قراءة في كتاب

سردية الشيخ الموقَّر : محمد عيسى-2-

إبراهيم محمود

السؤال عن العنوان وما قبله

” الشيخ محمد عيسى : سيرة عالِم.. ومسيرة مناضل ” “1”، عنوان يتقدم الصائر كتاباً، هو صنعة الآخر، أي ليس صياغة من الشيخ نفسه، كما هو معلوم. للعنوان حقه من كشف حساب القيمة ومرجعها.

بالنسبة للباحث في التاريخ، أو للمنقّب في كل ما ينتمي إليه: حدثاً، أو خبراً عادياً، أو أي أثر، ليس من السهل تنسيبه إلى التاريخ، أي ما يصيّره  أو يزكّيه محط نظر ومقروءاً، إنما لا بد من إخضاعه للمساءلة،، كما هو المدرج في المعرَّف به ضمناً، أي كما هو محكّ التاريخ: تمحيص معلومته، تحديده زماناً ومكاناً، حيث لا يعود الصوت الذي يشدنا إلى منبعه” الذاكرة ” مأخوذاً في الحسبان، بقدر ما يصبح هو نفسه في معرض السؤال: لماذا لم جرى تحويله إلى كلمات مسطورة من قبل آخر، وليس من قبل صاحبه؟ وليكون لحساب المدة الزمنية التي تشكل عمر الصوت المسجَّل، بدوره، مقامه في تقدير محتواه.

بصيغة أخرى: لماذا يسجل الشيخ صوته، بحضور سواه، وليس بمفرده، ولم يقم هو مباشرة بكتابة ما يُعرف بـ” سيرته، مذكراته، ذكرياته…إلخ “؟ ذلك سؤال ما يسبق العنوان، ويصنّف نوعية محتواه.

العنوان لائحة اعتبار لاحقة على الشيخ، من قبل المعنيين بأمره: باسمه، وتاريخه الشخصي بعد طول انتظار ، إذ ثمة أكثر من ثلاثة عقود زمنية ونصف العقد بين تاريخ التسجيل وطباعة الكتاب.

إن كل تبرير يؤخذ به ، لجعل المنشور معاصراً لنا، وفي موضوع كهذا، لا يمرَّر تاريخياً، لحظة الربط بين الوارد في نطاق الصوت المسجل وفحواه، وما له صلة مباشرة بالظروف المحيطية به: من سياسية، اجتماعية، ونفسية وغيرها، وعلى قدْر المنصوص عليه بين دفَّتي الكتاب، يحضر التاريخ بلغته الكاشفة والممتحِنة له.

وفي علاقة من هذا النوع، يخضع كل مُسهم في إخراج الكتاب إلى النور، في معرض المساءلة بالمقابل، ليس من باب الظن في الذين قام به هذا أو ذاك” حال من قام بالإعداد والتحرير وقبلهما”، إنما لأن ثمة ضوابط تاريخية تعلو كل حقيقة جانبية، كما تقدَّم ، تجيز للكتاب في أن يكون كتاباً كما هو، وليصادَق عليه بمقداره.

هناك من كتبوا مذكرتهم، من رموز الكرد المعروفين قليلاً أو كثيراً، كما في حال صالح بدرخان، أكرم جميل باشا، جلادت بدرخان، مذكرات الأمير كاميران بدرخان ” 2 ” جكرخوين، أوصمان صبري، نورالدين زازا…إلخ.

تبقى للذاكرة خاصية أخرى لحظة التعامل معها هنا، بقدر ثِقَل المعلومة وتمثيلها المجتمعي، حيث إنها من ناحيتها، لا يًصغى إلى صوتها، كما لو أنها ممثلة الصوت المنفرد فيها، فهي مقرَّرة بعلامة فارقة جماعية.

في عُرْف التاريخ، وتدوينه، ثمة عرف واحد، لا عُرْف سواه، وهو المتوقف عليه. إنه لسان التاريخ الذي يتكلم مسطوراً، أو مرئياً من خلال أثر مادي، يخضع للتحليل المطلوب تاريخياً. إدخال أي معلومة، وبصفتها معلومة إلى مجال يجري الاهتمام الدوري به كثيراً، من باب الاستحالة، دون التأكد من حقيقة نسبها الدقيق.

بالصورة هذه، لا يعود العنوان مسنداً من جهة الشيخ، لأنه توصيفي، ولا يدخل في صلاحيته، أي نفوذ يجيز له مثل هذا المرور عبر عتبة المكاشفة التاريخية، إلى حاضنته، ربما يتطلب ذلك مضاعفة التركيز على المحتوى، لأن المذكور في مقام شاهد، هو في حكم الغياب، الغياب الأبدي، وقبل ذلك، لأن المعني” الشيخ ” كان له حضوره الفعلي في تاريخ محسوس، وترك أمر ” سيرته ” هذه لمن يأتي بعده، ولماذا ليس هو.

توضيحاً لهذا النوع من العلاقة، أشير إلى ما استهل به  شاعرنا الكردي الراحل جكرخوين” قصة حياته “:

(  قصة وحدث حياتي جزء من حركة وأحداث الشعب الكردي في منتصف القرن العشرين الميلادي في جزء من كردستان، والتي ضُيّعت، وأرخت ستارة اللاجدوى والجهل ذيلها مثل ليلة سوداء. يضم تاريخ حياتي بينه بعض الأحداث التي رأيتها بنفسي، أو ترعرعت بينها، أو نُقِلت من أفواه أناس صادقين وثقات.

…

ثم في الصفحة نفسها، وتوضيحاً أكثر لطريقة تناوله لهذه السيرة الذاتية الخاصة به:

لكن من الضروري أن يُعرَف أننا بقدر ما نستطيع لن ندع الأكاذيب، والأوهام والأهواء تتخذ لنفسها مكاناً بين صفحات هذا الكتاي. ونريد أن نبيّن، ونكتب بصدق ، كما رأينا وسمعنا، فالأحدث التي جرت في زماننا وتجري أظهرها لكم بإيجاز، وسأذكر اسم راوي الحادثة التي سمعتها من أفواه بعضهم، لكن تلك التي رأيتها بنفسي سأكتبها دون راو..) “3 ”

طبعاً، ثمة كلمة لدار النشر قبلها،ما يعزز هذه العلاقة، وإبعاد أي شبهة جهة التعامل مع سيرة شاعرنا، والتي صدرت بعد رحيله الأبدي، بأكثر من عقد زمني، وهذا لا يفوَّت من ناحية المكاشفة النقدية بالتأكيد:

( مذكّرات المثقفين والمناضلين ذات مكانة نفيسة وخاصة في تاريخ الشعوب المضطهَدة. ولا تزال مذكرات كهذه هامة وضرورية للكرد، لأن تاريخ الشعب الكردي بقي في الظلام، والكرد أغلبهم لا اطلاع لديهم على تاريخهم، ولذا لا يستطيعون أن يتلقوا منه العِبر أيضاً.

اسم الكتاب سيرة حياتي، وجكرخوين نفسه أطلقه عليه، ولم نجر أي تغيير في لغة جكرخوين ما عدا تصويب الكتابة..).

في المكتوب آنفاً، ثمة ما يؤكد ما هو استثنائي بالمقابل في شخص الراحل. ولقد كان له حضوره الكاريزمي، وهو ما لا يمكن الشك فيه، إنما إلى إلى أي مدى، وكيف، وكيف جاءت سيرته..إلخ فهذا من مهام حدس قارئه!

وللتوضيح أيضاً، أسمّي مثالين آخرين، مغايرين للسالف ذكره.

أشير بداية إلى ما أفصح عنه الراحل محمد ملا أحمد  في تقديمه لكتابه ذي الصلة بتاريخه الحزبي، وما يضمّنه مقدمته من تعابير معطوفة عليه، وباسمه مباشرة، وما في ذلك من خاصية سِيَرية:

( في مسيرة الشعوب النضالية، مطبات وأخطاء ونكسات كثيرة بجانب الانتصارات الصغيرة والكبيرة، ونحن، الشعب الكردي كغيرنا من شعوب العالم، لنا ما لغيرنا من هذه النكسات والأخطاء..

ومن جهة التعامل مع الماضي بوطأته: ثم أجد نفسي بشكل من الأشكال، وكأنّي موضع تساؤل عن موقفي لأني زمن الأحدث كنت شريكاً في وقائعها منحازاً إلى طرف أشارك في مواقفه وصنعها ، فأتحمل كغيري من الرفاق مسئولية وقوعها.

والآن، ما هو الموقف؟ أحس في نفسي، إنه من واجبي أن أكون حيادياً، حين الكتابة عن الأحداث القديمة، ووقائعها الكثيرة. أوردها كما حدثت في الماضي على حقيقتها، دون تزويق مني، أو تعديل فيها.) ” 4 ” .

وأشير إلى المثال الآخر، وهو يحمل صفة المباشرة الشخصية، وهو يخص الراحل حميد درويش، كما يُذكَر في غالبية أدبيات الحركة الكردية في سوريا، أو عبدالحميد درويش، باسم كتابه عما تقدم، في خاصيته السيرية أيضاً:

( لقد حرصت في كتابة هذه المذكرات على الالتزام بالأمانة ، والحقيقة في إثراد الوقائع والأحداث كما هي دون زيادة أو نقصان، ونقل الأقوال والأعمال التي بدرت من هذا أو ذاك بعيداً عن المحاباة من جهة، أو الانتقام أو الإساءة لأحد من جهة ثانية.) ” 5 ”

في مقدور أي قارىء، أن يمضي مع الكتابين هذين، دون أي حساب جانبي، لأنهما يحملان اسميهما، وعنوانين، من وضعهما، وكل ما يعنيه الكتاب إعداداً ونشراً وحتى توزيعاً بالمقابل.

لكن كتاب ” الشيخ محمد عيسى ” يصعّب مهمة القراءة، والعلاقة وهي تجاوزية ومركّبة، ولا بد منها .

هنا، ما علينا إلا أن نتوقف عند عتبة العنوان، وما ورد في سياقه في التقديم، حرصاً على التاريخ الذي يجري توخّيه، ودفعاً لأي مظلومية مقدَّرة، أو مفترضة، لأن النص الفعلي للكتاب حرّر من صوته بعد عقود زمنية.

 

مأثرة العنوان، قلق التاريخ

أحياناً، لحظة التذكير بالتاريخ، يتم استدعاء” الميزان” والذي -بدوره- يستحضر الإنصاف أو العدالة في العلاقة البينية: فثمة الميزان” ميزان التاريخ ” ولا بد أننا إزاء كفّة تعنيه، وثمة وحدة لقياس الوزن، كما هو معتاد. أي وحدة هذه تكون بالنسبة للتاريخ؟ لا بد أن هناك الواقعة، الحدث، أي مادة تحمل بصمة إنسانية.

كل ما هو خارج هذا المنوّه إليه: حدثاً، واقعة، لا يعتد به ليوضع في الكفة المقابلة.

في عنوان الكتاب، ما يحركه تاريخياً، وبمحتواه، يقصيه جانباً، بصورة فعلية، لأنه، في بنيته، صنيع من أراد للكتاب أن يظهر إلى النور، وبالطريقة التي يُعرَف إعداداً وتحريراً.

هذا ليس نفياً لمادة الكتاب، كما أشسيرَ إليه، وإنما محاولة منح الاسم/ العنوان، مشروعية اعتباره عنواناً يقبله التاريخ.

سواء، أكان الاستهلال، أو الإهداء، نحن إزاء من يمهّد لكتاب لم يحرّره حامله باسمه.

هكذا يأتي المضاء جهة الكتاب المنتظَر” هذا الكتاب “، حيث أورد ما يفيد هذا التوجه المفصَح عنه:

لم يكن من السهل أن نخط كتاباً عن حياة الشيخ محمد عيسى، تلك الشخصية الفريدة التي أضفت على زمانها روحاً وحضوراً استثنائيين. ومهما حاولنا جاهدين أن نلمّ بكل تفاصيل مسيرته، فإن كتاباً واحداً لن يكفي ليحيط بكافة أبعاد هذه القامة السامقة، وستظل بعض الجوانب خافية في الظل ، بعيدة عن متناول الاٌقلام. ص 9 .

هناك من حاول التأريخ السيَري له دون نتيجة ملموسة” توفيق الحسيني”، وكذلك” ملا سعيد دوندار ” ، ليكون التالي:

وهكذا، جمعنا في هذا الكتاب ما تفرَّق من جهود ، فضمّنا بعضاً مما خطه الأستاذ توفيق الحسيني، وما دونه ملا سعيد، وأضفنا إليها ما استطعنا استخلاصه من التسجيلات الصوتية النادرة، والوثائق المتوفرة لدينا، ليخرج هذا العمل مزيجاً من الشهادات الحية والذكريات المضيئة..ص10.

نعم، في مقدور أي كان، أن يتلمس شغفاً في المعنى الموصول بالشيخ، لكنه في تقريظه، لا يمهد لكتاب من ” صُلْبه “، وفي جهود مذكورة، ومحل تقدير طبعاً، سوى أنها ترسم صورة للكتاب، خلاف أي صورة له، فيما لو جاء محرراً، ومباشِراً، كما في حال المثالين آنفي الذكر.

سينقسم انتباه القارىء، وربما يتشتت بين طريقة الإعداد للكتاب وتحريره، ونوعية الكتاب فعلياً.

لو كان الكتاب مخطوطاً، وقدّم من هذه الزاوية، لكان الطريق إليه معبداً دون حواجز تُذكر، أو أخذ المسافة الفاصلة بين أي مقدمة تخصه، من قبل أي كان، والمادة المحررة، وكما هي مخططة.

الكتاب المقدَّم يخرج عن هذا النوع من العلاقة !

في الكتاب، ما هو أكثر من الكتاب، جهة الإضافات، عدا طريقة الإعداد والتحرير القابلة للمساءلة طبعاً.

أعيد الفقرة الأولى، للنظر فيها:

( لم يكن من السهل أن نخط كتاباً عن حياة الشيخ محمد عيسى، تلك الشخصية الفريدة التي أضفت على زمانها روحاً وحضوراً استثنائيين. ومهما حاولنا جاهدين أن نلمّ بكل تفاصيل مسيرته، فإن كتاباً واحداً لن يكفي ليحيط بكافة أبعاد هذه القامة السامقة، وستظل بعض الجوانب خافية في الظل ، بعيدة عن متناول الاٌقلام.).

ثمة توصيف للجهد المبذول، إنما مع تعظيم الشخصية وتفخيمها بشكل لافت.ذلك قابل لأن يكون محط اهتمام مركَّز من قارىء التاريخ ودرسه، خصوصة في الاحتفاء بالآخر، قبل التعرف عليه، وأكثر من ذلك، لحظة الإشارة إلى العجز الذي ينال من أي كان، حين يحاول الكتابة عنه، لوجود شخصية لا يحاط بها. حسنٌ إذاً، من أين جيء بمثل هذا التقريظ؟ أمن معرفة متوقفة عليه، ومن قبل المساهميْن في إعداده وتحريره؟ لكن ذلك لا يعني ” التخليص ” للكتاب المرسوم بطريقة خارجية، بعيداً عن مقاربة نقدية لخلفية ثناء كهذا، ومن خلال هذا المد المتعالي: الزماني والمكاني. وكيف لم تبصر الشخصية هذه، النور، بعد كل هاتيك العقود من السنين، ولو في كتيّب، وهي بمثل هذه الحمولة القيمية، سواء بكتابة من الشيخ نفسه، أو ممن له علاقة به؟!

أعني بذلك، أن الحديث عن الشيخ الذي تفصلنا عنه مدة زمنية، وليس بيننا من نقاط ارتكاز مرئية ومحسوسة تماماً، أو خطوط تواصل مفتوحة، تسمّيه مباشرة، تتطلب، لحظة التفكير في التاريخ، ما يبقينا في التاريخ.

إننا بذلك، نكون في مواجهة لائحة من الروايات : تلك التي تشير إليه، في شخصه، بصفته محور الكتاب، مادة، ومحتواه، في المجمل، وتلك التي تنزع عنه هذه المركزية، لأنه لم يحل في المصنَّف كتاباً، إل بالوكالة وليس بالأصالة، إن جاز التعبير، أولاً، لأنه نزيل ” شريط تسجيل ” وكيف جرى أو تم، وكيفية إفراغه، أواحداً أو أكثر، وطريقة التعامل مع المسجَّل، إلى جانب روايات آخرين، أسهموا في إظهار الكتاب هكذا.

يزداد الوضع تعقيداً، لحظة مكاشفة ” سردية الحركة الكردية ” وكيف جرى ويجري نسجها، أو ضبطها تاريخياً، لوجود أكثر من سردية خاصة، جهة العموم” الحركة ” كما رأينا، وسنرى أكثر.

ولعل الذي يقوله محمد جمال باروت، عن كتاب حميد درويش، ينطبق على كتاب محمد عيسى، بصورة دقيقة وأكثر، نظراً لتداخل الروايات( مثَّل كتاب عبدالحميد درويش عن نشوء ” البارتي ” أول الكتب . وفي حمأة الصراع الحزبي اشتدت حرب الروايات ، وتمَّ فيها إبراز ما يعتقد أن درويش حاول تهميشه، وفي مقدمته دور الشيخ عيسى ويعكس ذلك حدة الصراع على أبوَّة الحركة الكردية السورية الحديثة التي مثَّلها ” البارتي”، باعتبار أن ” خويبون” كانت منظمة قومية كردستانية مرتبطة بقضية كردستان تركيا. والحقيقة أن هذه الروايات بالنظر إلى كثرة مشكلاتها تستدعي تطبيق منهج النقد الداخلي والخارجي بصرامة تامة تقترب من صرامة المدرسة ” المنهجية ” في التعامل مع المعلومات.) ” 6 ” .

ذلك ما يمكن النظر في فحواه، لمعرفة حدود أنشطة الشيخ، واستناداً إلى سيرته التي أبصرت النور بعد رحيله بعقود زمنية. إنما ما يؤخّر الوصول إلى هذه السيرة، هو وجود عنوان آخر، يخص والده الشيخ الراحل ” محمود القره كوي ” وفي نبذة عن حياته، رغم أن مقدمة الكتاب” ص 15 ” تركّز على الشيخ محمد عيسى ابن الشيخ محمود، وليس من إشارة إليه في التقديم. ماالذي كان يؤثر في بنية الكتاب، لو جاء التركيز على الشيخ مباشرة، وتنحية سيرة والده جانباً، بما أن هناك أكثر من نقطة إضاءة تعنيه في سيرة الشيخ محمد عيسى؟ وأكثر من ذلك، حين يأتي العنوان المتعلق بالوالد أكثر صواباً، في الجزء الأول، من العنوان المتعلق بالشيخ محمد عيسى” رحلة في ذاكرة الشيخ محمد عيسى “، وما تنطوي عليه الصيغة من إحالة فورية، بمجردج الاطلاع عليه، على الشفاهة، أو الذاكرة، وباعتماد ” الرحلة ” جالبة المتاعب في جغرافيتها. وحيث العنوان هذا جاء من لدن المعدين والمحرّرين، لنكون ما هو أوسع وأعمق مما جرى التقاطه وتسطيره.

في المقدمة ثمة ما يرجع بنا إلى فقرة” هذا الكتاب ” بداية، وأنا أورد التالي:

التاريخ بصفته مرآة الأمم وذاكرتها الحيّة، لا يكون دائماً منصفاً أو عادلاً..ص15.

والسعي من قبل المعدّيْن المحررين إلى تجنب ( طغيان الهوى وزلل الانحياز..ص16)

وما يوضح الصورة: في مسار التاريخ الكردي الحديث، تتشابك خيوط الدين والسياسة في نسيج واحد يصعب فصله. ص 16 .

ثم في الإشارة إلى الشيخ: أدرك الشيخ محمد عيسى، بصفاء بصيرته وعمق إيمانه أن الوطنية الصادقة ليست سوى وجه آخر من وجوه العبادة..ص17.

وتالياً: إن دراسة سيرته ليست مجرد تاريخ لحياة شخصية استثنائبة في تاريخ الكرد فحسب، بل هي نافذة تطل على مرحلة دقيقة من تاريخ كردستان وسورية معاً. ص 18.

إنها جملة إشارات وامضة، مشعة، للتعريف السريع بالشيخ ومكانته.

وتعني المقدمة: أن المسطور عبارة عن تصويب التاريخ، وما جرى تضمينه الكتاب، يعزز هذا التوجه.

في المقروء هنا، لا قراءة في مضمار كهذا، تسْلَم من أسئلة تحذير، تنبيه، إيقاظ لقوى غير متنبَّه إليها في المتن، عند الحديث عن ” براءة ذمة ” من الحقيقة، ثمة نسبية في كتابة التاريخ. وإذا سلّمنا جدلاً بصواب القول هذا، فهذا ينطبق على مجمل الذين كتِب عنهم، أو كتبوا سيرهم بأنفسهم، ممن ذكرنا أسماءهم، وفي تاريخ مقدَّر في نوعيته، جهة الذين دونوه، وفرضوه على الكرد، وليكون للإنصاف، مثلاً، منحى آخر، يسمّي أحياناً حالة القصور، من قبل الشخص هذا أو غيره، في تقديم نفسه: مفرداً بصيغة الجمع، كغيره في تاريخه!

ما أقوله، ليس طعناً في المقولة المتقدمة للكتاب، وكما نوهت سابقاً، وإنما، ما ينبغي التنبه إليه، جهة مفهوم التاريخ، ومن يعنى به، وكيفية دخوله، في تحمّل صعابه، بعيداً عن المديح الذي يشوش على صورته.

ذلك ما تلمسناه لدى آخرين، جهة التأكيد على الإخلاص لإرادة الحقيقة، فأي شاهد عيان في اللوحة الخلفية والكريستالية للتاريخ، يبصم بـ” العشرة” كما يقال، على أن كل كلمة وردت هنا وهناك، لا تشوبها شائبة؟

إنه السؤال الذي يقلق كلَّ كاتب في التاريخ، أو باحث فيه، لأنه يضعه في مواجهة ما يعجز عن ضبطه تماماً، وليس في مقدوره الزعم عن أنه يمثّل الحقيقة وكم هي مختلَف عليها في تاريخها الكردي!

من هنا يمكن البدء!

” يتبع ”

 

مصادر وإشارات

1-أنوّه هنا إلى أنني أعتمد على النسخة العربية من كتاب” الشيخ محمد عيسى ” فثمة النسخة الكردية بالمقابل” وقد أهديتا إليّ من قبل حفيده الدكتور أحمد، وهو مشكور بداية ونهاية، وما تناولي للكتاب إلا من موقع التقدير، وأضيف نقطة أخرى، لـ: خصوصيته ، مقارنة بسِير أخرى، في مسلكها الديني والدنيوي، حيث إن تناولي لعمله هذا، وهو نقدي، لا يقلل من قيمته، بالعكس، وكما أرى، يشكل ذلك جهداً إضافياً في الممارسة النقدية، تلك التي تعتمد العلاقة مع النص، كنص،ومحاولة تجنب أي مجاملة من قريب أو بعيد، ثانياً، كما هو الممكن تبيّنه هنا وهناك، فيما يشبه الظاهرة الثقافية، للأسف، وهي إحدى أكبر العلل في أدبياتنا الكردية ذات الصلة!

2-ترجمتها عن الفرنسية، ضمن كتابي: قطاف التاريخ ” مشاهد ثقافية للثورة الكوردية” دراسة في نصوص مترجمة عن الفرنسية”، انسيكلوبيديا الحزب الديمقراطي الكوردستاني، دهوك، 2021.

3- جكرخوين: سيرة حياتي، ترجمة: جوان وديلان، مطبعة بافت، ص 9 .

في النسخة الكردية:

Cigerxwîn, Jînîngariya min,APEC, çapa yekemîn Stockholm,1995 , 7

واعتمادي على النسخة العربية هنا، لتوفرها، أو ربما لسهولة الوصول إليها.

4- محمد ملا أحمد: صفحات من تأريخ حركة التحرر الوطني الكردي في سورية، رابطة كاوا، أربيل، ط1، 2001.ص 7-10.

وقد كتبت المقدمة، في آذار 1991، القامشلي، كما هو منوّه إليها في الداخل.

5- عبدالحميد درويش: أضواء على الحركة الكردية في سوريا ( أحداث فترة 1956-1983 ) طبعة 2000، ص 4.

6-محمد جمال باروت: التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية ” أسئلة وإشكاليات التحوّل من البدونة إلى العمران الحضري”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ط1، 2013، ص 785.

وحين أستشهد بباروت، هنا، فتركيزي، على النقطة المحورية، لمفهوم ” الرواية ” التاريخية، بعيداً عن جانب التسويق في قوله، وهو يتناول موضوعه، من الزاوية التي تعنيه تاريخياً، وليس التاريخ في عمومه.

 

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى