قراءة في كتاب

سردية الشيخ الموقَّر” قراءة في كتاب : الشيخ محمد عيسى “

إبراهيم محمود

” الشيخ محمد عيسى” سيرة عالم.. ومسيرة مناضل” ، إعداد الدكتور أحمد ريزان- ملا سعيد دوندار- مطبعة ميران، قامشلو، ط1، 2026، في ” 304 ” ص.”

أكتب عن الشيخ محمد عيسى” 1924-2001″ أكتب عن الشيخ الكردي،من خلال كتابه” المذكور أعلاه”. من باب الدقة أكثر: أكتب عن كتابه، كما هو معَدٌّ بالصيغة المرسومة. الفرق كبير جداً: بين أن يكون هو موضوع الكتاب في شخصه، وبما يُعرَف به عنه، وأن يكون هو موضوع كتاب، وإن كان يرتبط به في الكثير منه، وما يترتب على كل تسمية من علاقة قراءة وبحث ومساءلة وتحليل، بصورة مختلفة.
أكتب عنه، بالكتاب الذي يُعنَون باسمه، بالصفة الدالة” سيرة عالَم.. ومسيرة مناضل ” والمسافة القائمة أو الفاصلة بينهما وتفاعلهما معاً، في بلورة فكرة، هي صورة ذهنية عنه: من يكون محمد عيسى: شيخاً” عالِم دِين في الأقرب توصيفاً في السيرة المرفوعة باسمه” ومناضلاً” بمفهومه السياسي، استناداً إلى مسيرته “.
كتاب يُقرأ لا صفحة صفحة، إنما أحياناً كلمة كلمة، وصِلات القربى بين هذه وتلك جهة الدلالة، فالإحالة إلى ما هو ديني، وفي شخص كان له حضوره الديني- الدنيوي، الإنساني” الكردي تحديداً” وفي عائلة لها ركيزتها الاعتبارية في الوجدان الشعبي ومغزاه، وفي الذاكرة الشعبية، خارج ” تكيّته ” وفي سرَيان فعل تاريخ عصيب، وساخن، سخونة قائمة إلى الآن، في ضوء المستجدات، كما تقول وقائع هذا التاريخ كردياً، وكما يكون هو خميرة هذا السرد: فاعله، واعتماداً على ما يروى عنه، أو بلسانه، كما سنرى، كتاباً يستحق القراءة، لاختلافه اللافت عما كتِب في سياق ” الحركة الكردية عموماً” والحركة الكردية ” سورياً، خصوصاً ” وكما هو مسمّى الكتاب في محتواه وخطوط اتصاله داخلاً وخارجاً، وهو ما يستحقه من جهة ىالقراءة، بعيداً قدر المستطاع عن لغة الإنشاء، والإطناب في مديح مجّاني يسيء إلى مادته، فكيف الحال بالاسم نفسه، كما قرأت عنه حديثاً، دون التعرض تحديداً لأي مفصل حركي، بحثي داخله، وبؤس التصنيف قراءة، أو بحثاً، أو مقالاً، كما هو المعهود كثيراً، في التعامل مع الكتب في وسطنا هنا وهناك.
أي صورة من الدين تتجاوب مع اسم الشيخ ابن الشيخ محمود، وما يحرّره من النطاق الضيق له” كعبادة صرفة”؟ أي حراك دنيوي تمازج مع الدين في نصه، لتكون له هيئة حياتية، ولا يكون المظهر، أو مجرد اللقب” الشيخ ” بوصلة أو مفتاح الفهم لهذا الرجل الذي يضاء فيه الديني والدنيوي، بمعناهما الفعلي واقعاً؟
كيف هي ” صنعة ” الكردي، في طريقه الشاق هذا، بزيه، ومظهره، إلى جانب المنشغل به فكرياً، ونفسياً، في وسط سياسي مرصود، على أعلى مستوى، جهة من لا يريد للكردي أن يقول جهاراً ” أنا كردي “؟
في السياق، كيف هي حركية العلاقة بين الذاكرة التي في ضوئها كان الكتاب هذا، والتاريخ الذي يُستلَّ منه؟
لا بد أن ذلك يشغل مساحة الكتاب الواسعة، بامتداد ” 300 ” صفحة، ونيف، ويعطينا ذلك فكرة عن الكتاب في نوعيته، في طريقة تشكيله جهة محتوياته، بداية ونهاية، في التركيب المقروء: دينياً ودنيوياً، خصوصاً وأن التحديد للعنوان المنطوي على الاسم ولقبه، ينطلق من الديني” سيرة عالِم ” إلى الدنيوي ” مسيرة مناضل “، وما لكل من ” السيرة ” بداية، وللمسيرة، تالياً، من اعتبار لا يمكن تجاهله في مكاشفة بنية الكتاب.
وما يكون للغلاف نفسه هنا من اعتبار، لمن يركّز على المقروء بصرياً فيه: في بعض مضاء منه، لوجه الشيخ جهة اليسار إجمالاً، وما جاء تعتيماً جهة اليمين، وفعل ذلك كإيحاء لما يمكن النظر فيه، واستقراءه .

ما يبقى تاريخاً بداية ونهاية
كل قراءة هي فعل تاريخ في تاريخ، ودون ذلك لا معنى لأي قراءة، بوصفها هي ذاتها تاريخية.
هذا يهم كل من يعيش كما يكابد نزف جرحه التاريخي، في عرائه الجغرافي، ولا ضمان أمنه قيمياً.
لا يخفي الكرد في نسبة كبيرة منهم، مثل هذا الاعتبار، في فضيلة وجودهم بمحكّ ديني. ذلك واجب للتذكير به، ليكون لنا ما يمكن تنويره بصدد كتاب ” الشيخ محمد عيسى ” النقشبندي، كما يُشدّد عليه هنا وهناك.
أشير إلى ما يؤكد مثل هذا التوجه، في عناوين لافتة:
-عبدالكريم محمد المدرس: علماؤنا في خدمة العلم والدين، عني بنشره: محمد علي القره داغي،دار الحرية، بغداد ط1، 1983:
أكثر من 650 ص من القطع الكبير نسبياً، ويتضمن مئات الأعلام الكرد في النطاق الإسلامي، حسب تسلسل الأحرف الأبجدية، بدءاً من ابراهيم بن محمد الجزري، ص 7، وانتهاءبيوسف المارديني، ص 635 – أسماء لافتة: أبو بكر الكردي العمادي، ص30- الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن الشيخ معروف النودهي، ص74- بابا شيخ القره داغي،ص 115- الحسن الكردي، ت سنة 1736 م.ص 150- الحسين الألمعي البرزنجي، وسمي الألمعي لنبوغه.ص 173-مولانا خالد النقشبندي، صص 185.

– مير بصري: أعلام الكرد، منشورات رياض الريس، لندن، ط1، 1991 .
على الأقل، وأنا أورد هذا الشاهد ” يعلم العارفون بأحوال كردستان أن قلوب القسم الأعظم من سكانها تتعلق تعلقاً معنوياً وروحياً بالطريقتين القادرية والنقشبندية، وإن كان بعض سكانها ينتحل بعض النحل الشاذة كالعلي إلهية ” الغلاة ” ونحوها، وقسم آخر يتبع المذهب اليزيدي. ص53.”

– صالح بدرخان: مذكراتي، ترجمة: روشن بدرخان، الناشر دلاور زنكي، دمشق، ط1، 1991.
وهو والد سليلة بدرخان بك، حين يقول” ليس للأكراد سوى الإسلام ديناً والقرآن الكريم كتاباً وبيت الله كعبة.ص75. ”
وليس من داع للتعليق في مثل هذا التنسيب .

– مارتن فان بروينسن: الأكراد وبناء الأمة، ترجمة: فالح عبدالجبار، معهد الدراسات الاستراتيجية، بغداد، بيروت،ط1، 2006.
كما في هذا القول ( يبدو أن الدين، وهو المكون المركزي الآخر للثقافة، يميل إلى تفريق الكرد لا توحيدهم: هناك الكرد السنة، وهم الأغلبية، والشيعة الكرد والعلويون الكرد حيث لا يجوز الخلط بينهم، والإيزيديون..الخ.ص15.)

– مارتن فان بروينسن: الآغا والشيخ والدولة ” البنى الاجتماعية والسياسية لكردستان ” ج2، ترجمة: أمجد حسين، دراسات عراقية،بغداد- أربيل- بيروت- ط1، 2008.
كما في هذه الإشارات السريعة :
الملا له مكانته وهو يترأس كل الاحتفالات الدينية على مستوى القرية، ويدرس أطفالها القرآن.ص443- وللشيخ تعددية أدوار، والأهم: دور الرجل المقدس، وهو محط تفان شعبي، ودور القائد الملهم..ص444- وهناك الطرق الصوفية والدرويشية.ص450- وظاهرة الكرامات.ص456- وما يخص تاريخ الطريقة القادرية.ص457-473- الطريقة النقشبندية والطريقة النقشبندية، للطريقة جذورها التاريخية في آسيا الوسطى.ص473- سبب انتشار النقشبندية في كردستان: سمات الطريقة- الحالة الاجتماعية الخاصة بكردستان.ص479.
تتألف سلطة الآغوات والشيوخ عادة من مزيج مما اصطلح فيبر على تسميته بالسلطة التقليدية والكاريزماتية.ص648.

-ما ورد في كتاب سيء الصيت محمد طلب هلال: دراسة عن محافظة الجزيرة ” الحسكة ” عن هذا الجانب اللافت، تحت عنوان فرعي” المذاهب الإسلامية” وضمناً” الخزنويون ” ، في كتابه دراسة عن محافظة الجزيرة، يشير إلى خطورة ” الخزنويين ” نسبة إلى الشيخ أحمد الخزنوي النقشبندي، ويشدد على خطورتهم، جهة كرديتهم، وكيفية النيل منهم، أي الحيلولة ليس دون انتشارها، إنما محاولة محوها أساساً..
…إلخ
الميدان واسع، متشعب، وعر في مساراته،وما محاولتنا ممارسة نوع من المسح له، وتحرّي مكوناته ظاهراً وباطناً، في حدود الإمكان، وفي عناوين متسلسلة، تسهّل عملية إقامة العلاقة القرائية هذه مع الكتاب، وفعله في الذاكرة والتاريخ وتجاذباتهما، ولا شك أن لكل منهما عدته وعتاده، والفعل هو في بيان حضور كل منهما، وإلى أي مدى يُسمّي العالَم الخاص به، وفي وسط يعوّل على الذاكرة كثيراً، تعبيراً عن مستبد تاريخي محسوس ومعاش في محيطه وعلى حدوده الجغرافي والسياسي، وتأثير ذلك على صورة الحقيقة النابعة عنها، تحت وطأة الشعور بالاضطهاد، أو الظلم، أو ” سردية المظلومية ” الرماحة، وأثرها في الصورة المتشكلة هذه!

” يتبع ”

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى