بالخرائط.
ومن عفرين، التي أنجبت أسماءً كبيرةً في الغناء والموسيقى والفن الشعبي، تمتد الجائزة نحو جنوب كوردستان وشرق كوردستان وشمال كوردستان وروچآڤايي كوردستان والمهجر، لتقول إن الثقافة الكوردية، رغم تعدد جغرافياتها ولهجاتها وتجاربها، تمتلك روحاً وذاكرةً مشتركة.
وحين نحمل اسمَي جميل هورو وبافي صلاح ونمنحه لفنانين من مختلف أنحاء كوردستان، فإننا لا نستحضر الماضي فقط، بل نحوّل هذا الماضي إلى طاقةٍ وعلاقةٍ للمستقبل.
فالجائزة تقول للأجيال الجديدة إن الفنانين الذين خدموا ثقافتهم لا يموتون؛ تبقى أعمالهم، وتبقى أصواتهم، وتبقى أسماؤهم حاضرةً ما دام هناك من يحفظ الذاكرة ويواصل الطريق.
ولهذا، فإن جائزة «جميل هورو وبافي صلاح» تستحق أن تتحول إلى واحدة من الجوائز الثقافية والفنية الكوردية المهمة، وأن تتوسع عاماً بعد عام، وأن تصبح منصةً تجمع الفنانين والمثقفين والموسيقيين من مختلف أجزاء كوردستان والمهجر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللجنة المنظمة لجائزة جميل هورو وبافي صلاح

التعليقات (0)