صدر عن منشورات رامينا في لندن كتاب «سيرة طفل كاد أن يسقط من المجرّة فحبا» للفنان السوري بشار العيسى، مستعيداً رحلة تمتدّ من براري الجزيرة السورية وقراها إلى المدن والمنافي، وتتداخل فيها الطفولة والسياسة والفن والحب، وتنكشف عبر تفاصيلها آثار التحوّلات التي عاشها الكاتب وعبرت مجتمعه وأمكنته.
ينطلق الكتاب من ذاكرة طفل يحدّق في المجرّة فوق البراري، ويصغي إلى حكايات الرعاة والقوافل والجنّ والبطولات والأغاني. وفي هذا العالم تتشكّل علاقته الأولى بالطبيعة والناس والمرويات الشعبية، وتتكوّن الصور التي سترافقه في تنقّلاته، وتترك آثارها في تجربته التشكيلية والكتابية.
يستعيد العيسى مشاهد الفقر والمدرسة والعمل والعائلة، وما ارتبط بها من قسوة وخوف ودهشة، متتبّعاً مصائر أشخاص حفظت ذاكرته وجوههم وأصواتهم وحكاياتهم. ومن تفاصيل الحياة اليومية، تتّسع السيرة لتضيء مجتمعاً تتغيّر علاقاته ووسائل عيشه وصلاته بالعالم، وجغرافيا تعاقبت عليها الحدود والصراعات والهجرات.
وتحضر الجزيرة السورية بتنوّعها الثقافي واللغوي، وبما تختزنه من حكايات وأغانٍ وأسماء محلية للقرى والبراري والمعابر. يمنح العيسى هذه الأسماء مساحة في السرد، ويستعيد معها إيقاع الحياة في الأمكنة الأولى، وصلات الناس بالأرض والمواسم والأساطير، والطريقة التي امتزج فيها الواقع بالمخيّلة في وعي الطفل.
وفي تمهيد الكتاب، يكتب: «أبحث عن اسمي وذاكرتي ومباهج طفولتي»، في عبارة تختصر جانباً من انشغال السيرة بما تتركه الرحلات الطويلة في الإنسان، وما يتناثر من حياته بين البيوت والمدن والحدود. فالذاكرة تستدعي الأمكنة بروائحها وأصواتها، وتعيد الوجوه الغائبة إلى الحكاية، فيما يرافق الحنينَ وعيٌ بقسوة الحياة الأولى وما عرفته من حرمان.
ويتداخل المسار الشخصي مع التاريخ العام، فتدخل السياسة والحرب والملاحقة والهجرة في نسيج التجربة، إلى جانب الأصدقاء والكتب والعلاقات والخيبات. ويتناول العيسى جوانب من تجربته السياسية والحزبية، مستعيداً مواقف وخلافات وأسئلة تتصل بمراجعة الماضي، والعلاقة بين الالتزام السياسي واستقلال الفرد، وما تتركه التجربة التنظيمية في حياة المشاركين فيها.
ويضمّ الكتاب مراسلات بين العيسى ورياض الترك، تكشف جوانب من الخلاف بينهما ومحاولات مراجعته. ومن بينها رسالة اعتذار مؤرّخة في 11 كانون الثاني/ يناير 2003، تتناول ما شاب علاقتهما من جفاء، وتفتح نافذة على ذاكرة العمل الحزبي والعلاقات الشخصية في أوساط المعارضة السورية. ويضيف حضور هذه الرسائل بعداً توثيقياً إلى السرد، يتيح للقارئ الاقتراب من لغة تلك العلاقات وتوتّراتها كما تظهر في المراسلات المنشورة.
وتكتسب السيرة خصوصيتها من حضور الفنان الذي يستعيد حياته بعين اعتادت تأمّل اللون والظل والوجوه. وتتقاطع الكتابة مع الرسم في استرجاع المشاهد، وتتبّع ما خلّفته الأمكنة والعلاقات والفواجع في الذاكرة، فيغدو الفن وسيلة لحفظ صور المفقودين والمهاجرين والمنسيّين، ومواجهة ما أحدثته الحروب والمنافي من محو وتشتّت.
وتفتح هذه العلاقة بين الكتابة والتشكيل مجالاً لقراءة منابع تجربة العيسى الفنية؛ حيث تعود حكايات الطفولة وصور النساء العاملات وأغاني الحصادين ومشاهد الرحيل والعنف، لتظهر ضمن تأمّلاته في ما يرسمه وما يكتبه. وتلتقي في هذه الاستعادة خبرته الفردية مع ذاكرة أوسع، تمتدّ إلى الأسطورة والتاريخ وتجارب الآخرين.
وفي خاتمة بعنوان «لقاء على مفرق طريقين»، يستحضر العيسى أبا حيان التوحيدي في حوار متخيّل حول الغربة والكتابة والرسم. ويتيح هذا اللقاء انتقال السيرة من استعادة الوقائع إلى مساءلة التجربة الإبداعية، وما يصلها بالوجع والحب والذاكرة الإنسانية، مع عودة متجدّدة إلى الطفل الذي ظلّ حاضراً في أعماق صاحبها.
ويحمل عنوان الكتاب صورة ذلك الطفل الذي كاد أن يسقط من المجرّة ثم أخذ يحبو فوق الأرض، مكتشفاً عالماً تتجاور فيه الدهشة والمخاوف. وعلى امتداد السيرة، يظلّ الطفل رفيق الفنان في رحلته، يستعيد من خلاله مشاهد البدايات، ويسائل المسافات التي فصلته عنها، وما استطاع حمله معه عبر الحدود.
يقع «سيرة طفل كاد أن يسقط من المجرّة فحبا» في 456 صفحة من القطع الكبير، وقد تولّت ستير حسو تصميم الغلاف والإشراف العام على المخطوط، ونفّذ الغلاف محمد حسن، فيما جاءت خطوط الغلاف للفنان عباس يوسف.
تعريف بالفنّان بشار العيسى
بشار العيسى، فنان وناقد تشكيلي وتاريخي وكاتب بخصوصية متميزة في تجربته الفنية والفكرية. أنجز مشروعه التشكيلي من خلال 43 معرضاً فردياً في سوريا وفرنسا وألمانيا وسويسرا وبحرين. أنجز نحو ألفي عمل فني تنوعت بين الزيتي والأحبار بتقنيات خاصة به، وهو صاحب مدرسة بالفن فلسفةً وتقنيةً، ويعتبر أنّ مشروعه الفني قد اكتمل وهو في عمر السادسة والسبعين.
تضم أعماله مجموعات فنية تناولت الأسطورة والتاريخ والذاكرة الإنسانية، من أبرزها: «حاملات القش الكرديات»، و«عن بلاد ميزو بوتاميا بعنوان: فضاءات محترقة، أرض وأسطورة»، و«طريق الحرير: أسطورة وثقافة»، و«الكوميديا الإنسانية» إلى جانب أعمال تناولت مجازر ديرسم، ومجازر سلطة الأسد بحق الشعب السوري، ومجموعة من مئة لوحة عن سبي ومجازر النساء اليزيديات.
مارس السياسة، ثم توقف عن الحياة الحزبية منذ 1989 ليتفرغ للرسم والكتابة السياسية والتاريخية والنقدية.
إلى جانب مشروعه التشكيلي، وفضلاً عن سيرته «سيرة طفلٍ كاد أن يسقط من المجرّة فحبا» صدر له كتاب «شغف»، وله جزء ثانٍ يشكّل جسراً بين «شغف» والسيرة، ويتناول من منظور فلسفي مسألة العدالة والتشريعات الإنسانية تجربة ودراسات تاريخية. كما صدرت عن أعماله الفنية خمسة كتب وكتالوغات تضم صوراً لأعماله ونصوصاً ودراسات نقدية عنها.

التعليقات (0)