مقالات

وها نحن نعبر أربعينية الكردي الكبير عبدالفتاح بوتاني

إبراهيم محمود

ها نحنذا نعبُر أربعينية راحلنا الكبير، وباحثنا التاريخي الكبير، وإنسان محبتنا الكبير، والذي ودّعنا أم ودعناه يا تُرى؟ في ” 1-9/ 2026 “، وها هي الأيام تمضي بنا ، ونمضي فيها، في نهرها الدائم التدفق، وتواجهنا بألم فقد محبوب، والخوف على آخر ومكابدة فراقه. ها نحنذا نلتفت إلى الوراء كما لو أنه تأخر عنا كثيراً، لأنه كثيراً ما كان ينشغل مع فكرة تلو أخرى، إشعاراً منه أنه وهِبَ حياة، ليهب حياة لمن ينتظرون منه في تاريخ يُسمّي به شعبه الكردي.
نلتفت إلى الوراء لنراه أمامنا. تلك هي روحه ووقدتها، تلك هي ذخيرة عطاءاته في الكتابة، وتلك هي مأثرة موداته وانفتاحاته على من حوله، وهو يتقدم بقلب عطوف، وعقل متنور.
نلك هي الآلاف المؤلفة من صفحات التي طربت لخطه الجميل، ووضوح ما كان يعبّر عنه.
كم يتحد الناس عن الذكرى، عن التذكر هنا. التذكر يعني أن هناك نسياناً. إنما ماذا لو أن هناك من نحتفظ بصورته الحية، وهو يفيض شبوبية، صفاء اعتبار، شجرة تزدان بيناعة خضرة ورقها وثمرها؟ لا يعود التذكر قائماً. من نبقيه حياً مستداماً بأناقة قوامه،خارج نطاق التذكر، طالما أنه لا يُنسى.
هي ذي علاقتي أنا بالراحل الكبير، وأنا أكتب عنه، أو يحفّز داخلي الراغبة الوفائية بالكتابة عنه زوادة المتبقي من الحياة خاصتي، كما لو أنه جالس في كرسيه ويتقدمه ” صدى ابتسامة يُطمأن إليها، في أريحية طيب المعشر، وأنا أنظر إلى الأمام، وكأنه لم يقل لنا وداعاً البتة.
عقد ونصف من السنين، في دوام التواصل معه، في لقاءات أو محادثات تنعش الزمن المرافق، كما لو أنه في الأربعين من عمره في رباطة جأشه.
أكتب عنه، وأنا أمعن في الأربعينية الخاصة به والتي تأجلت، لأسباب إدارية بحتة، وكما أعدتْ لها محافظة دهوك تقديراً لإنسانها الكبير، لمؤرخها الكبير، لإداريها الجامعي والأكاديمي الكبير، أو بإيجاز: لمثقفها الكردي المتنور الكبير، ليكون التأبين يوم الأحد القادم ” 18-10/ 2026 ” تعبيراً عن إخلاص يستحقه، كما لو أن روحه التي تطوف في سماء دهوك وأبعد، في سماء الإقليم وأبعد، وفي سماء كل رقعة كردية وأبعد، تعزيزاً لنوعية علاقته بمن حوله، وهي تنتظر” أي روحه ” مثل هذا اليوم المنتظر، كما لو أنها تعيش حالة الشجن الدال على فراق أبدي، وفي الوقت نفسه، على أن الراحل تأبد متنوَّراً في الوجدان الجمعي لكرده، ولكل الذين تفاعلوا بحميمية خاصة مع الإنساني الذي يحمله بين جنبيه!
هوذا طيفه الذي يُرى أنى التفت، وفي مكتبته المفخرة، وضمناً مكتبته الخاصة وثراء محتواها.
هوذا يده المصافحة، قلبه المصافح، ابتسامته المصافحة، ثقافته المصافحة للآخر .
لكم عايشت وجوهاً، بمعرفتها عن قرب، وقد غيّبها الموت. لكم تعرفت على وجوه بمستويات مختلفة، غيّبها الموت بحكم قانونه الخاص الذي يستحيل الطعن فيه. وهنا في دهوك التي انسكنت بها منذ آذار 2013، ثمة الكثير من الوجوه التي دخلت بصورها الحية في سجلي الحياتي: أهلاً بمعنى ما، أحبة بمعنى ما، أصحاباً ومعارف بمعنى ما، وجوه رجال ونساء، ومن خلال عملي البحثي في جامعتها بمعنى ما، ليكون لها معنى معتبَر جهة الآتي. سوى أن هناك قلة قليلة جداً، حال أي كان تكون له علاقة عمرية مع الكتابة، من الوجوه التي أريدَ لها أن تكون مغايرة لغيرها لمؤهلاتها وقدرتها على جعل الحياة من حولها أكثر تحفيزاً للحياة.
وجهُ بوتاني له مرآة كريستالية، كلما تقدم بها العمر، تتراءى لي أكثر مضاء بالنقاء، كما لو أن مرآته الوجهية، تمتحن الطبيعة، في مدى قدرتها على التجلي في سوية فضائها، تمتحن الزمن وليس العكس، ليس لأن وجهه عصي على التغير، مغاير تماماً لوجوه الآخرين، إنما هي كتاباته التي يستحيل تجاهلها في وثائقيتها المعطوفة على رحابتها الكردستانية، على يقظة المأهول بجلَدها ومجهودها الطليعي، وفي نقودها التي تطالع كل ما له صلة بنسبه الكردي: جغرافية وتاريخاً، بعيداً وقريباً، انطلاقاً من روح منذورة لهذا النوع الخاص، وغير المتوفر، والمركَّب، بدأبه السامي، لدى أي كان.
وإذ أتحدث عن بوتاني وجهاً وجيهاً وجهاً هو الجهة الضليعة في سداد الرؤية للصحيح، وليس التالف، القويم وليس المنحرف كثيراً، والمرتجى وليس الباعث عن القنوط، فلأن وجهه يستحق مثل هذا الإبلاغ الوجيز الدال عنه، ليذكر من لا يعرفه أنه كان له زمنه، وهو مؤثره .
البوتاني، أو بوتاني، كما يُتهجى أحياناً، كما هو المكان الذي يترجمه بتنوع تضاريسه، الزمان الذي يُسجّل بحضور تاريخه وهو يتجاوب مع إرادة واعدة بآتيها، مسنودة إلى أمل يشير إلى الآتي لا ينبغي تنحيته جانباً، لأنه شعلة الرؤية التي تنطلق من الماضي المتدفق بالمآسي والمقاومات ، إلى الآتي الذي يعزز ما هو كردستاني.
وما كان ليدي أن تحفز أي إصبع فيها على الكتابة، بإمرة قلبية، وجدانية لها شأنها، لولا هذا الحضور النافي لغيابه، الحضور المتخم بعطاء ثقافي، وقيمي ينعطف عليه ويعرَف به.
ما كان لهذه الكلمة أن تسلك طر يقها إلى بياض صفحتها لولا بياض مرآة وجهه ذي النباهة!
هوذا بوتاني، ها هو ذا بوتاني، هناك وهناك، كما لو ألبس محيطه الجغرافي حبور أثره.
أنى اتجهت، أنى يممت وجهي قراءة، أو طالب أنْس، أو ناشد وحدة من نوع خاص مع مضيء صفحتها، أو المفكّر في لسان لا يدخر جهداً في التأكيد على الموقف الذي يعنيه بحثاً ودرساً ومطالعة، بقدر ما يعرف الحدود التي وضعها لنفسه مع من يجالسه، أو يوجه قريباً منه، وهو يصغي إليه بكليته ، أنى نظرت أو أردت الترويح عن نفسي قليلاً يكون وجهه المرآوي بصفاء زلاله والينبوعيـ كما لو أنه يطالع سريرتي، وما في السريرة من مكنون، يبحث عمن يمكنه النظر فيه، أو سماع صوته بحوار ودّي.
أخاً كان، وما أضعف أخوَّة الراهن، لأسباب كثيرة، صاحباً كان، وما أوهن صحبة الراهن لأسباب كثيرة، صديق معرفة كان، وما أوهى معرفة الراهن، لأسباب كثيرة. وفي الكلّي الجامع: إنساناً إنساناً” ومضاعفة هنا” كان، كما تعلمني بذلك حواسي، اعتقادي بالجاري وعميق الدائر باسمه، وما أبأس إنسان الراهن، ولأسباب كثيرة، وأنا في الطريق الذي يفتتحه كتاب، ويختتمه كتاب من نوع مختلف، وبينهما كتاب مفتوح على جانبيه، كتاب من هم كانوا ولا يزالون معنيين بما أقول وأفكر، دونهما لا معنى للحياة.
لأقل: كردياً كان، وما أثقل هذا الاسم حيث الكردي يعيش مأساة اسمه ومسماه هنا وهناك!
تأبين يتم، وسيتم، وحياة تمضي في وضعيتها النهرية، تأبين حياة لا تنقطع، إنه تدشين لروح مختلفة، يمكن الشعور بسكينة فائضة بالوداعة والصفاء الروحي، لحظة النظر إلى جهته.
ليكون التذكير بالموت، تعزيزاً لحياة أكثر قابلية لأن تعاش، طالما أن هناك مدداً يأتي من جهة من أشرت إليه، أو من تحدثت عنه، من لا يحتاج إلى الحديث الطويل عنه، ففي وجهه المضاء ما يوقّد الأمل.
فيا أهل الفقيد الكبير، يا رفيقة درب الراحل الكبير، الماضي إلينا بروحه، يا أفراد عائلته الصغيرة عدداً، الكبيرة قيمة، وفي ظله الوارف ، يا أحبة الراحل: أصدقاء، أصحاباً، معارف ورفاقا، سلام عليكم وأنتم مضاؤون بإشراقة روحه، وسلام عليكم، وأنت تظهرون إخلاصاً لروحه التي تبصرنا معاً، وسلاماً لكم وعليكم وأنتم قريبون منه أو بعيدون عنه مكاناً، وأنتم تنظرون بصفاء نية إلى الأمام وهو ينظر إليكم، حيث يكون المرتجى المصادَق عليه حياتياً.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى