نصر محمد / ألمانيا
أن يكتب شاعر وناقد وأكاديمي ديواناً بعنوان ” لم أكن ساهياً عن الوردة ” ويذيّله بعبارة ” في متاخمة الشعر ” فهو يضعنا أمام مشروع جمالي مقصود ومقلق .
” لم أكن ساهياً ” هو اعتذار العاشق ، و”في متاخمة الشعر” هو اعتراف الناقد. الناقد يعرف أن القصيدة اليوم لا تسكن قلب الشعر ، بل تسكن على تخومه ، على تماسه مع النثر ، مع الصورة ، مع الصمت ، مع المدينة .
ويأتي الإهداء ليكشف خريطة الديوان :
إلى أغنية الأزل!
غمام
نور
ورد
هيام
أربعة أسماء، أربعة تجليات للأنثى ، أربعة عناصر كونية ،
الديوان ليس ديوان غزل حسي ، بل ديوان غزل كوني ،
تتحول فيه المرأة إلى أفق ، إلى سماء ، إلى لغة .
يبدأ الشاعر بسؤال يلخص كل الديوان :
” بهاءُ نَجمةٍ؟
إذْ تتعرّى الوردةُ مِنْ عَبَقِها
نهارٌ قادمٌ مِنْ قلبِ الليل ، قُبلةٌ ناضجة ،
رنينٌ يُضيءُ ممراتٍ منسية ،
ضحكتُكِ التي مِنْ غيثٍ وريحان!”
الوردة حين تتعرى من عبقها لا تموت . يولد نهار من قلب الليل . هذه هي فلسفة عدم السهو : أن ترى الوردة حتى في عريها ، وأن ترى في ضحكة واحدة رنيناً يضيء ممرات منسية في الروح . ضحكة من غيث وريحان ، مادة كونية وليست تعبيراً .
وفي هذا المقطع :
” حُبّكِ الذي يُورّقُ المعنى
حُبّكِ الذي يتألّقُ على عَتَباتِ السؤال
هذا الحُبُّ ، هذا السّرُّ الجامحُ ، هذهِ الغابةُ المتراميةُ العتمة
ما مِنْ علامة؟
إنها نشوةُ التلاشي في ظلّكِ بلا أثر…! ”
ينتقل من وصف الوردة إلى فلسفة الحب نفسه
وهنا يتجلى الناقد الشاعر . الحب لا يورق القلب ، بل يورق المعنى . يتألق على عتبات السؤال ، لا على عتبات الجواب . ونهايته ليست الوصول ، بل نشوة التلاشي بلا أثر . قمة الصوفية الحديثة .
وهذا هو المقطع البيان للمتاخمة ، وفيه يقول جملته الأخطر :
يُسردُ فِتنةُ عينيها على عَتَباتِ اللغة!
الفتنة لا توصف داخل اللغة ، بل تُسرد على عتباتها . لأن اللغة أعجز من الدخول .
” يتداعى الخريفُ على شجرتي الجكرنده شظايا أقمار . في نهرِ الكلماتِ الذي يُحيطُ بخصركِ تختلجُ نظراتُنا بحنينِ الضوء ،
يفتحُ الحبُّ في كتامةِ الزمنِ ممراتِ الأُلفة.”
ثم فجأة ، وكأنه يريد أن يثبت أنه شاعر مدينة ، يترك السماء وينزل إلى التفصيل الحميم الدقيق ، وهذا هو سر المتاخمة :
هكذا يستعيدُ المكانُ انتعاشاتهِ بألوان ، الموف المتألقة على أظافركِ ، بالرداءِ الأسود ، الجينز الذي يُرستقُ خُطواتكِ كغزالةٍ حذرةٍ في ضوءِ المدينة .
من شظايا الأقمار إلى الموف على الأظافر إلى الجينز كغزالة حذرة . قفزة من الكوني إلى اليومي هي ما تجعل الشعر حياً .
” تُسردُ الريحُ الفضةَ المذهبةَ لشعركِ على جيدِها المتوهجة!
رهيفةٌ على شاطئِ بحرِها، مُشرقةٌ بترانيمِ الموج.
هذا الصباحُ مُراوغٌ أيتها الغزالة!
يسكبُ قلبهُ بين يديها ثم يختفيانِ في هُبوبِ العواصفِ الجامحة! ”
هنا يبلغ النصةذروة الغزل الكوني
” بتبليدِ حديثِها يُشفي التاي أوجاعهُ
عيناكِ في هذا الصباحِ أقاليمٌ تائهةٌ تستيقظُ فيها شموسُ الخريف :
تُوْمِضُ أَعْشابٌ خَوْشيةٌ ، بلادٌ مُنذِرةٌ ، شاطئٌ مُخضرٌّ لنهرٍ منسيٍّ في ذاكرتهِ!
هذهِ الموسيقى التي تنحدرُ من خُصلاتِ شعركِ تقودُ المتاهاتِ إلى خُطى العابرينَ نحو الليل .”
عيناها لم تعد عينين ، بل أقاليم تائهة تستيقظ فيها شموس . وشعرها ليس شعراً، بل موسيقى تنحدر وتقود المتاهات . والحب هنا لا يعبر إلى الضفة الأخرى ، بل يلوذ بمعطر الكاردينيا ويختفي في الظلال .
” إنها يدكِ تبتكرُ العالم!
إنها كلماتكِ التي تستعيدُ أسرارَ الغابات!
أناملكِ التي توقظُ ندى الحبِّ في شرودِ العاشق!
إنها رائحةُ الكاردينيا التي تختفي بخطواتكِ…
أحاسيسُكِ في الصباحِ التي تُغازلُ شُرافاتِ البحر! شفتاكِ اندلاعُ الحبِّ في ليالي الخريف!
حتى العدمُ يستحيلُ بعينيكِ إلى حديقةٍ تستحمُّ فيها شمسُ الخريف! ”
هذا هو قلب الديوان وبيت قصيده، وفيه تتجمع كل الخيوط
اليد تبتكر العالم . الكلمات تستعيد أسرار الغابات . حتى العدم يستحيل حديقة . لم يعد الشاعر يصف حبيبة ، بل يعلن عقيدة جمالية : الجمال يخلق الوجود من العدم .
تنتهي الرحلة بعودة حميمة هادئة بعد كل هذا التحليق :
“أشارككِ هذا المطر
الغيمةُ تذوبُ في تلكَ الأشجارِ هناك.
أشبكُ أصابعي بأصابعكِ قبلَ أنْ يتمزقَ الليل!
إنها فرصةٌ للمطرِ أنْ يتألقَ في ضوءِ ابتسامتكِ…
أيتها النجمة!
لليلٍ مذاقُ ظلالكِ!
الظلُّ الذي يُصاحبكِ متباهياً يوقظُ في مُدناً محطمة!
لنْ يعبرَ شاعرٌ هذا الجمالَ إلا بقلبٍ يرتعش،
أورفيوس دعِ السماءَ تمزقُ برموشِها!
بين اليقظةِ والحلم
هذا العراءُ الشاسعُ يتعطرُ بالكاردينيا
في اللحظةِ يتفتحُ جمالكِ كأبجديةٍ جديدة! ”
بدأ ببهاء نجمة، وانتهى بأيتها النجمة . بدأ بنهار قادم من قلب الليل ، وانتهى بليل له مذاق ظلالها . وبينهما عبرنا الخريف والجكرندة ونهر الكلمات والموف والجينز والغيمة والمطر والعدم .
الجمال ليس قصيدة ، بل أبجدية جديدة تتفتح في اللحظة .
ديوان ” لم أكن ساهياً عن الوردة ” هو ديوان عن انتصار التفصيل الصغير على العدم الكبير .
الدكتور خالد حسين لم يكن ساهياً عن الوردة ، لأنه كان يراها في كل مكان : في ضحكة من غيث وريحان ، في نشوة التلاشي بلا أثر ، في فتنة تُسرد على عتبات اللغة، في الموف على الأظافر ، في جينز كغزالة حذرة في ضوء المدينة ، في أقاليم تائهة تستيقظ فيها شموس الخريف ، في يد تبتكر العالم ، في شبك أصابع قبل أن يتمزق الليل ، في مطر يتألق في ضوء ابتسامة ، وفي جمال يتفتح كأبجدية جديدة .
وهذا هو معنى ” متاخمة الشعر ” عنده : أن تكتب وأنت تعرف أن اللغة عاجزة ، لكنك تكتب لأن يداً واحدة تبتكر العالم ، وضحكة واحدة من غيث وريحان ، تكفي لتجعل حتى العدم يستحيل إلى حديقة تستحم فيها شمس الخريف .
ديوان يستحق أن يُقرأ ، لأنه يعلمنا الدرس الأخير : الشعر ليس ما نكتبه عن الوردة ، بل هو ما يحدث لنا حين لا نكون ساهين عنها .

التعليقات (0)