نصر محمد / ألمانيا
أن تقرأ لفاطمة حرسان ، فأنت تقرأ لامرأة تحمل ثلاث لغات في قلب واحد . كوردية من القامشلي ، عربية التكوين درست الآداب في جامعة حلب ، وسويدية التجربة حيث أسست عام 2016 مركز Kurdiska kultur och språkcenter للثقافة واللغة الكوردية ، ونظمت أمسيات شعرية ثلاثية اللغة .
ديوانها الثاني ” اتساع الحب في الحدقتين لي ” الصادر عن دار موزاييك 2025 ، بعد ديوانها الأول ” مازالت ترنّ أقراط الهواء 2018 “، لا يقدم حباً بمعناه الرومانسي المعتاد . العنوان نفسه اعتراف: الحب لا يسكن القلب عندها، بل يسكن الحدقتين . هي لا تحب بقلبها ، هي تحب بعينيها ، والعين عندها هي المساحة الوحيدة التي تتسع .
في قصيدة ” لا أبحث عن الشهرة ” ، تكتب فاطمة بيانها الشعري كاملاً :
لا أبحثُ عن الشهرة
أو أن أُلقّب بشاعرة ،
فأنا أرمي أحمالي بين السطور ،
أخفّف من طفح المشاعر ،
لا أتبعُ خطىً ثابتة
ولا نظامَ قصيدة
ولا نقدَ البلغاء ،
هكذا تأتي كلماتي
عفويةً، من غير تنميقٍ أو تزييف،
الشعر هنا ليس مشروعاً أدبياً ، هو طب نفسي . ترمي أحمالها بين السطور كما ترمي المرأة أحمالها على عتبة البيت .
ثم تأتي الصورة الأجمل التي تلخص كل فلسفتها :
كحالِ أصابعي بين التراب
أتعافى به
حين أنثرُ بذوري
أغرسُ شتلة
أو أزرعُ شجرة،
أنتظرُ ثمارها
وحين القطاف أوزّعها على جيراني
فأكتفي بجني المحبّة
الشاعرة تتحول إلى فلاحة . أصابعها في التراب تشفى . وهذا ليس مجازاً بل هو جوهر التجربة الكوردية للمرأة المرتبطة بالأرض . وفي منفاها السويدي البارد ، حيث التراب متجمد ، تخلق تراباً من كلمات وتزرع فيه . وحين تثمر، لا تبيع الثمار، بل توزعها على الجيران وتكتفي بجني المحبة . لهذا أسست مركزها الثقافي أصلاً : لتوزيع الثمار .
في قصيدة ” أخاف الاعتياد عليك ” تقدم تعريفاً مختلفاً للحب :
أتلوى فرحاً ،
كلما خفضتَ قبعة حديثك معي
أتحول أفعى ،
أنتشي ،
أفحّ بصوتي،
وأتجنب نغمة صوتك ،
وكيلا أعتاد عليك
فتهزمني
أتحاشاك .
الحب عندها ليس اقتراباً بل إدارة للمسافة . تخاف أن تعتاد فيُهزم . تتحول لأفعى ، رمز اللذة والخطر ، لتظل مدهشة .
ثم تعود لجذر الخوف :
أنا التي مازالت تحفظ كلمات جدتها ،
وتخاف الذئاب ،
هي ذات الرداء الأحمر ، حفيدة الحكاية التي حذرتها جدتها من الذئب . وهي بنت البيت الذي ” رفع رأسه بها بين بنات الجامعة “، تربية تجعل العود مستقيماً لكنها تثقل :
أتلفّ بثوب العفاف
فيضيع عمري
لا الطفلة تخرج مني
ولا تساعدني أن تسقط عني تلك الأكفان .
العفاف هنا يصبح كفناً . صورة قاسية وصادقة عن صراع المرأة بين ما فُرض عليها كحماية وما منعها من أن تكون طفلة .
في قصيدة ” لستُ ذكية ” تكسر فكرة المرأة الذكية المتعارف عليها :
لستُ ذكيةً بالقدر الكافي
لكني أصدّق حدسي
يمسك بيدي دائماً
ويعبر بي مناطق الخطر
ذكاؤها ليس أكاديمياً ، بل حدسي، قديم، كحكمة الجدات . لكنها تعترف بعبء طيبتها :
لكنّ الطيبة تحشر نفسها دائماً
تلازمني
فأدفعها من طريقي
أتشاجر معها
تتشاجر مع طيبتها لأنها تحرق أصابعها . ثم تستثني شخصاً واحداً بعبارة هي أجمل ما في الديوان :
إلا أنت
استثنيتك ،
تركتُ لك الباب منتصفاً
مثل إغماضةٍ لإحدى العينين .
الباب المنتصف ليس مفتوحاً ولا مغلقاً. هو كإغماضة عين واحدة ، ترى ولا ترى ، تثق ولا تسلم . وهذه هي بالضبط ” اتساع الحب في الحدقتين “.
بين الصفحة 92 والصفحة 149 ينتقل الديوان من العاطفي إلى التاريخي .
في “غرورٌ مستبدّ” تقول :
أنا التي مددتُ يديّ للهواء
سأخفيك في صندوقي الأسود
وأختمه بالنسيان.
ثم تأتي الخاتمة في جملة واحدة تلخص جيلاً كاملاً :
آخرُ رصاصةٍ قتلتْ كلّ الفرح من قبلُ ومن بعدُ ،
ولم يعد يدغدغني بعدها أي ضحك .
هنا لم تعد الرصاصة رصاصة حب ، بل رصاصة الحرب السورية . رصاصة قتلت الفرح القبلي والبعدي . والدغدغة التي لا تعود هي موت الطفولة نفسها . ومعها صورة فتاة تغطي عينيها ، كأن الحدقتين اللتين اتسع فيهما الحب قد انطفأتا .
” اتساع الحب في الحدقتين لي ” ديوان امرأة لا تريد أن تكون شاعرة بقدر ما تريد أن تتعافى .
فاطمة حرسان لا تصرخ ، لا تدعي ، لا تزين كلامها . تكتب كما تزرع ، وتزرع كما تتعافى . من القامشلي أخذت البذور ، في حلب تعلمت أسماءها بالعربية ، وفي السويد تعلمت كيف تهدي ثمارها للجيران .
إنه ديوان بلا ضجيج ، لكنه يبقى في اليد مثل أثر التراب بين الأصابع ، لا يزول بسهولة .

التعليقات (0)