إبراهيم محمود
سردية السّيرة الحدودية
الولادة واحدة، الولادة ليست واحدة. هل من خصوصية أو تمايز في بنية الولادة هذه؟
يمكن للتاريخ أن يعلِمنا، ومن باب الشهادة، على هذا النوع من الخصوصية في الولادة.
يمكن أن يشار إلى الكردي، لحظة السؤال عن ولادته، وكيف تكون، كيف هي في مفهومها!
ولادة عسيرة، تطبع بعسرها حياة كاملة، كما لو أنها تترجم هذي الحياة دفعة واحدة!
في مقدور السياسي الفعلي هنا، الكاتب الفعلي هنا، الفنان الفعلي هنا، أن يؤكد على هذه الخصوصية.
لعلها، في إيجازها الشديد والمديد معاً، أن تكون حدودية. لست أنا من يقول بذلك. إنها حياة الكردية التي تعرّف بها، جهة البيئة المحكوم بها، رجوعاً إلى تمزقه الحدودي، باعتباره المرصود حدودياً بالمقابل.
من الصعب في الحالة هذه، تناول أي شخصية كردية، دون أخذ هذه المفارقة الاستثنائية بعين الاعتبار.
على غلاف كتابها” كردستان والحدود ” للكاتبة الكردية أصليخان يلدرم، ورد التعريف التالي:( وعندما ينظر المرء إلى تاريخ الحدود في كُرْدستان، يتراءى له إلى أي مدى هو الجرح عميق. فقبل الميلاد بثلاثة قرون، تمكَّن الاسكندر من إبعاد الميديين والفرس من بلاد الغرب، توجه صوب الشرق، وبعدها، في قرابة ألف وخمسمائة عام، كانت كُرْدستان ساحة للحروب، والحدود الفاصلة بين الشرق والغرب، ولم يغب عنها شبح الحرب أبداً. وفي القرن الميلادي السابع، ومن المد الإسلامي هذه المرة، عاشت وطأة القوى الزاحفة من الجنوب بازدياد، وبدءاً من المائة الحادية عشرة، ولاحقاً، أي مع مجيء التتر والمغول، شهدت أرض كُرْدستان حروباً طاحنة أيضاً.
وفي مستهل القرن السادس عشر، وبنوع من التراضي، حصلت تفاهمات واتفاقات بين بعض الإمارات الكُرْدية والدولة العثمانية، وبهذه العملية تصبح كُرْدستان شطرين: الشطر الأكبر يصبح تحت ذمة الدولة العثمانية، والشطر الآخر يخضع للصفويين. ومع اتفاقية قصر شيرين، يكتسب الوضع القائم بعداً دولياً وبصورة رسمية، وهذا الوضع يستمر أربعة قرون تقريباً، وبعدها وفي مطلع القرن العشرين، وعبر اتفاقيات حرب التقسيم الأولى التي أصبحت معروفة، تتفق دول كثيرة فيما على تقسيم كُرْدستان وتقاسمها فيما بينها.).
وما تقوله الكاتبة الكردية هذه، في إحدى الصفحات الأولى من كتابها، يعزز هذا الوجع” الحدودي” :
( إنني أعيش في نصيبين، وهي على الحدود التركية – السورية، لهذا حمَّلتُ الحدودَ العبء الأكبر العائد إلى تلك الوقائع والذكريات” نالت هي النصيب الأكبر منها “. لكَم أردت بقدر ما جمعت من وقائع وذكريات على الحدود السورية- التركية، أن أجمع بالقدر نفسه وقائع وذكريات تخص الحدود الإيرانية- التركية، والتركية- العراقية، والسورية- العراقية، والعراقية- الإيرانية أيضاً، لكن لم تتَح الفرص لي. ) “7 ”
إنها المعاناة التي تفرض نفسها، دونها تكون شهادة كاتب ذكرياته، نازعة عن لغته جرحَها الداخلي المستدام.
وبالترادف مع هذه المعاناة، تأتي المرافعة الحدودية دالة المجابهة الحدودية واستمرارايتها.
إن أي توصيف يضيء صورة الشخصية المعتبَرة، ينتسب في الحال إلى هذا النوع من العلاقة.
هكذا يتقدم كتاب الشيخ محمد عيسى، ابتداء بالحديث عن والده الراحلالشيخ محمود القره كوي ،وسيرته باقتضاب ” صص 21-64 “:
( مواليد قرية ” قره كو ” التابعة لقضاء ” فارتو ” في ولاية ” موش”. ص23). ليستقر بعدها في قرية ” تليلون ” الحدودية السورية،إثر نتكاسة ثورة الشيخ ” سعيد بيران ” ولنكون في فيض سردية لا تخفي حيويتها وعنفوان إرادة الشخصية الدينية- الدنيوية، الإنسانية والوطنية والكردية معاً، في العمل الميداني والتأليفي والتعليم ” الديني “، ليبرز في الظل” ظله ” بفضيلة تربيته، كما هو مقروء في سطور تترى، ظل الولد الخاص، ظل ولده الشيخ : محمد عيسى ، تجاوباً مع المثل السائر: هذا الولد من ذاك الوالد.
أي ليصبح المكان الجديد: القريب جداً من بؤرة التوتر التي خرج منها مضطراً، تنشيطاً لعمل الذاكرة، وإبقاء على العلاقة ” المشيمية ” بمفهومها الجغرافي، مع المكان الأول، عبر سلوكية تربوية، تعليمية، وتوعوية لمن حل بينهم في القرية الجديدة التي تصبح دالة مكانية لافتة عليه، إلى جانب حراكه واسع المدى، في هذا المضمار، دعماً للاسم الذي يحمله” الشيخ ” أكثر من كونه مجرد لقب، ومجرد ” عبادة دينية محضة”!
كما أشرتُ بداية، فإن تركيزي سيكون على كتاب الشيخ محمد عيسى، كتابه، كما هو متمحور حول اسمه، بما أنه هو العنوان الرئيس للكتاب، وبما أنه معرَّف به في ” سيرة عالِم.. ومسيرة مناضل “، واقتفاء أثرهما!
تركيزي سيكون على المسكون بقسمته من وجعه الحدودي، شأنه في ذلك شأن أي كردي، أنّى كان محل إقامته، وكيفما كان وضعه المادي والمعنوي، طالما يُنظَر إليه حصيلة قسمة التاريخ على الجغرافيا، دون اسمها الفعلي كردياً، ويقيّم الناهض والمستنهض رد فعل ٍ كردياً، أي الذاكرة في مقاومة التاريخ الموجَّه، أي بما أن كل ما يتفوه به يصار إلى معاينته من هذا المنظور، ومن هم سكنى الحدود أكثر تعبيراً عن هذا الجرح.
أورد بضعة مقاطع، من كتاب أصليخان يلدرم، تمثيلاً حياً لهذه الخصوصية القسرية، أي ما هو متداول بمفهومه الكردي: الكردستاني” سرخت ” أعلى الخط : جهة تركيا شمالاً، و” بنخت ” أدنى الخط” جنوباً، جهة سوريا، وهو التوأم الجغرافي الصارخ والرافض للحدود السياسية :
( بدءاً من قرية طفولتي، عندما كنا في ليالي الصيف وعلى سطح البيت ودائماً، نوجه أنظارنا ناحية طريق الحرير وأبعد منه، كانت أشعة جهة بنختي تقول ” هناك تكون قامشلو”، ومع تهجئة ” قامشلو “، كانت نظرات أعيننا تكتسب معان . ورغم أنها لم تكن بعيدة كما يجب أيضاً، فإن أعيننا كانت مسكونة بالحسرة، وهي تنظر إلى هذا البعد. قامشلو بعيدة كانت بقدر ما كانت قريبة. إن الحدود الملغاة هي التي تفسر هذا البعد، ورغم كل ذلك، فإننا كنا نحب قامشلو عن قرب .
***
الحدود. إنها هي التي أصبحت ” عواني ” الحاقد الفاصل ما بين الاثنين، ما بين هذا الجانب من الخط: سرخت، والجانب الآخر: بنخت. نعم، كان هناك خط. نعم، وكان هناك طول وعمق لهذا الخط، لكن سرخت وبنخت يبحثان بشكل رئيس ومعمف أكثر من خط، إن معنى الكلمة بالكامل في التالي: لقد مُد الخط وسط وحدتهما، لكن هذا الخط الزائل والمقبور، قد تحدث عن العلاقة القائمة بينهما، وعن قدرهما المنسوج معاً.
***
لقد كان بنخت دائماً الملاذ والحاضن والمؤازر للمحكومين من سرختي. إن السياسيين والمثقفين والمحكومين من قبل الدولة، حيث ما كان في وسعهم البقاء آمنين في سرخت، كانوا ينزلون إلى بنختي، ليستقبَلوا هناك ضيوفاً وحب كُرْدية كبير، وكان بنختي كريماً دائماً لأخوته .) ” 8 “.
الشيخ محمد عيسى مأهول بمثل هذه المكابدة، وفي ضوئها، تُقرَأ سيرته هذه.
السيرة في عهدة الذاكرة
ليس المتحدث هنا هو الكلام المسطور للشيخ، إنما الكلام المسموع بنبراته المختلفة. ولا بد أن تكون لدينا شحنة من الانفعالات، والتباينات في التنغيم الصوتي الذي يخفي داخله هذا الجرح القارّ، بنسبه الحدودي.
أي صنافة كتابة، وبأي لغة، وأي حمولة تعبيرية، كنا سنعايشها، فيما لو كانت يد الشيخ هي التي تكتب، وتترك للمتخيل دورَه في رسم كل من التعبير في نوعه وصوغه، ومحتواه، وليس الفم بلسانه الناطق المسموع؟
أتحدث، كما لو أنني، في حدود خبرتي المتواضعة في قراءة كتاب كهذا، أحاول معرفته عبر كتابه، وليس لي أي علاقة به، أو من له علاقة قربى به، مدفوعاً بإرادة اقتفاء أثره الحياتي الذي ترسم قوامَه كلماته !
ذاكرة الشيخ صامتة، ربما أشبه بـ” لوح محفوظ ” وليس هناك من يمكنه الحسم في كون الملفوظ هو حقيقة المحفوظ، أن المسطور هو نسخة محولة عن ” المطمور ” أو ” المحفور ” في تربة الذاكرة، وللرحلة عينها مرجعية اعتبارية، فهي تقوم على مبدأ مسمى ، قبل وجود الذاكرة الموجودة مسبقاً. ثمة خيارات معتبرة إذاً!
نقرأ في التقديم : الصفحات المتعلقة بالعنوان هذا، مسجلة بصوته في عام” 1989″، والتسجيلات تلك لا زالت شاهدة إلى الآن. ص 68.
ولكن القارىء الدقيق، قارىء التاريخ، ومعاين الذاكرة نفسه، يسائل حقيقة ما قبل الصوت، غير المسمى:
هل أن الشيخ أعطى صلاحية الخروج من الصامت إلى الصائت، حتى نفاد خزّين الذاكرة؟
لا شيء يثبت ذلك، خصوصاً بعد عقود من السنين، من الصمت، والمحاكمة الداخلية، وتجاذبات الروح!
ماذا لو استشرنا حسرة الملهوف إلى المنشود دون تحقيقه، وانكسار الروح ، والانكفاء على الداخل، نوعاً من المواساة البينية، أو المهادنة النفسية، على وقْع المصدوم به، وحبس الصرخة من باب الأنفة والجلَد معاً؟
ربما تجرع الغصص، شاهداً حياً على وضعية انكفاء ، وإبقاء الذاكرة بقوامها، حيث التاريخ يهدر حوله!
وما يلفت النظر هو التالي( هذه ليست مجرد مذكرات، بل شهادة حية لمرحلة وحوار طويل بين زمنين ، زمن يروى بلسان صاحبه، وزمن يُقرأ بعيوننا نحن.ص 69 .) .
ذلك من شأنه توسيع مساحة كل من الصوت المسموح به شفاهة، والصمت المتوقف على محفوظ الذاكرة.
إن الإشارة إلى ” لسان صاحبه ” معهود به إلى غياب، هو حاضر بما فيه، وليس بما كان عليه فعلاً.
لا بأس أن نتحدث عن سعادة المفرَج عنه تاريخاً، وصلابة المحتفَظ به ذاكرة، وفي وضع كوضعنا، يكون من الصعب جداً الحديث عن سلامة الجسد، بمعين الذاكرة، بصفاء صوت، صحبة نزيف يشمل الجسد كله .
الذاكرة ما أن تُعطى إمكانية التحدث، حتى تضيق الخناق على نفسها، لأن هناك ما يصعب الإفراج عنه، نظراً لمردود ذاتي خاص، لدعوى عائلية لها سلطتها التقليدية، أو وقاية رادعة، حيث يتداخل التاريخ والذاكرة، وما في التداخل من تشابك المعاني والدلالات وتبايناتهما:
( إن الصلة بين الذكرى وبين المكان تطرح قضية صعبة تأخذ كل قوتها من تخوم الذاكرة والتاريخ الذي هو أيضاً جغرافياً. هذه القضية هي قضية درجة أصلية، ظاهرة تعيين التأريخ الذي توازنها قضية تحديد المكان) ” 9 “.
لا بد أن صراعاً يسهل تسميته والتفكير في مبتدأه ومختتمه، يتفعل في الحالتين: في الذاكرة والتاريخ.
الحلم المسمى يلوّن هذه العلاقة بين المحبط والمأمول:
( كنت أرى العالم بعين حالمة لا تعرف غير صفاء النية ونقاء السريرة، نشأت على مبادىء الدين والعلم والكرامة. ص71).
وأكثر من ذلك، ما تستند إليه الذاكرة وشرعنة الزمان ونفاذ فعله في كينونة الذاكرة:
( وها أنا اليوم، أعود إلى ما تبقّى لي من ذاكرة أنهكها الصراع وأثراها في الوقت نفسه، لأقول للأجيال القادمة: إن الطريق إلى الخير ليس مفروشاً بالزهور..ص71.).
وما يمكن لسؤال العمر أن يطرح نفسه إزاء تخمين كهذا( مواليد قراية ” مارنيك ” الواقعة في سهل ولاية موش، سنة 1924″ الأرجح 1923″..ص72.).
وما يكون لوطأة الزمن المضاد للمأمول أن تمارس عنفها( كنت بين الثالثة أو الرابعة من عمري، حين وجدت نفسي خلف قضبان السجن مع والدتي. كان ذلك عقب اكسار ثورة الشيخ سعيد بيران.ص73 .) .
وما استجدَّ من تحول مكاني، بعائده الزماني ( وبعد أن استقر بنا الحال في قرية ” تليلون ” ، صُرت أرى الثوار الفارين يجتازون الخط الحديدي الفاصل بين تركيا وسوريا( الذي كان يُعرَف آنذاك بـ” سرخت ” و” بنخت “، أي فوق الخط وتحته ). كانوا يلجؤون إلينا، لأن قريتنا كانت متاخمة للحدود، ووالدي كان من مشايخ الطريقة النقشبندية المعروفين سواء في تركيا أو في سوريا.ص 74.).
هكذا ننطلق مما هو حدودي، ونتوقف، كنقطة استشراف لما هو حيوي، حدودياً.
الحدود ليست مجرد خط فاصل، إنما برزخ ملغوم، ملتهب، يتوعد كما يتهدد جهتيه، تعبيراً عن معناه. بما أن الحدود نفسها سمّيت بلغة أخرى، بِشَارة أخرة، برقابة أخرى، في مجموعها تمارس تمزيقاً لكينونة الكردي.
لمعاناة من هذا القبيل دورها في المحدد الزمني للحظة الولادة، حيث الذاكرة تعيش توترها الداخلي.
يتحدث جكرخوين عما يخص بؤرة التوتر المرفقة بالولادة، تنويراً لما توقفنا عنده:
( بحسب بطاقة هويتي الشخصية ولدت سنة 1900م، لكن كُتب في ديواني الأول أنني أقبلت إلى الدنيا سنة 1903، لكن الحقيقة هي أنني لا أعرف أيضاً متى ولدت. لأن والدي كان أمياً وقد خُلِقت في أثناء تلك المشاكل. وأكاد أتذكر الثلج الغزير أو كما يقال: الثلج الأحمر…كنا فقراء، كمنا مساكين وبؤساء تحت وطأة الضرائب والمصائب…) “10”
الإنسان الحدودي معلَّق بخارجه، ويكابد توترات داخله، فأي طاقة استيعاب للحدث تكون للذاكرة ؟
لعل ما أفصح عنه سليم بركات، في مستطلع سيرته، وتحت عنوان” نزيف ” يعمّق المعنى المتشكل:
( الوقت يضيق، والمكان يتّسع: ذلك ما يعلّمك تأويلُ طفولتك. والوقت يتسع، والمكان يضيق: ذلك ما يعلّمك الواقع حالماً بتدوين نفسه كشقاء عذب. وبين هذا التلقين الفائض من عمرك، وذاك، باختصاص في علوم المكان وعلوم الوقت، تنتظر أن تفرغ من نفسك إلى عبثها، وقد اكتملت بغيبوبة كالحصاد ، وأرَّثتَ القِدَم الحالم صبرَ يقينك الشيخ) ” 11 ”
في محاولة الشيخ، وانطلاقاً مما يعلمنا به، رأبَ الصدع بين طرفيّ الحدود، إشعارٌ بفكرة مقاوِمة للحدود. وفي مقدور دارس تاريخ المنطقة، ومن زاوية الحدود، أن يتلمس عمق المآسي التي ابتلي بها الكرد، وحضور الشيخ بصوته هذا، يمثّل استثناء تاريخياً، في إهابه الديني، وقد أفصح عن قوامه دنيوياً، بالنسبة للذين يُعرَفون دينياً، في خانة ” المشايخ ” في مواجهة الظلم والاضطهاد وأو سوء المعاملة، أياً كان نوعه ومصدره، لينضم الشيخ بطريقة تمثيله لصوت كهذا، ومسلك حياتي كهذا حالة استمرارية لوالده، وحالة تفاعل واستئثار حتى من قبل من لعب دوراً معتبَراً في إخراج الكتاب، أي الدكتور أحمد ، من عبيدالله النهري مروراً بالشيخ عبدالسلام بارزاني، والشيخ سعيد بيران،وفي صحبته جد الدكتور أحمد، أو والد الشيخ محمد عيسى، والشيخ أحمد الخزنوي، وليس انتهاء بالشيخ معشوق طبعاً.. قائمة محدودة العدد، لكنها في النوعية تستغرق تاريخاً، وتمد بظلالها ومآثرة حضورها الجامع بين الديني والدنيوي، وتمثيلاً للحق الذي يتمثل كل كائن في الحياة.
بالطريقة هذه، يمكن التفريق بين ملتح وآخر، وباسم الدين، على أساس المسلك الواقعي.
وربما في هذا المنظور، يصحُّ قول جكرخوين:
( يجب أن نعرف الحقيقة والتي هي أن الشيوخ والملالي الجاهلين، وأعداء الشعب الكردي، وعملاء العدو كيف يعلمون الدين، وكيف جعلوه في مدخل طريق الشعب عقبة عصية جداً وصخرة عصيمة، بالكاد وبصعوبة نستطيع إزاحتها. هذا الدين آلمنا – الأكراد- كثيراًزص11. النسخة الكردية.) ” 12 ”
وحتى في الذي يكتبه أكرم جميل باشا، في ضوء تمزقات الكرد، ودور المتاجرين بالدين في ذلك:
( وإذا استثنينا نحو عشرة من العلماء المحترمين أمثال خواجه حمدي أفندي وخواجه كومرجي، كان هناك مئات الملالي في زي العلماء والمشايخ اللصوص والملعونين والخائنين.) ” 13 “.
لا شك أن الكتابة عن المشايخ، تتأتى من حقيقة تاريخية، وهي أنه نظرهم لدورهم في تلوين مشاعر الناس وأفكارهم، وحتى آلامهم وآمالهم، كما هو الممكن تحرّيه راهناً، وأي دين يُعاش أو يمارس ويتفعل !
وما الإشارة إلى تناول محمد طلب هلال لهذا الموضوع بالنسبة للخزنوية وخطورتها إلا من هذا الباب.
ولنشر هنا بالمقابل، إلى الطريقة النقشبندية، وأي دور كانت تلعبه ، حيث ( كانت قوية في أواسط الأربعينيات في الجزيرة، وكان شيخها أحمد الخزنوي المقيم في قرية تل خزنة شرقي القامشلي، وإليها ينسب الشيخ أحمد ” وله عندهم حرمة وكرامة تقربان من حد التقديس، حتى إن مريديه لا يرفعون بصرهم نحوه، بل يتلقون أوامره، وهم مطرقون صامتون، وكانت لديهم مدرسة داخلية” و” كلمته ورسالته معتبرتين عند شيوخ الأعراب [ العشائر العربية] ، و” يليه الشيخ إبراهيم حقي في قرية حداد “..) ” 14″.
إنها سلسلة الحلقات المترابطة، أو الموصولة ببعضها بعضاً، وفيها ما يخيف الأعداء ممن يستندون أنفسهم، في حل مشكلاتهم إلى مرجعية دينية، سوى أن الذي يقال ويمارس من قبل رموز الدين الكرد، يمضون بالنص الديني إلى منطلقه الحياتي، موسّعين فيه كمفهوم، ومنوّعين في مبناه ومعناه كعلاقات مركَّبة في المجتمع.
وهذا لا يتناسب وذلك التضييق في الخناق عليه من قبل أولي الأمر في السلطة أحادية الجانب، هؤلاء/ أولئك الذين يجردون الكرد من كينونتهم القومية والإنسانية في جغرافيتهم التي قسّمت وأُلّبت عليهم تاريخياً.
من هذا المنظور الحدودي، يُنظر في الذي جاء وصفاً لزازا عن سيرته:
( عند ولادتي كانت كُرْدستان تعيش إذاً وضعاً مأساوياً حقيقياً فالمناطق الشمالية كانت مسرحاً للمعارك بين الروس والعثمانيين وأصبحت مدمّرة حيث اضطر سكانها إلى الهجرة والنزوح نحو الجنوب وغرب البلاد والقسم الباقي من كُرْدستان كان يعيش ركوداً اقتصادياً.) .ص17.
وما جرى إثر انتفاضة الشيخ سعيد:
في مادن” مسقط رأسه” قاموا باعتقال حوالي ثلاثين شخصاً ومن بينهم والدي وأخي الكبير وعمي وابن عم بعيد آخر، عثمان أفندي، الذي ارتكب جريمة إعلانه عن تمنياته ” بالنجاح ” للشيخ عبدالرحيم حين وصوله إلى المدينة. وقد اقتادوهم في ليلة باردة جداً إلى بيران وفي اليوم التالي لوصولهم أخذوهم وأياديهم مغلولة بسلاسل طويلة إلى الساحة العامة أمام الناس المجتمعين وأرغموهم على الاعتراف بمشاركتهم ودعمهم للثورة وأجبروهم على سب وشتم الشيخ سعيد وحينما أصرّ الضابط بأن يعترفوا بجريمة التعرض للسلطة، وبأن يقوموا بإهانة الشيخ سعيد لم يستطع ابن عمنا عثمان تمالك نفسه، فصرخ:
-المجد والخلود للشيخ سعيد ولتحيا الثورة!
انذهل الضابط من رد الفعل- وكان يخشى تظاهرة شعبية- فأمر بإعادة المعتقلين فوراً إلى السجن حيث قاموا بضربهم وإهانتهم، وعند مجيء الليل طلب الضابط من جنودهع بربط عثمان على جذع شجرة في ساحة السجن، كما أمرهم بسكب الماء على جسده إلى أن تبلل كل ثيابه ومن ثم تركه على حاله في ليلة كان البارومتر يشير إلى خمس وثلاثين درجة تحت الصفر، وفي الصباح تحول ابن عمر إلى قطعة جليد..) ” 15 “.
يبقى الجرح مشتركاً، والتباين في الرؤى، قائماً على أرضية واحدة، والكل في المصير الواحد كرد.
ربما بالصورة هذه، يمكن تجسير الفجوة بين سيرة عالم ومسيرة مناضل، بلحمة كل من التاريخ والجغرافيا.
وما يمكن أن يرفدنا به ” بنخت ” يضعنا في مواجهة هوة تاريخية تتربص بالكرد من جهاتهم الأربع.
مصادر وإشارات
7-أصليخان يلدرم: كُرْدستان والحدود في القرن العشرين، بالكردية،منشورات آزاد، لندن ، ط1، 2013 ، الترجمة العربية: إبراهيم محمود، مراجعة وتدقيق الأستاذ الدكتور: عبدالفتاح علي البوتاني، منشورات الأكاديمية الكردية،ط1، 2016، أربيل، ص 31.
8-المصدر نفسه. ص 745.
9-بول ريكور: الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق: د. جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد، بيروت،2009، ص 83.
10-جكرخوين: سيرة حياتي، ص 30. النسخة الكردية، ص 24 .
11-سليم بركات: السبرتان، منشورات الجمل، بيروت، 2017، ص 5.
12-جكرخوين، سيرة حياتي، ص 9 . المعطيات نفسها في النسخة الكردية..
13- أكرم جميل باشا: مذكراتي،الترجمة من التركية إلى العربية:د. قدري الدياربكري، المراجعة اللغوية والتقديم: فدان آدم، بير، ديار بكر، ط3/ 2007 ، ص 27 .
14-محمد جمال باروت: التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية، ص 784.
15- نورالدين زازا: حياتي ككُرْدي، ترجمة: خسرو بوتاني،آراس،أربيل،ط1، 2008، ص 17-41.
” يتبع ”

التعليقات (0)