قراءة في كتاب

أنثى الفصول الأربعة: وجه آخر للحياة.. قراءة جمالية في رواية أحمد طايل

عبد الجابر حبيب

العنوان وعتبة الدخول إلى العالم الروائي

يحمل عنوان رواية أحمد طايل “أنثى الفصول الأربعة” طاقة إيحائية تستدعي التحول والتقلب، وتوحي بأن الشخصية الإنسانية ليست حالة ثابتة، بل كيان تتعاقب داخله الفصول بما تحمله من دفء و خصب، وانكسار وغياب. ويأتي العنوان الفرعي “وجه آخر للحياة” ليضيف بُعداً تأويلياً، كأنه يدعو القارئ إلى النظر خلف المظاهر المعتادة، بحثاً عن المعاني التي لا تظهر في القراءة الأولى للحياة. ولا يتوقف هذا المعنى عند العنوان وحده، بل يجد ما يسنده في الكلمة التي يضعها الروائي في مقدمة عمله، حين يقول إن الحياة “ليست مجرد جدران نعيش بين حجارتها، بل لا بد لها أن تُعاش بالنبض، والإحساس، والاهتمام، والاحترام”. تكشف هذه العبارة عن المنظور الإنساني الذي تنطلق منه الرواية، لكنها تضعنا أيضاً أمام سؤال فني: كيف تتحول هذه الرؤية من فكرة معلنة إلى تجربة روائية تتجسد في الشخصيات، والأحداث والعلاقات؟

الحكاية بين الخاص والعام

لا تسير الرواية في خط حكائي واحد مغلق، بل تتسع لتضم حكايات متداخلة تتصل بالعائلة والصداقة، والحب والغربة والذاكرة الفلسطينية، وتتحرك من التجربة الفردية إلى أسئلة اجتماعية، وسياسية أوسع. يشكّل رؤوف كامل نقطة ارتكاز مهمة في هذا البناء، غير أن العالم المحيط به لا يظل تابعاً لحكايته وحدها، بل يفتح أبواباً على تجارب الآخرين، ومصائرهم. يتجلى ذلك في حكاية عايدة النجار، التي تختصر علاقتها بمصر ” أنا عاشقة لمصر بلا ضفاف” لا تؤدي العبارة وظيفة التعبير عن الحنين فحسب، بل تكشف عن شخصية موزعة بين أمكنة متباعدة، وعن انتماء عاطفي لا تحدّه الإقامة الجغرافية، وهكذا تمنح الحكايات الجانبية الرواية اتساعاً إنسانياً، وإن كان هذا الاتساع يطرح سؤالاً حول قدرة اندماج بعض الحكايات في المسار المركزي، ومدى إسهامها في دفعه بدلاً من الاكتفاء بإضافة موضوعات جديدة إليه.

رؤوف كامل: الشخصية بين الذاكرة والطموح

تتشكّل شخصية رؤوف كامل من تداخل جذوره العائلية مع تجاربه خارج الوطن، ومن علاقته بالأصدقاء، والأهل، وما يترسب في داخله من ذكريات. لا يبدو الماضي عنده زمناً منقضياً بقدر ما يظل قوة حاضرة في وعيه، واختياراته. حيث يظهر هذا المعنى في استعادته لصديقه بسام، حين يتمتم “سامحك الله يا بسام؛ كنت رفيقاً علمتني كيف أستمتع بلحظات الحياة حتى المؤلمة منها” هنا لا يقدّم السرد الصداقة باعتبارها علاقة اجتماعية عابرة، بل باعتبارها تجربة تُعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى الحياة، حتى بعد غياب صاحبها، ومع ذلك، تبدو شخصية رؤوف في مواضع كثيرة محاطة بأسباب التماسك، والدعم، الأمر الذي يجعل صراعه الداخلي أقل بروزاً مما تسمح به تجاربه المتعددة. كان من الممكن أن يكتسب مساره عمقاً أكبر لو ظهرت التناقضات التي يواجهها في صورة مواقف، واختيارات صعبة، لا في صورة تأملات واستعادات وحدها.

بسام: الصداقة بوصفها عبوراً بين عالمين

تكتسب علاقة رؤوف ببسام أهمية تتجاوز حدود الصداقة التقليدية، لأن الاختلاف الاجتماعي بينهما لا يتحول إلى حاجز يمنع التقارب، فبسام، الذي ينتمي إلى بيئة ميسورة، لا يحصر اهتمامه في طبقته، أو محيطه المعتاد، وإنما ينجذب إلى الناس البسطاء، وإلى تفاصيل حياتهم اليومية. ويكشف السرد عن هذا الجانب حين يروي إصراره على ارتياد مقاهي الحواري، والأزقة، ومخالطة روادها، ثم ينقل العبارة التي كان يكررها: “هؤلاء هم الصادقون والواضحون” تضيء هذه العبارة جانباً من فلسفة بسام، وتكشف عن رغبته في تجاوز الأحكام التي تصنعها الفوارق الطبقية، والبحث عن الصدق في العلاقات الإنسانية المباشرة، وتنجح الشخصية هنا في أداء وظيفة فكرية من داخل السلوك، لا من خلال التنظير وحده؛ غير أن بعض المواقف التي تحمل فلسفته تميل إلى التصريح بالمغزى، وكان يمكن للمفارقات العملية أن تمنح هذه الرؤية مزيداً من الحيوية، والتعقيد.

سميرة والعلاقات العاطفية والعائلية

لا تقدّم الرواية الحب باعتباره لحظة عاطفية منفصلة عن الحياة اليومية، بل تربطه بالتفاصيل الصغيرة التي تمنح العلاقة استمرارها، ودفئها. وتظهر سميرة في ذاكرة رؤوف من خلال حضورها في الأشياء التي تركتها وراءها، وفي الطريقة التي كانت تنظر بها إلى تفاصيل العيش المشترك. ومن ذلك قولها عن الكرسي الهزاز “لكي تكون جلستك نوعاً من المساج النفسي، والروحاني”. تبدو العبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف عن طبيعة اهتمامها براحة الآخر، وعن قدرتها على تحويل تفصيل منزلي إلى علامة على الرعاية، والمودة. وفي استعادة رؤوف لها، لا يحضر الغياب بوصفه فكرة مجردة، بل يعود عبر الأشياء، والأصوات والطقوس التي كانت تجمعهما. وهذه من المناطق التي ينجح فيها السرد في تقريب العاطفة من التجربة الملموسة، وإن كانت بعض المقاطع الوجدانية تميل إلى شرح الحزن بعد أن تكون الصورة قد أوصلته بالفعل، وهو ما يقلل أحياناً من مساحة الصمت التي يحتاج إليها الأثر العاطفي كي يستقر في القارئ.

الذاكرة الفلسطينية: من الحكاية الفردية إلى الجرح الجمعي

تتسع الرواية من حكايات العائلة، والأصدقاء إلى الذاكرة الفلسطينية، فتستحضر تجربة الاقتلاع من الأرض، وما تتركه في الإنسان من شعور بالانقسام بين مكانين، وتكتسب هذه الذاكرة قوتها حين تُروى من خلال سيرة شخصية، وتجربة عائلية، لا حين تبقى عنواناً سياسياً عاماً. نجد في حكاية والد عايدة، محمد النجار، ترد الإشارة إلى أنه عاش في أسدود حتى الثانية عشرة من عمره، ثم تركها مع كثيرين ممن غادروا ديارهم قسراً بعد حرب عام 1948. إن ربط التهجير بعمر محدد، وبيت وذاكرة عائلية يمنح الحدث التاريخي وجهاً إنسانياً، ويجعل الفقد تجربة ممتدة في الأجيال، لا واقعة تنتهي بانتهاء لحظتها. كما أن انقسام عايدة بين رعاية والديها في غزة، وحياتها الأسرية في واشنطن يترجم أثر التهجير في الحاضر. لكنها تصرّح بموقفها السياسي بوضوح مباشر، كما في حديثها عن الدولة التي تعيش فيها، وسياساتها.

الموت والصداقة: حين تتكلم اللحظة أكثر من الشرح

من المشاهد المؤثرة في الرواية مشهد وفاة كامل عقب دفن صديقه نادي. فبعد أن ينهار كامل أمام المقبرة، يأتي صوت الطبيب مقتضباً “البقاء لله”، ثم تتبع ذلك همسة أحد الحاضرين: “سبحان الله! رفقاء من الصغر حتى الممات”. لا تحتاج اللحظة إلى تفسير طويل؛ إذ يتكثف فيها معنى الصداقة الممتدة حتى النهاية، ويتحول الموت من حدث فردي إلى فقد مزدوج، كأن الحزن استدعى صاحبه ليلحق بصديقه، فتأتي عبارة “رفقاء من الصغر حتى الممات” لتمنح المشهد دلالته، لا عبر خطاب فلسفي مطوّل، بل من خلال تعليق عابر يخرج من قلب الصدمة. هنا يقترب السرد من الاقتصاد الفني، حيث يتولد الأثر من ترتيب الحدث، وتجاور الموتين ورد فعل الشهود، ويكشف هذا المشهد عن قدرة الرواية على بلوغ التأثير حين تترك للواقعة أن تحمل معناها، من دون الإفراط في تفسيره.

المكان: القرية والمدينة والغربة

يتجاوز المكان في الرواية وظيفة الخلفية التي تتحرك الشخصيات فوقها، ليصبح عنصراً في تشكيل رؤيتها إلى العالم. فالقرية تحضر بوصفها ذاكرة الجذور، والعائلة، والعادات، بينما تظهر المدينة في زحامها، وتغيراتها، وتقدم الغربة نموذجاً مختلفاً لتنظيم الحياة العامة، ويكشف تأمل رؤوف لشوارع واشنطن عن المقارنة التي يعقدها بين المكانين، حين يصف حال بلاده بقوله “وكأننا عشقنا القبح ورأينا فيه تميزاً” تحمل العبارة نبرة نقدية واضحة، إذ تحول الفوضى العمرانية، والسلوكية إلى مسألة ثقافية تتصل بما اعتاده الناس وما صاروا يقبلونه. لكنها تميل في الوقت نفسه إلى تعميم الحكم، وتضع المكانين في تقابل حاد بين النظام، والفوضى. وكان يمكن أن تكتسب المقارنة عمقاً أكبر لو ظهرت وجوه الحياة المتعددة في كل مكان، بما فيها التناقضات التي لا تختزل مجتمعاً كاملاً في صورة واحدة. أما القرية، فتحتفظ بمكانة وجدانية خاصة؛ فهي ليست مجرد موطن أول، بل مساحة تستعيد فيها الشخصية اتصالها بتاريخها العائلي، وتجد في طقوسها امتداداً لما تحمله من قيم وذكريات.

السرد والحوار: بين المشهد والتفسير

يتنقل السرد بين الحاضر، والاستعادة، وبين حياة رؤوف في الغربة، وما يربطه بالماضي، ويستعين بالحوار لتقديم الشخصيات، وإظهار مواقفها. وفي بعض المواضع، ينجح الحوار في الكشف عن الشخصية من خلال عبارتها الخاصة، كما في حديث بسام عن الحياة، والناس، أو في حديث عايدة عن انقسامها بين البلدان. وفي مواضع أخرى، يقترب الحوار من أداء وظيفة تفسيرية، فيشرح الفكرة التي يريد النص إيصالها بصورة مباشرة، ويظهر الفرق بين الأسلوبين حين يقف السرد عند رد فعل مقتضب في مشهد الموت، فيترك للصمت، والذهول أن يكملا الدلالة، وحين تطول بعض الحوارات في عرض المواقف الاجتماعية، والسياسية حتى تصبح الشخصيات أقرب إلى متحدثين باسم أفكارهم. ولا يعني ذلك أن الحوار ينبغي أن يخلو من التأمل أو الرأي، بل أن تتولد الفكرة من اختلاف الشخصيات، وتجاربها، ومصالحها، بحيث لا تتحدث جميعها باللغة نفسها، أو تؤدي الوظيفة الفكرية ذاتها. لذلك نجح الراوي في انتقالاته بين الحكايات، وجعل تعدد المسارات نابع من بنية واحدة، لا من تجاور حكايات مستقلة.

اللغة والأسلوب: وضوح التعبير وحدود المباشرة

تعتمد الرواية لغة واضحة قريبة من القارئ، وتستمد جزءاً من حيويتها من التفاصيل اليومية التي تمنح العلاقات الإنسانية ملمساً واقعياً، وتظهر هذه القدرة في حديث سميرة عن التفاصيل الصغيرة، وفي مشاهد الحياة المنزلية، والزيارات العائلية، واللقاءات التي تستعيد بها الشخصيات روابطها.

كما تتجلى اللغة ذات النبرة النقدية في وصف رؤوف للمدينة، حين يربط الفوضى المكانية بعادة اجتماعية أصبحت مألوفة.

غير أن وضوح العبارة يتحول أحياناً إلى مباشرة زائدة، حين يُشرح المعنى بعد أن تكون الصورة، أو الواقعة قد أوصلته.

تكشف مقدمة الرواية نفسها عن ميل إلى التصريح بالرؤية الأخلاقية، من خلال الدعوة إلى “التصالح مع الذات، ومع الآخرين” هذه رؤية إنسانية واضحة، لو جاء حضورها في المتن لكان أكثر تأثيراً حين تتجسد في خيارات الشخصيات، وتناقضاتها، بدلاً من أن تُعاد صياغتها في عبارات تقريرية، وكانت  الرواية تصبح في أفضل لحظاتها، من سرد التفاصيل التي تسمح للقارئ باستنتاج المعنى؛ أما حين تتراكم الأحكام، والتفسيرات، فإنها تقلل من مساحة التأويل التي تمنح النص تعدده، وعمقه.

البناء الروائي وإيقاع الحكايات

يمنح تعدد الحكايات الرواية سعة في الموضوع والشخصيات، ويتيح لها الانتقال بين التجربة العائلية، والهم الاجتماعي، والسياسي، و لكن هذا الاتساع أراه يحتاج إلى ضبط إيقاعي إلى حدّ ما؟ يضمن عدم تراجع المسار الروائي أمام الاستطراد، ويظهر ذلك في المواضع التي تتوقف فيها الحكاية لتقديم عرض فكري، أو ثقافي مباشر، ومنها الحديث المتصل بمسلسل “صحاب الأرض” فحين يتقدم النقاش العام على حركة الشخصيات، يتغير إيقاع القراءة من متابعة حدث روائي إلى تلقي رأي، أو تعليق، ولا يعني ذلك أن الرواية ينبغي أن تنعزل عن القضايا الراهنة، بل أن تدمجها في نسيجها الفني بعيداً عن التجربة الشخصية، رغم أن الكاتب  أبدع رسم مسار كل كل شخصية، وما أضافه كل مسار جانبي إلى تطور الشخصيات، وإلى الرؤية الكلية للعمل، واصبح هذا التعدد قوة حين تقاطعت الخيوط، وأضاءت بعضها بعضاً.

العودة بوصفها استعادة للحياة

تتجه الخاتمة نحو استعادة الصلة بالجذور، وتمنح العودة إلى القرية، وبناء بيت العائلة معنى يتجاوز استعادة المكان المادي. البيت هنا علامة على استمرار الذاكرة، وعلى رغبة الجيل الجديد في ألا تنقطع علاقته بمن سبقه، وتبرز هذه الدلالة في وصية رؤوف لحفيده “إياك أن تنزع ثياب جذورك أبداً” لا تتحدث العبارة عن البيت وحده، بل عن الهوية العائلية، وما تحمله من ذاكرة، ومسؤولية واستمرار. يعزز هذا المعنى حضور العائلة، والقرية واللقاءات الجماعية في المشاهد الأخيرة، حيث تستعيد العلاقات شيئاً من تماسكها بعد الفقد والغياب. غير أن اكتمال المصالحة في النهاية، واجتماع خيوط الحكاية في صورة يغلب عليها الأمل، قد يمنح بعض الحلول درجة من الترتيب والاكتمال أكبر مما أتاحته الصراعات السابقة، وكان من الممكن أن تحتفظ الخاتمة بشيء من الأسئلة المفتوحة، من دون أن تفقد نبرتها الإنسانية المتفائلة. مع ذلك، فإن العودة لا تبدو تراجعاً عن العالم، بل محاولة لإعادة اكتشاف ما يمنح الحياة معناها بعد التجربة والغياب.

ماقبل النهاية

تستمد رواية “أنثى الفصول الأربعة” قيمتها من انشغالها بالإنسان في علاقاته المتشابكة: بالعائلة، والصداقة، والحب، والمكان، والذاكرة، ومن سعيها إلى وصل التجربة الخاصة بجراح اجتماعية، وسياسية أوسع، وتنجح في مواضعها الأقوى حين تجعل التفاصيل الصغيرة حاملة لمعانٍ كبيرة، كما في استعادة سميرة من خلال الأشياء، وفي مشهد وفاة كامل، وفي حضور القرية بوصفها امتداداً للجذور، وتكشف هذه المواضع عن قدرة السرد على التأثير حين يثق بالصورة، والموقف، ويترك للقارئ أن يشارك في بناء الدلالة.

ولعل “الوجه الآخر للحياة” الذي تقترحه الرواية ليس وجهاً خالياً من الألم، أو الفقد، وبين تقلبات الفصول وثبات الجذور، تحاول الرواية أن تقول إن الحياة لا تستعيد معناها بإنكار الخسارات، بل بالعثور على ما يجعل مواصلة الطريق ممكنة.

في المحصلة، تفتح رواية “أنثى الفصول الأربعة” نافذة على الوجه الآخر للحياة، حيث تتجاور الخسارة، والأمل، وتتشابك الذاكرة بالجذور، وتظل العلاقات الإنسانية ملاذاً في مواجهة تقلبات الزمن، وبين ما تحققه الرواية من أثر وجداني، وما تطرحه من أسئلة فنية، يبقى رهانها الأجمل في قدرتها على تذكيرنا بأن الحياة، مهما تعاقبت فصولها، تستحق أن تُعاش بالحب، والوفاء، والتمسك بما يمنح وجودنا معناه.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى