أفين بوزان
أنا ابنةُ تاريخٍ منسيّ ..
مرّتْ عليه الجيوشُ
كريحٍ سوداء ..
وتركتْ ظلالها
مساميرَ في قلبِ الليل
ثم مضتْ…
كأنني لم أكن
وكأنَّ الذين غابوا كانوا غيمةً
ضلّت طريقها إلى السماء.
ولدتُ من خبزِ امرأةٍ فقيرة ..
من كفٍّ كانت تقسمُ الرغيفَ
بين الجوعِ والحنين ..
ومن عينِ طفلٍ
نامَ في حضنِ ليلٍ حزين
ومدَّ يدهُ إلى السماء
لا ليقطفَ صرخة
بل ليسألها:
لماذا كلُّ أبوابِ الأرض
أضيقُ من دمعة؟
أنا من أنين الأراملِ
اللواتي يخبّئنَ أسماءَ موتاهنَّ
تحتَ الوسائد ..
ومن الأيتامِ
الذين ورثوا قمصاناً ليليةً مهترئة
أكبرَ من أجسادهم ..
وصورةً مائلةً على جدار ..
وصوتاً بعيداً كلما نادى الليل
لم يجبهِ أحد.
أنا من ديرسم ..
من جبلٍ
ما زال يحملُ في صخره
خطى الذين لم يعودوا
من جرحٍ ..
أضاعَ قبرَهُ
وظلَّ مفتوحاً في خاصرةِ الذاكرة
من نهرٍ ..
غسلَ وجههُ بالدم
وعجزَ عن غسلِ أسماءِ الموتى.
أنا من مهاباد ..
من جرحٍ نازف
من حرفٍ أُشعلتْ تحتهُ النار
فلم يمت؛
من أبجديةٍ
كتبتْها الآهاتُ على جدارِ الغياب
كلما نثروا رمادَها في الريح
عادتْ جذوراً
تصرخُ في التراب ..
وكلما قالوا: انتهتْ ..
كان الحرفُ
يبدأُ من جديد.
أنا من كوباني الجريحة ..
من مدينةٍ نامَ القمرُ فوقَ ركامها
ومن أمٍّ
كانت تنبشُ الحجارة
بأصابعَ من خوف
عن نبضةٍ صغيرة ..
ومن طفلٍ
حملَ مفتاحَ بيتٍ
لم يبقَ لهُ باب ..
ومن طريقٍ
ظلتْ عليه آثارُ العابرين
أطولَ من العابرين.
أنا من عفرين ..
من زيتونةٍ
تطلُّ من بينِ الركام
كأنَّ الأرضَ
تتذكرُ نفسها ..
ومن غصنٍ
كلما انحنى للريح
أخفى في ظلهِ حكايةَ بيت.
أنا من دهوك ..
من الجبلِ حين يعلقُ ثلجهُ
على كتفِ الغياب
ومن دربٍ
يمشي فيهِ المنفيُّ
ولا يدري
أهو ذاهبٌ إلى وطنه
أم يضيع بين الضباب والأنين.
أنا من آمد ..
من حجرٍ عتيق
نامتْ فوقهُ قرونٌ من الصمت
ومن بابٍ
كلما أُغلقَ في وجهِ التاريخ
ظلَّتْ يدُ الذاكرة تدقُّ عليه.
أنا من كلِّ حرفٍ
أحرقوهُ ولم ينطفئ ..
ومن كلِّ اسمٍ
دفنوهُ فصارَ شجرة ..
ومن كلِّ أمٍّ
أخفتْ بكاءها في ثوبها
كي لا يخافَ الأطفالُ من الليل.
أنا من المنفى؛
كلُّ مدينةٍ عبرتُها
تركتُ على عتبتها
قطعةً من قلبي ..
وكلُّ حدودٍ اجتزتُها
نزعتْ من اسمي حرفاً
حتى صرتُ أنادي نفسي
فلا تجيبني
إلا امرأةٌ بعيدة تشبهني
ولا تعرفني.
في حقيبتي ..
مفتاحٌ أعمى ..
وترابُ بيتٍ ما زال يحلمُ بالنور
وشالُ أمٍّ
كلما ضممتهُ إلى صدري
عادَ الشتاءُ طفلاً
وبكى.
لا أريدُ وطناً
يقفُ على جثةِ صراخي
ولا رغيفاً
تلمعُ فوقهُ أسنانُ الجائعين
ولا حريةً
تشعلُ قنديلها
من نارِ امرأةٍ أخرى.
لا أريدُ نجاةً
تحتاجُ إلى غرقِ أحد
ولا حياةً
يدفعُ ثمنُها
من دمِ الأبرياء.
أريدُ أن أعيشَ
بلا دمٍ على يدي
وأن أموتَ—إن جاءَ الموتُ—
نظيفةَ القلب ..
كشمعةٍ أخيرة
ظلتْ تحرسُ العتمةَ
في بيتٍ هجرهُ الجميع.
فإن متُّ يوماً ..
لا تكتبوا على قبري:
كانت ضحية.
قولوا فقط:
كانت امرأةً
حملتْ تاريخاً منسياً
في حضنها ألف عام
وكانت في عينيها
بلادٌ كاملة
لم تجد طريقها إلى ذاكرة التاريخ
ومن كلِّ بقعةٍ من الترابِ
تركَ جرحاً
في جسدِ التاريخ.
وحين انكسرَ العالمُ
لم تحملْ حجراً
لتكسرَ بهِ أحداً؛
جمعتْ شظاياهُ
وزرعتها في قلبها
كي ينبتَ من وجعها
شيءٌ يشبهُ السلام.
ثم مضتْ…
خفيفةً كدمعة ..
ثقيلةً كتاريخ ..
وفي فمها قصيدةٌ أخيرة
ظلَّ الموتُ عاجزاً
عن إحراقها.

التعليقات (0)