صبحي دقوري
بين مائدة الطعام ومائدة الأدب مسافةٌ أقصر مما نظن؛ فكما تكشف المائدة عن ذوق الإنسان في طعامه، تكشف الكتابة عن ذوقه في القول، وعن مقدار ما يحمل من معرفة وتهذيب وحسّ إنساني.
«آداب ومآدب» ليست دعوةً إلى الحديث عن الطعام وحده، ولا عن الأدب بمعناه المدرسي الضيق، وإنما هي محاولة لقراءة الإنسان من خلال ما يأكل، وما يقرأ، وما يقول، ومن يجالس، وكيف يصوغ علاقته بالعالم.
فالمائدة قد تكون مائدةً للطعام، وقد تتحول إلى مائدةٍ للفكر والحكاية والذاكرة. وعلى موائد المدن والبيوت والمقاهي، وُلدت صداقات، ونشأت خصومات، وتناقلت الأجيال حكاياتٍ لم تحفظها الكتب.
ولعل أجمل ما في الأدب أنه يجعل من التفاصيل الصغيرة ذاكرةً كبرى؛ رغيفٌ على مائدة فقيرة، فنجان قهوة في مقهى قديم، وليمةٌ تجمع الأصدقاء، أو حديثٌ عابر بين كاتبين، يمكن أن يتحول في يد الكاتب إلى شهادة على عصرٍ كامل.
هنا تلتقي الآداب بالمآدب: ما نأكله، وما نقرأه، وما نتبادله من كلام، كلها وجوهٌ مختلفة لحكاية الإنسان.
إذن لنبدأ بالمقال الافتتاحي، على أن يكون «آداب ومآدب» مفتاح الكتاب كله: مزيجًا من التأمل والسخرية والذاكرة، وفيه شيء من صرامة في النظر
آداب ومآدب
ثمة أشياء صغيرة في حياة الإنسان تبدو للوهلة الأولى أقل شأنًا من أن تكون موضوعًا للفكر، فإذا تأملتها قليلًا اكتشفت أنها تختصر سيرة كاملة. طريقة جلوسه إلى المائدة واحدة منها، وطريقة تناوله الخبز، وإكرامه ضيفه، وتقاسمه الطعام مع الآخرين، وربما حتى صمته أثناء الأكل.
فالإنسان لا يأكل الطعام وحده؛ إنه يأكل شيئًا من تاريخه.
ومن هنا تبدأ الحكاية.
لقد ظن الناس أن المائدة مكانٌ للجوع، ثم اكتشفوا، بعد آلاف السنين من التجربة الإنسانية، أنها مكانٌ للذاكرة أيضًا. حولها تعارف الناس، وتصالحوا، وتخاصموا، وعقدوا العهود، وتناقلوا الأخبار، وورث الأبناء عن الآباء حكاياتٍ لم تكتبها الكتب.
ولذلك فإن المائدة ليست خشبًا أو رخامًا أو زجاجًا فوق أربعة أرجل. إنها، في بعض البيوت، أرشيفٌ عائلي كامل.
قد تجلس أمام طبقٍ بسيط فتعود بك رائحته عشرات السنين إلى الوراء. وقد تتذوق خبزًا فتجد نفسك فجأة في بيتٍ لم يعد موجودًا، وبين أناسٍ رحلوا، وفي زمنٍ كنت تظن أنك نسيته.
وهنا يلتقي الطعام بالأدب.
فالأدب، في جوهره، ليس إلا محاولةً لإنقاذ الأشياء من النسيان.
والكاتب الذي يكتب عن رغيف الخبز لا يكتب عن الخبز وحده، بل عن اليد التي عجنته، والبيت الذي خبزه، والجوع الذي انتظرَه، والطفل الذي كان يقتسمه مع إخوته، والأب الذي يعود آخر النهار وفي يده ما يكفي العائلة.
لهذا لا أصدق الكاتب الذي يحتقر التفاصيل الصغيرة. فالذي لا يرى قيمة فنجان القهوة قد لا يرى قيمة الإنسان الذي يشربه.
في طفولتنا كان الطعام أكثر من طعام.
كان للخبز هيبة لا نعرف من أين جاءت. كان سقوط قطعة منه على الأرض يستدعي أن تُرفع وتُقبّل، لا لأن الخبز مقدس، وإنما لأن الجوع كان قريبًا من الذاكرة، ولأن من عرف قيمة الرغيف لا يدوسه.
كان الخبز في البيوت القديمة يحمل شيئًا من أخلاق الناس.
وكانت المائدة تقول، من غير كلام، إننا عائلة.
لم تكن الأطباق كثيرة، ولكن الأيدي كانت كثيرة حول الطبق الواحد. وكان القليل، حين يتقاسمه الناس بمحبة، يبدو كثيرًا.
أما اليوم فقد كثرت الأطباق أحيانًا، وقلّت المائدة.
صار لكل فرد طبقه، وهاتفه، وشاشته، ومزاجه، وحتى صمته الخاص.
نحن نعيش عصرًا تستطيع فيه العائلة أن تجلس حول مائدة واحدة، بينما يكون كل فرد منها جالسًا في عالم مختلف.
وهذه واحدة من مفارقات الحضارة الحديثة: لقد قربت المسافات بين القارات، وأبعدت أحيانًا المسافة بين شخصين يجلسان جنبًا إلى جنب.
ومن آداب المائدة أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت.
وهذه قاعدة تصلح للمائدة وللحياة معًا.
فالذين لا يعرفون متى يصمتون في الطعام هم أنفسهم، في الغالب، الذين لا يعرفون متى يصمتون في الكلام.
وكم من مائدة أفسدها رجلٌ لا يملك إلا شهية الطعام وشهية الحديث!
إن بعض الناس يعتقد أن امتلاك اللسان يعني امتلاك الحق في استعماله بلا توقف، مع أن أجمل الكلام هو الذي يعرف صاحبه أين يبدأ وأين ينتهي.
ولعل الصمت على المائدة أرقى من كثير من الخطب.
أن تأكل دون أن تستعرض، وأن تتحدث دون أن تستأثر، وأن تترك للآخرين مكانًا في الحديث كما تترك لهم مكانًا في الطبق؛ هذه ليست قواعد إتيكيت فحسب، بل أخلاق.
ثم جاءت القهوة.
والقهوة قصة أخرى.
لم تكن القهوة في حياتنا مجرد شراب ساخن. كانت موعدًا، وذريعةً، ورفقةً، وأحيانًا وطنًا صغيرًا.
“تعال نشرب قهوة” قد تعني في بعض البيئات: تعال نتحدث.
وقد تعني: اشتقت إليك.
وقد تعني: لدي ما أريد أن أقوله لك.
وقد تعني أحيانًا: لا أريد منك شيئًا سوى أن تجلس قليلًا.
ولهذا لا ينبغي أن نقيس الأشياء الصغيرة بأثمانها المادية.
ففنجان القهوة قد يكون أرخص ما على الطاولة، ولكنه أحيانًا أغلى ما فيها.
وفي المقاهي ولدت صداقات أكثر مما ولدت في قاعات الاحتفالات.
كان المقهى جامعةً بلا أساتذة، ومجلسًا بلا بروتوكول، ومكتبةً بلا رفوف.
هناك يلتقي العامل بالشاعر، والطالب بالسياسي، والكاتب بالعابر، ويستطيع رجلٌ مجهول أن يدخل في نقاشٍ لم يكن يستطيع دخوله في مكتب مسؤول أو صالون مثقف.
ولذلك كانت المقاهي، في تاريخ المدن، أكثر من أماكن للشرب.
كانت أماكن لصناعة الأفكار.
وقد عرف الأدباء ذلك مبكرًا.
فالكاتب يحتاج أحيانًا إلى الناس أكثر مما يحتاج إلى العزلة.
العزلة تمنحه الجملة، لكن الناس يمنحونه الحياة التي تملأ الجملة.
وأنا أظن أن للمائدة علاقة عميقة بالثقافة.
فكما توجد ثقافات في الكتب، توجد ثقافات في الطعام.
هناك شعب يأكل مع الآخرين، وشعب يأكل منفردًا.
هناك مجتمع يرى الضيف بركة، ومجتمع يراه عبئًا.
هناك بيت يفرح حين يأتيه الضيف فجأة، وبيت يرى في المفاجأة اعتداءً على جدول أعماله.
ومن هنا يمكن قراءة المجتمعات من موائدها.
ليست المسألة في نوع الطعام وحده، بل في العلاقة بالآخر.
فالكرم ليس كثرة الطعام.
قد تضع أمام ضيفك عشرين طبقًا ولا تمنحه دفء القلب، فيشعر بالجوع وهو شبعان.
وقد تضع أمامه خبزًا وزيتًا وشايًا، فيخرج من بيتك وهو يحمل وليمةً كاملة في ذاكرته.
وللكردي مع المائدة حكاية طويلة.
فالخبز والملح ليسا عنده مجرد مادتين من مواد الطعام، وإنما يدخلان في لغة الوفاء نفسها.
وحين يشارك الإنسان آخر خبزه، فهو لا يقدم له طعامًا فقط؛ إنه يقول له بطريقة صامتة: أنت من أهلي ما دام هذا الخبز بيننا.
ولهذا كان للضيافة مكانة كبيرة في البيوت الكردية القديمة، حيث يمكن للبيت أن يكون فقيرًا، لكن بابه لا يكون فقيرًا.
وما أكثر البيوت التي لم يكن فيها ما يكفي أصحابها، ومع ذلك كان الضيف يجد نصيبه.
وهذه واحدة من أعظم مفارقات الفقر: قد يكون الإنسان فقيرًا في الأشياء، غنيًا في العطاء.
لكن للمآدب وجهًا آخر.
فإذا كانت المائدة تستطيع أن تجمع الناس، فإنها تستطيع أيضًا أن تكشف غرورهم.
هناك مآدب يأكل فيها الناس أكثر مما يتحدثون، وهناك مآدب يتحدثون فيها أكثر مما يفكرون.
وهناك مآدب لا يكون الطعام فيها سوى خلفية لاستعراض المال.
وفي هذه الحالة تتحول المائدة من مكان للضيافة إلى مسرح للطبقية.
فالإنسان الذي يفاخر بثمن ما يأكل لا يثبت بالضرورة أنه غني؛ قد يثبت فقط أنه لا يعرف ماذا يفعل بالغنى.
الغنى الحقيقي أن تستطيع أن تجعل الآخرين يشعرون بالكرامة إلى جوارك، لا أن تجعلهم يشعرون بفقرهم.
وهنا نصل إلى الأدب.
فالأدب مائدة أخرى.
ولكن الطعام فيها من نوع مختلف.
على هذه المائدة يجلس دوستويفسكي إلى جانب المتنبي، ويجلس طه حسين إلى جانب العقاد، ويجلس ماركيز إلى جانب بورخيس، وقد يدخل شاعرٌ كردي لا يعرفه أحد فيجلس إلى جوارهم دون أن يطلب إذنًا.
الكتب لا تسأل أصحابها عن جوازات السفر.
وهذه من أجمل فضائلها.
يمكن أن تفتح كتابًا في باريس فتدخل بغداد.
وتفتح آخر فتجد نفسك في دمشق.
وثالثًا فتعود إلى كردستان.
ورابعًا يأخذك إلى روسيا.
إن الكتاب أعظم وسيلة اخترعها الإنسان للسفر دون أن يغادر كرسيه.
لكن هناك فرقًا بين من يقرأ ليعرف، ومن يقرأ ليتباهى بأنه يعرف.
الأول يخرج من الكتاب أكثر تواضعًا.
والثاني يخرج منه أكثر غرورًا.
وكلما اتسعت معرفة الإنسان الحقيقية، أدرك اتساع جهله.
ولهذا كان بعض كبار المثقفين أكثر الناس حذرًا في إطلاق الأحكام، بينما تجد أنصاف المتعلمين مستعدين لإصدار حكم نهائي في الفلسفة والتاريخ والسياسة والدين والأدب دفعة واحدة، وربما أثناء تناول الحلوى.
إن المائدة الثقافية، مثل مائدة الطعام، تحتاج إلى أدب.
لا يجوز أن تلتهم فكرة الآخرين كما تلتهم طبقًا أمامك.
استمع.
تذوق.
ناقش.
واترك شيئًا للآخرين.
ولعل أجمل ما في «آداب ومآدب» أن الكلمتين، على اختلافهما، تكشفان شيئًا واحدًا: الإنسان.
الآداب تقول لنا كيف ينبغي أن نعيش مع الآخرين.
والمآدب تقول لنا كيف نعيش معهم في لحظة من لحظات الحياة.
والفرق بين إنسان مهذب وإنسان فظ ليس في ملابسه، ولا في ثمن سيارته، ولا في عدد الكتب التي يضعها على رفوفه.
قد يكون الرجل أنيقًا جدًا، ولكنه يجرح الناس بكلمة.
وقد يكون فقيرًا جدًا، ولكنه يعرف كيف يمنح ضيفه آخر قطعة خبز.
وهنا يصبح الفقير أغنى من الغني.
لقد تعلمت، مع مرور السنوات، أن الإنسان لا يأخذ معه في النهاية إلا القليل.
لا يأخذ مائدته، ولا بيته، ولا مكتبه، ولا كتبه كلها.
ولكنه يترك شيئًا من ذلك كله في ذاكرة الآخرين.
قد لا يتذكر أحفادك كم أنفقت على الطعام في إحدى الليالي، لكنهم قد يتذكرون أنك جعلتهم يشعرون بأنهم محبوبون.
وقد لا يتذكر صديقك عنوان الكتاب الذي أهديته إليه، لكنه قد يتذكر أنك جلست معه ساعةً كاملة حين كان يحتاج إلى من يسمعه.
وهذه هي المائدة الحقيقية.
ليست تلك التي نضع عليها الطعام.
بل تلك التي نضع عليها شيئًا من أنفسنا.
لهذا أقول:
قل لي كيف تأكل، أقل لك شيئًا عن ذوقك. وقل لي كيف تضيف، أقل لك شيئًا عن قلبك. وقل لي كيف تتحدث، أقل لك شيئًا عن عقلك. وقل لي ماذا تقرأ، أقل لك شيئًا عن عالمك. وقل لي كيف تعامل من لا تحتاج إليه، أقل لك من أنت.
فالأدب في نهاية الأمر ليس كتابًا فقط.
قد يكون رغيفًا تقسمه.
وقد يكون مقعدًا تفسحه.
وقد يكون فنجان قهوة تنتظر به صديقًا تأخر.
وقد يكون كلمةً تمتنع عن قولها لأنك تعرف أنها ستؤذي إنسانًا.
وقد تكون مائدةً صغيرة، حولها أناس قليلون، ولكن كل واحد منهم يشعر أنه في بيته.
وهنا تنتهي المسافة بين الآداب والمآدب.
فالمائدة التي لا تُهذّب الإنسان ليست إلا طعامًا.
والكتاب الذي لا يجعله أكثر إنسانية ليس إلا حبرًا.
أما حين يجتمع الخبز والكتاب، والضيافة والمعرفة، والذوق والفكر، يصبح الإنسان نفسه مائدةً مفتوحة للحياة.
وهذه، في ظني، هي المأدبة التي لا تنتهي.

التعليقات (0)