نصر محمد / ألمانيا
عامودا قصة عشق تدغدغ ذواتنا ولا تأبى الرحيل ، ولا تعترف بالمسافات ابدا ، تمنح عامودا كثيرا لأهلها ولزوارها دون أن تنتظر منه ، أو اعترافا بالجميل ، لأنها بكل بساطة مدينة معطآه ، تعطي دون مقابل ، تفيض احيائها بالعفوية والجمال.
عامودا… تلك المدينة الصغيرة الوادعة على خارطة الجزيرة السورية ، الكبيرة جداً في ذاكرة أهلها . ليست مجرد مكان ، بل هي رائحة الخبز الأولى ، وصوت الأمهات ، وضحكات الصبا في أزقتها الضيقة .
نحن أبناء عامودا في الغربة ، نحملها معنا كوشم لا يزول. نسكن مدناً باردة منظمة مثل هيرنه وكولن ، لكن قلوبنا تظل معلقة هناك . وفي زمن التكنولوجيا ، أصبحت شاشة الهاتف الصغير جسراً يعبر بنا آلاف الكيلومترات ، ليختصر الغربة في مكالمة ، ويحول الحنين إلى جولة حية .
وهذا ما كان مساء أمس ، وأنا جالس في كافيه إكسترا بلات في مدينة هيرنه .
في اتصال مرئي دافئ مع الصديق العزيز محمد شندي وابنه عمر وهما في عامودا ، اصطحبني في جولة كاملة مشياً على الأقدام . بينما كنت أمشي معه بعيني ، كنت أمشي في داخلي بقصيدتي ، أخذني إلى هناك
هُناكَ…
رَحَلَ الغِناءُ وَبَقِيَ الضَّجيج،
ماتَ السَّرْوُ وَبَقِيَ الغُبار،
غادَرَتِ العَصافيرُ وَبَقِيَتِ الأَضْرِحَة.
هُناكَ…
يوجَدُ بَيْتي وَتَقَعُ مَدينَتي،
هُناكَ تَخْتَنِقُ ذِكْرَياتي،
وَيَتَأَلَّمُ أَحِبَّتي.
هُناكَ…
لي صاحِبٌ وَأَخٌ وَحَبيبَة،
جَسَدي ها هُنا مُثْقَلٌ،
يَنْجَذِبُ لِلْبُيوتِ الطّينِيَّة،
لكنَّ روحي تَجوسُ خلالَ الدِّيار،
تَشْتَمُّ رائِحَةَ الشَّرْمولا
في حِضْنِ عامودا.
هُناكَ…
تُبادِلُني عامودا أوجاعَها بسُروري،
تُخْبِرُني عَنْ رَحيلِ الشَّهامَة،
عَنْ طِفْلٍ تَمَزَّق،
عَنْ أُمَّةٍ ضاقَتْ بِها الأرض.
هُناكَ…
حَيْثُ يَغْفو الغَمامُ المُثْقَلُ بِالأُمْنِيات،
تَرَكْتُ قَلْبي،
عُشْباً على دَرَجِ بَيْتِنا القَديم،
وَزَهْرَةَ أُقْحُوانٍ على حافَّةِ الطَّريق.
ثم أكملنا الجولة…
بدأت من منزله العامر الملاصق لمنزل الأستاذ حسين سرحان وزوجته الشاعرة عبير دريعي ، مررنا بمنزل يعمر حديثا من عدة طوابق تذكرت ذلك المنزل كان يعود الى الشيخ عفيف الحسيني ، عفيف الحسيني ولد عام 1930 في قرية تل موزان الاثري ، تتلمذ على يد والده الشيخ محمدى موزا درس الفقه واللغة في الجامع الأموي بدمشق ، ثم عاد إلى عامودا حيث الملا عبداللطيف والملا عبد الحليم صاحبا أكبر مدرسة فقهية في المنطقة ، نال شهادة الإجازة وكانت تعادل اللسانس وقتها تخول صاحبه لقب سيدا ، اصيب في فترة شبابه بمرض قرحة في المعدة المزمنة ، فظل ملازما ومعتكفا في حجرته، وبيته منذ نصف قرن ولم يخرج من عامودا ولا من حجرته تتلمذ على يديه اغلب الكتاب والمدرسين
وكانت محطتنا الثانية عند ” كوب كافيه “، حيث اتفقنا مبدئياً مع صاحب المقهى على إقامة حفلة توقيع لكتابيَّ ” على بيادر الذاكرة ” و” عتبات المنفى ” هناك ، فالمقهى يتسع لخمسين شخصاً ، وكان الاستقبال كريماً كما هي عادة أهل عامودا .
ثم انطلقنا إلى الشارع العام ، وتوقفنا عند ” حلويات آلان” ، حيث اللقاء الجميل مع الصديق أحمد حسين ، شقيق الفنان الكردي فواز حسين ، تبادلنا الحديث عن الحارة وشوارعها وعن الأهل والأصدقاء .
ومن هناك قادنا الطريق إلى ” شارع الفاتورة ” ، السوق المغلق ، مروراً بمحل الحلاق والشاعر الجميل غسان عبد العزيز ، شقيق الكاتب سليمان عبد العزيز . بدت عليه علامات الكبر رغم أنه أصغر مني بسنوات ، نتيجة الظروف ومرض السكري الذي يهد الحيل ، وقفنا طويلاً نتحدث عن الشغل وأحوال البلد والشعر والكتابة ، وسألته عن شقيقه الكاتب والسيناريست المعروف المقيم في دمشق ، مؤلف ” باب الحارة ” و” حرملك “.
أكملنا المسير فمررنا بـ ” مطعم ياسين قرنو ” تفوح منه رائحة المشاوي ، ثم جلسنا قليلاً في ” مقهى كوي ” ، حيث سلمت على الصديق سعد قجو وهو يلعب البوراكو مع الأصدقاء وسألت عن أحواله بعد التقاعد.
ثم اتجهنا نحو حلويات رشواني وسلمنا على الأهل هناك، ومنه أكملنا باتجاه شارع البلدية شرقاً، حيث التقينا بالصديق علي دريعي “أبو آلان” صاحب مطعم المشاوي حيث رائحة الكباب والشقف، وتبادلنا حديثاً مطولاً عن أوضاع عامودا والأستاذ محمود دريعي.
تابعنا السير حتى وصلنا إلى ” دوار المرأة ” ، وهناك كان لقاء مع الصديق أبو فرهاد حني، سلام وكلام من القلب. بعدها عدنا نحو السوق باتجاه المنزل ، وصلنا الى منزل شريف خلو ، ذاك المنزل الذي كان يضج بالحيوية والنشاط اصبح فارغا ، حيث سافر معظم اولاده الى خارج عامودا ، منهم من استقر في اوربا ومنهم من استقر في الإمارات ، ” شريف خلو ” كان من أنجح الشخصيات في مدينة عامودا من الناحية العملية حيث كان معلما ومهندسا في صنع البرادات
المنزلية برادات المحلات . كان يصنعها في محله الكائن على شارع القامشلي ويصدرها الى كافة المحافظات السورية آنذاك . وكان كريما وصاحب واجب ومزوحا إلى أبعد الحدود
ذات يوم كان في مناسبة عزاء بعامودا حينها قال لي صباح قس الياس لنأخذ العم شريف معنا على العزاء وكان معنا الصديق محمود خمري من الحاتمية . بالفعل نزلنا عند منزل العم شريف لنأخذه معنا . رحب بنا العم شريف وقالت لزوجته شكو اطبخي لنا البرغل واللحمة وكان نفسها طيبا
في طبخ البرغل . المهم بعد ما اكلنا البرغلات قال صباح قس الياس للعم شريف بدك تروح تعزي معنا . حينها قال العم شريف واحلى فاتحة لأحلى ميت …!!
، وقبل الوصول توقفنا عند ” محل رضوان شندي للمواد الكهربائية ” ، وكان لنا معه أيضاً حديث عامر عن عامودا .
ومررنا بشارع الدكتور هرانت قرنفليان حيث كان عيادته وحظي بمحبة اهل عامودا وضواحيها ، قدم لهم الكثير من الاعمال الانسانية ، حيث اتسم بالتواضع ومعالجة المرضى الفقراء والمحتاجين مجانا لقب بطبيب الفقراء دام ذكره واستمرت مآثره حتى بعد رحيله عن الحياة ،
وقبل الوصول أخذني أبو عمر إلى الجامع الكبير حيث ( رائحة الآباء والاجداد وعبق الماضي ) يتوسط المدينة تقريبا كان يتبع له مدرسة دينية بداية القرن الماضي وحتى منتصف الستينات كان يتوافد إليه الطلبة من جميع أنحاء كردستان ، تخرج منها العشرات في مجالات مختلفة ك الفقه والشريعة وعلوم التفسير منهم ( الملا عبدالحليم إسماعيل ) و ( الملا عبداللطيف إبراهيم ) و كذلك الشاعر ( جكر خوين الملا شيخموس )
انتهت الجولة وعدت إلى صمتي في إكسترا بلات في هيرنه، لكن عامودا بقيت تضج في داخلي .
شكراً من القلب للصديق الوفي محمد شندي الذي لم يأخذني في جولة في شوارع مدينتنا فحسب ، بل أخذني في رحلة إلى داخلي ، إلى ذاكرتي، إلى بيتي الطيني المتصدع الأول . وشكراً لابنه عمر الذي رافقنا .
هي عامودا ، كلما ابتعدنا عنها ، اقتربت منا أكثر . وكل مكالمة من هناك ، هي وطن صغير يطرق باب غربتنا ليقول لنا : ما زلتم منا ، وما زلنا لكم .

التعليقات (0)