دلاور زنكي
ليس صبحي دقوري مجرّد اسمٍ في قائمة الكتّاب الكرد، بل هو مشروعٌ يتشكّل، ووعيٌ يعيد ترتيب ذاته، وصوتٌ خرج من صمتٍ طويل ليمنح الهوية الكردية لغتها الجديدة. في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتضيع فيه البوصلات، جاء دقوري ليضع حجره الهادئ في جدار الذاكرة؛ حجرًا لا يعلو بالصوت، بل بالمعنى. فمن الترجمة إلى الفلسفة، ومن الكتابة السوسيولوجية إلى صناعة الصورة، عمل على تفكيك الهوية ثم إعادة بنائها بلا ضجيج، وبجرأة الباحث الذي يعرف أن الشعوب لا تنهض بالشعارات، بل بالعقول التي تحوّل التجربة إلى خطاب، والجرح إلى معرفة. صار صبحي دقوري أحد المهندسين الخفيّين للوعي الكردي الحديث؛ لا يبني دولة بحدود، بل يبني وعيًا بلا حدود.
صبحي دقوري… تشكُّل العقل الكردي في زمن الانبثاق
في قلب السردية الكردية الحديثة، التي تشكّلت فوق طبقات من الألم واللغة والبحث عن مكان تحت الشمس، ولد اسمٌ عمل بصمتٍ لا يشبه الصمت، وبإصرار لا يشبه الضجيج: صبحي دقوري. لم يظهر بوصفه كاتبًا عابرًا في زمن تتزاحم فيه الأسماء، ولا ناشطًا يكتب على إيقاع الأحداث؛ بل بوصفه مشروعًا يتشكّل ببطء، شبيهًا بتلك الجذور التي تنمو تحت الأرض قبل أن تعلن عن نفسها فوقها. لقد دخل المشهد من بوابات متعددة—الترجمة، الفلسفة، السرد، سوسيولوجيا الهوية—وكلّ بوابة كانت تفضي إلى الأخرى، حتى صار خطابه جزءًا من التحوّل الذي تشهده الهوية الكردية في سوريا وخارجها.
لم يكن مشروعه في الترجمة نقلاً للنصوص من لغة إلى أخرى، بل كان محاولة لاستعادة العقل الكردي من حدوده الضيقة نحو الأفق العالمي. فحين يترجم، يفتح نافذة لا للكرد فقط بل للعالم أيضًا، ويجعل اللغة الكردية والعربية قادرتين على استيعاب الفكر الغربي الحديث بلا تبعية ولا زينة لفظية. وفي كلّ عملٍ نقله إلى العربية أو الفرنسية، كان يمارس نوعًا من “إعادة خلق النص”، بحيث لا تبدو الترجمة ظلاً، بل تبدو ولادة ثانية. وهذه القدرة على التعامل مع النصوص بوصفها كيانات حيّة جعلت منه واحدًا من الأصوات التي نقلت الهوية الكردية إلى مستوى جديد من الدقة والعمق، مستوى يوازي حضور الشعوب التي تمتلك أدواتها المعرفية وسياقاتها النظرية.
أما في الفلسفة، فإن دقوري لم يقف عند حدود التأمل أو الوعظ، بل اشتغل على منطقة أكثر حساسية: المنطقة التي تلتقي فيها الهوية بالمعرفة، والذاكرة باللغة، والمنفى بالأرض. كان يؤمن أن الكردي ليس حالة تاريخية عالقة في الصراعات، بل ذاتًا قادرة على إنتاج المفهوم، وصياغة النظرية، وخلق خطاب ينتمي إلى العالم لا إلى الجغرافيا وحدها. ولذلك، جاءت كتاباته الفلسفية خالية من التكلّف المدرسي، وقريبة من الروح التي تسعى إلى فهم الوجود عبر تجارب بشرية صادقة، ومن هنا كان اشتغاله على “سوسيولوجيا الحضور” محاولة لتأسيس خطاب جديد يتجاوز الانقسامات القديمة، ويعيد قراءة الكردي بوصفه فاعلًا فكريًا في الوجود لا ضحية على هامشه.
ولأن الفلسفة وحدها لا تكفي، جاء السرد ليملأ المساحة التي لا يصل إليها المفهوم. فـ«مدارج الحلم الكردي» ليست رواية بالمعنى التقليدي، بقدر ما هي محاولة لتجسيد ذلك التوتر العميق بين المنفى والوطن، بين اللغة والحلم، بين روني وسيما وبين تلك المسافة الخفية التي يعبرها كل كردي حين يذهب بحثًا عن نفسه في عالم لا يشبهه. هذه الرواية، مثل النصوص الفكرية التي سبقتها، ليست فعل كتابة فقط، بل فعل بناء: بناء لوعيٍ يرى الهوية رحلة أكثر منها وثيقة، ويدرك أن الوجود الكردي ليس مجرد صراع سياسي، بل تجربة إنسانية تسعى لخلق معنى جديد للعالم.
ولعل النقطة الأكثر أهمية في مشروع دقوري هي أنه لم يكتب من الداخل فقط، بل من الداخل والخارج معًا؛ من سوريا ومن باريس؛ من القرى الكردية ومن الجامعات الأوروبية؛ من الألم ومن الفلسفة؛ من الضياع ومن البناء. هذه الازدواجية الخلّاقة جعلت خطابه قادرًا على الترجمة بين عالمين: عالم يبحث عن ذاته، وعالم يبحث عن الآخر. ولذا استطاع أن يمنح الهوية الكردية “صورة عالمية” لا تعتمد على الضحية، بل على العقل، ولا تستجدي الاعتراف، بل تصنعه.
من خلال دار النشر في باريس، ومن خلال الفصل بين النص والهوية، ومن خلال العودة إلى الذاكرة الكردية خارج الخطاب الحزبي الضيق، صنع صبحي دقوري نموذجًا جديدًا للمثقف الكردي: المثقف الذي يبني المؤسسات، لا المقالات فقط؛ الذي يفتح الأبواب للآخرين، لا يغلقها؛ الذي يرى الهوية مشروعًا مستمرًا، لا حقيقة جاهزة. وما يميّز هذا النموذج أنه يرفض فكرة “المثقف النائم فوق المعاناة”، ويرفض في الوقت ذاته فكرة “المثقف الصارخ فوق الجرح”، ويختار موقعًا ثالثًا: موقع البنّاء الذي يعرف أنّ الكلمات لا تغيّر العالم وحدها، لكنّها تصنع الوعي الذي يغيّر العالم.
إن دور صبحي دقوري في السوسيولوجيا الكردية ليس دور باحثٍ يرصد الظواهر فقط، بل دور مهندس يعيد تشكيل البنية العميقة للخطاب. لقد سعى إلى إنشاء لغة جديدة للهوية، لغة تتجاوز الثنائية القديمة بين “القومي” و“الإنساني”، وتضع الكردي في موقعه الحقيقي: جزءًا من العالم، وحارسًا لذاكرته، وباحثًا عن معناه. ولذلك، فإن مشروعه لا يمكن أن يُختصر في كتاب أو رواية، لأنه في الحقيقة مشروع حضور، مشروع صورة، مشروع وعي يُبنى لبعد زمنيّ طويل.
وفي النهاية، لا يمكن الحديث عن الحضور الكردي في القرن الحادي والعشرين دون الإشارة إلى هذا الجهد الذي يعمل بصمت، لكنه يؤثر بعمق. صبحي دقوري ليس مجرد كاتب، ولا مجرد مترجم، ولا مجرد باحث؛ إنه واحد من تلك العقول التي تتقدّم خطوة واحدة فقط كل مرة، لكنها تغيّر الطريق كله. وهذا هو الدور الذي يبقى: أن تكون جزءًا من التحوّل، لا من الصدى. وأن تكتب من أجل المستقبل، لا من أجل اللحظة. ولهذا، فإن صبحي دقوري، في سياق “سوسيولوجيا الحضور الكردي”، هو أحد الذين مهّدوا الطريق لجيل جديد يرى نفسه، للمرة الأولى منذ زمن طويل، في مرآة العالم.

التعليقات (0)