مقالات

الفائزة بجائزة الكتاب الألماني لعام 2026 هي فتاة كردية من كردستان الشرقية

تنگزار ماريني

الفجوات. رواية الكاتبة شيدا بازيار

ا بازيار – «الفجوات»: شاعرية الاختفاء

عند شيدا بازير، لا يبدأ التاريخ من حيث يُروى، بل من حيث يغيب..

حين يصبح الشكل هو المضمون

تكتسب *الفراغات* قوتها الأساسية من التماهي بين **ما تقوله الرواية وكيف تقوله**. فالفراغ ليس موضوعًا تتحدث عنه بازيار فحسب، بل يتحول إلى مبدأ ينظّم بناء الرواية نفسها. وكما أن الذاكرة الجماعية لا تحتفظ بالماضي بصورة كاملة ومتسلسلة، تأتي الرواية بدورها مجزأة، متعددة الأصوات، ومليئة بالانقطاعات والانتقالات

بازيار —وُلدت عام 1988 ابنةً للاجئ كردي من شرق كردستان/ إيران — بين سيرتها الذاتية والتاريخ السياسي والاجتماعي.

لا تسير الحكاية في خط زمني مستقيم، لأن الماضي نفسه لا يظهر بوصفه زمنًا مغلقًا. تتداخل الأزمنة، وتتجاور طبقات تاريخية مختلفة، ويعود الماضي بصورة غير متوقعة إلى الحاضر. وهكذا يصبح **تفكك التسلسل الزمني شكلًا فنيًا لتفكك الذاكرة**.

وتنسجم مع ذلك شخصية الراوية التي فارقت الحياة. فوجود راوٍ من خارج الزمن المعيش يسمح للرواية بأن تتجاوز الحدود بين الماضي والحاضر والموت والذاكرة. إن موقع الراوية نفسه يجسّد المفارقة التي تقوم عليها الرواية: من غاب عن العالم يستطيع أن يكشف ما حاول الأحياء نسيانه.

أما تعدد الأصوات والمنظورات، فيمنع ظهور التاريخ باعتباره رواية واحدة مكتملة. فكل صوت لا يقدم سوى جزء من الصورة، وكل منظور يكشف جانبًا ويترك جوانب أخرى في الظل. لذلك لا تتجمع الأصوات لتنتج حقيقة نهائية، بل لتكشف **استحالة امتلاك الماضي بصورة كاملة**.

ومن هنا تصبح الطريقة الكليدوسكوبية في السرد أكثر من مجرد أسلوب جمالي. فالكليدوسكوب يجمع قطعًا صغيرة ومتفرقة، ومع كل حركة تتشكل صورة جديدة. وهذا بالضبط ما تفعله الرواية مع الذاكرة: تجمع شظايا الأشخاص والأسماء والأماكن والأزمنة، ثم تعيد ترتيبها باستمرار. **الشكل المتشظي للرواية هو انعكاس لتشظي التاريخ نفسه.**

حتى اللغة تشارك في هذا البناء. فتغير نبرة السرد ولغته بحسب الزمن والبيئة الاجتماعية والتجربة الإنسانية يجعل اللغة حاملةً للتاريخ، لا مجرد وسيلة لنقله. وهكذا لا يُروى التاريخ من الخارج، بل يصبح حاضرًا داخل اللغة ذاتها.

بهذا المعنى، لا تفصل بازيار بين الشكل والمضمون. **الفراغات التي تتحدث عنها الرواية تتحول إلى فراغات في بنائها؛ وتعدد الذاكرة يتحول إلى تعدد في الأصوات؛ وانقطاع التاريخ يتحول إلى انقطاع في السرد؛ وتداخل الأزمنة يتحول إلى بنية روائية متداخلة.**

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة *الفراغات*: الرواية لا تقول لنا فقط إن التاريخ ناقص، بل **تجعلنا نختبر هذا النقص من خلال شكلها الأدبي نفسه**.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى