قراءة في كتاب

لغة التشظيات.. الذاكرة والعنف والإدراك في گولستان لكاروش طه

تنگزار ماريني

حين تواصلنا، أنا والدكتور شملستيغ، عام 2023، مع عدد من الكاتبات والكتّاب الكرد للمشاركة في دي هورن، العدد 293، مرّ اسم كاروش طه أمامي للمرة الأولى. لكن الاسم لم يبقَ اسمًا طويلًا. كان نصها «نظام الذبح» كافيًا لفتح نافذة على صوت لا يطمئن إلى الحكاية حين تستقيم، ولا إلى الجملة حين تكتمل. صوت يكتب من منطقة يتجاور فيها الذاكرة والصدع، ويتحوّل فيها اضطراب التجربة إلى اضطراب في اللغة نفسها. وفي گولستان تتسع هذه الكتابة، وتصبح اللغة بنيةً للذاكرة، والذاكرة بنيةً للعنف، والعنف قوةً تتسلل إلى الإدراك.

گولستان امرأة كردية تعيش في العراق تحت نظام صدام حسين. غير أن الرواية لا تضع التاريخ خلف الشخصيات كما توضع خلفية المشهد؛ التاريخ يدخل إلى أجسادهم، إلى بيوتهم، إلى أسماءهم، إلى قدرتهم على الكلام والتذكر. السياسة هنا ليست ما يحدث في الخارج. إنها ما يغيّر شكل الداخل.

لهذا يبدو الخاص في گولستان سياسيًا منذ اللحظة الأولى. العلاقات لا تنجو من السلطة، والهوية لا تنجو من الرقابة، والذاكرة لا تنجو من الخوف. حتى الاسم يمكن أن يصبح موضع اشتباه.

في قلب هذا كله يقف غياب جيّا، زوج گولستان. اختفاؤه ليس حدثًا ينتظر الرواية أن تفسره، بل فراغًا تتركه مفتوحًا. وحين يعود، لا يعود بوصفه عودةً تعيد الأشياء إلى مواضعها، بل بوصفه شبيهًا لصدام حسين. هنا ينقلب الغياب إلى سؤال عن الهوية، وينقلب الحضور نفسه إلى شيء مشكوك فيه. جسد حاضر، وشخص غائب. وجه مألوف، لكن خلفه وجه آخر. كأن السلطة لم تعد تقف خارج الإنسان، بل صارت قادرة على احتلال ملامحه.

الشبيه هنا ليس حيلة سردية. إنه صورة سياسية مكثفة: الفرد حين يصبح غير قادر على امتلاك وجهه كاملًا.

وتتضح علاقة الاسم بالسلطة في الحكاية المرتبطة بمحل خياطة جيّا. الاسم الكردي لا يبقى علامة شخصية؛ يتحول إلى أثر سياسي. إن محو الاسم ليس محوًا لحروف فحسب، بل محاولة لمحو ما يحمله الاسم من ذاكرة وانتماء. في عالم الدكتاتورية تصبح اللغة أرضًا قابلة للمصادرة.

تقول الرواية:

«كان اسمه جيّا جبلًا يفضحه.»

الجبل هنا ليس استعارة للثبات، بل للافتضاح. الاسم الذي يفترض أن يحمي هو الذي يكشف. وما يفترض أن يمنح الإنسان تعريفه يصبح دليلًا عليه. هكذا يخرج الاسم من القاموس إلى الخطر.

لكن طه لا تروي هذا العنف باللغة وحدها؛ إنها تترك العنف يدخل إلى اللغة. الجملة نفسها تفقد بعض انتظامها. الفواصل تختفي، والحدود بين الأفكار تذوب، فتتدافع الجملة كما لو أن الذاكرة لا تمنح صاحبها وقتًا للتوقف.

«هذا يربك الناس في حال البلاد ألم يكن يريد إثارة الرأي العام …»

لا تأتي الجملة هنا لكي تُريح القارئ، بل لكي تدفعه إلى داخل ارتباكها. غياب الفاصلة ليس تفصيلًا طباعيًّا محايدًا؛ إنه جزء من التجربة. الأفكار تتجاور دون أن تجد بينها مسافة كافية، كما تتجاور الذاكرة والحاضر والخوف والتأمل في وعي واحد.

حتى النقطتان الرأسيتان لا تعملان بوصفهما علامة إغلاق، بل بوصفهما بابًا. ما بعدها ليس نتيجة بالضرورة، وإنما امتداد، انفتاح، انتقال مفاجئ من فكرة إلى أخرى، من صورة إلى ذكرى، من حاضر إلى ماضٍ. الجملة عند طه لا تسير دائمًا إلى الأمام؛ إنها تنحرف، ترتد، تتشعب، وتترك وراءها ما لم تستطع قوله.

وهنا يصبح الشكل حاملًا للمعنى لا غلافًا له.

الأكثر دلالة أن جسد گولستان نفسه يدخل في هذا النظام اللغوي. تلعثمها لا يُروى بوصفه حالة نفسية فحسب، بل يظهر على الصفحة، ولا سيما حين تضطر إلى الكلام بالعربية أمام مؤسسات السلطة. اللغة تتعثر في الفم قبل أن تتعثر على الورق. السلطة لا تراقب الكلمات فقط؛ إنها تصل إلى العضلات الصغيرة التي تصنع الكلام.

إنها لحظة شديدة الدلالة: حين تصبح اللغة جسدًا، يصبح القمع جسديًا أيضًا.

ولا تمنح الرواية قارئها صوتًا واحدًا يستطيع أن يضمن له الحقيقة. وجهات النظر تتحرك، الأصوات تتداخل، الذاكرة تقاطع الحاضر، والإدراك يظل معرضًا للانزياح. لا توجد سلطة سردية عليا تأتي في النهاية لتجمع الشظايا وتقول: هكذا حدث الأمر.

الرواية ترفض هذا الاطمئنان.

ولهذا لا يقرأ القارئ الأحداث من موقع المتفرج، بل يدخل في متاهة الإدراك نفسها. عليه أن يربط، وأن يشك، وأن يعيد النظر. الحقيقة لا تأتي مكتملة؛ تظهر على هيئة آثار.

وتبلغ هذه التقنية ذروتها حين تنقسم الصفحة نفسها إلى مستويات سردية أو حدثية متوازية. هنا لا يعود الكتاب مجرد حامل للحكاية. الصفحة تصبح مسرحًا لها. ما يحدث في السرد يحدث أيضًا في المكان الذي تحتله الكلمات. مستويات مختلفة من الوعي والفعل تتجاور أمام العين في اللحظة نفسها. الزمن لا يعود خطًا، بل مساحة.

إنها كتابة تجعل الصفحة تفكر.

ومن هنا تكتسب تعددية اللغات في گولستان وزنًا يتجاوز الزينة الأسلوبية. الكردية والعربية والإنجليزية ليست لغات متجاورة وحسب؛ إنها تحمل عوالم مختلفة من الانتماء والسلطة والاغتراب. الانتقال بينها يمكن أن يفتح قربًا أو يصنع مسافة، أن يستدعي ذاكرة أو يكشف اغترابًا. اللغة هنا ليست مجرد وسيلة للقول؛ إنها مكان تقف فيه الشخصية، أو تُطرَد منه.

لذلك فإن تشظي الرواية ليس شكلًا منفصلًا عن موضوعها. اختفاء جيّا يفتح فراغًا في الحكاية. الجملة المتكسرة تفتح فراغًا في اللغة. تعدد الأصوات يفتح فراغًا في الحقيقة. والفراغات الثلاثة تتجاور حتى تكاد تصبح فراغًا واحدًا: فراغ الإنسان حين يحاول أن يستعيد ما انتزع منه.

لكن اختزال هذه التقنية في تمثيل الصدمة وحدها سيكون تضييقًا على الرواية. فالتشظي عند طه يحمل سؤالًا معرفيًا أيضًا: هل يمكن للحقيقة، الفردية أو التاريخية، أن تُرى كاملة من نافذة واحدة؟

الرواية تقول، بطريقة غير مباشرة: ربما لا.

فكل ذاكرة تحمل زاوية، وكل زاوية تستبعد زاوية أخرى، وكل رواية للحدث تترك وراءها ما لم تستطع رؤيته. لذلك لا تجمع طه شظاياها في صورة واحدة نهائية؛ إنها تتركها متجاورة، كأن الحقيقة نفسها لا توجد إلا في المسافة بين القطع.

ومن هنا يأتي حضور صدام حسين بوصفه أكثر من شخصية تاريخية. النظام لا يقف خارج الرواية كسلطة سياسية يمكن تحديدها بسهولة، بل يتسرب إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى الاسم، والجسد، واللغة، والذاكرة، والوجه. وحين يظهر جيّا في صورة الشبيه، يصبح الاستبداد مرئيًا في أكثر صوره رعبًا: حين يختلط وجه الضحية بوجه السلطة.

الفرد لا يفقد حريته فقط؛ يفقد يقينه بوجهه.

في هذا المستوى تبني كاروش طه ما يمكن تسميته شعرية التشظي. الذاكرة لا تسير في خط مستقيم، بل تعود، تنكسر، تتراكب، تعيد اختراع نفسها. والإدراك ليس مرآة شفافة، بل سطح قابل للتصدع. أما اللغة فلا تصف هذا الاضطراب من الخارج؛ إنها تعيشه.

وهنا تكمن قوة گولستان: الرواية لا تتحدث فقط عن عالم تحطم تحت العنف، بل تجعل شكلها الخاص يحمل آثار ذلك التحطم. الجملة تتشقق. المنظور يتحرك. الاسم يصبح خطرًا. الصفحة تنقسم. الصوت يتلعثم. الماضي يتسلل إلى الحاضر. والوجه الواحد يحمل وجهًا آخر.

كل ذلك يجعل السياسة في الرواية محسوسة لا مشروحة.

إن گولستان لا تقدم العنف بوصفه موضوعًا تاريخيًا فحسب، بل تجعله مبدأً خفيًا في هندسة النص. العنف يدخل إلى الجملة كما يدخل إلى الذاكرة؛ والسلطة تدخل إلى الاسم كما تدخل إلى الجسد؛ والفقدان لا يبقى حدثًا في الحكاية، بل يتحول إلى طريقة في الكتابة.

لهذا لا تبدو «التشظيات» في الرواية مجرد كسر للأسلوب أو خروج عن قواعد السرد. إنها البنية العميقة التي تتحرك فيها الذاكرة والهوية والتاريخ. وما ترفضه طه ليس النظام السردي وحده، بل الوهم بأن الحياة نفسها يمكن أن تُستعاد في حكاية مكتملة.

فحين تنكسر اللغة، لا ينتهي الكلام.

يتناثر.

ومن بين الشظايا، تبدأ الذاكرة في الكلام من جديد.

اتمنى للكاتبة الكردية كاروش التوفيق

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى

اليوم الأخير في دمشق

سيروان حاج بركو في مثل هذا اليوم قبل ٣٦ عاماً وصلت المانيا. كتبت عن رحلتي إلى المانيا في كتابي "خارج السباق -…