مقالات

الملل من المألوف: العقل في بحثه الدائم عن المجهول

الملل من المألوف: العقل في بحثه الدائم عن المجهول

صبحي دقوري
يبدو الملل، في ظاهره، عارضًا نفسيًا بسيطًا: ضيقٌ من تكرار الأيام، وتبرّم من الأشياء التي فقدت بريقها، وتعلّق بما لم يُجرَّب بعد. غير أنّه، في عمقه، يكشف عن خاصية مركزية في العقل الإنساني؛ ذلك العقل الذي لا يقيم طويلاً عند حدود المعرفة الجاهزة، ولا يرضى بأن يكون العالم صفحةً مقروءةً إلى الأبد. فالمألوف، حين يستنفد دهشته، يتحول إلى صمت؛ والعقل الذي خُلق للسؤال يشعر عندئذٍ بالحاجة إلى نافذة أخرى، وإلى سرّ جديد يوقظ فيه يقظة الاكتشاف.
الإنسان لا يفتّش عن الجديد حبًا في التبديل وحده، بل لأن في داخله قوةً تدفعه إلى تجاوز ما عرفه. الطفل الذي يفكك لعبته لا يريد إتلافها، وإنما يريد أن يعرف ما يختبئ تحت شكلها. والعالِم الذي يلاحق ظاهرة غامضة لا يرضى بأن يصفها، بل يريد أن يفهم قانونها. والفنان الذي يعود إلى المشهد القديم لا يراه بعينيه السابقتين، وإنما يحاول أن يمنحه لغةً جديدة. هكذا يتحول الفضول إلى طريقٍ من طرق الحرية، ويغدو السؤال فعلًا إنسانيًا يرفض أن يعيش على سطح الأشياء.
في المألوف راحةٌ ضرورية، إذ لا يمكن للإنسان أن يبدأ حياته من الصفر في كل صباح. العادة تحفظ الجهد، وتمنحنا نظامًا نستطيع أن نتحرك داخله. لكنها، إذا استبدت بالروح، تغلق منافذ الدهشة وتحوّل الحياة إلى تكرار آليّ. عندها لا تتغير الأشياء في الخارج فحسب، بل تبهت قدرة الإنسان على رؤيتها. يرى الشجرة ذاتها كل يوم، لكنّه لا يعود يرى خضرتها؛ ويجلس مع الأشخاص أنفسهم، لكنه لا يصغي إلى ما تبدّل في أصواتهم؛ ويقرأ الكلمات ذاتها، فلا يشعر بما يختبئ وراءها من حياة.
من هنا كان الملل، أحيانًا، إنذارًا داخليًا نافعًا. إنه يقول للإنسان إن في علاقته بالعالم شيئًا يحتاج إلى تجديد: نظرةً أخرى، أو معرفةً أعمق، أو تجربةً تخرجه من دائرة التلقي البارد. وليس المقصود أن يهرب المرء من كل ثابتٍ في حياته، لأن الهروب الدائم شكلٌ آخر من العجز. المقصود أن يستعيد القدرة على الرؤية، وأن ينقذ أيامه من الاستهلاك، وأن يجد في المألوف نفسه وجوهًا لم يلتفت إليها من قبل.
إن تاريخ البشر هو تاريخ هذا القلق النبيل أمام المجهول. لولا الضجر من الإجابات السهلة لما نشأت الفلسفة، ولولا عدم الرضا عن تفسيرٍ ناقص لما تقدّم العلم، ولولا التمرد على اللغة المستهلكة لما وُلد الأدب. كل اكتشاف كبير بدأ غالبًا بسؤال صغير: لماذا؟ وكل سؤال صادق كان إعلانًا بأن الواقع لا ينتهي عند ما نراه. لذلك لا يكون المجهول عدوًا للإنسان، بل أفقًا يختبر فيه قدرته على الفهم والإبداع.
والغموض، بدوره، لا يثير الإنسان لأنه يعجزه فقط، بل لأنه يستفز فيه طاقة التأويل. عندما يواجه العقل أمرًا مركبًا، فإنه لا يكتفي بدهشته الأولى؛ يبدأ بتحليل العناصر، وربط الأسباب بالنتائج، ومقارنة الظواهر، وبناء الفرضيات. في هذه الحركة يتحول الغامض إلى معرفة، ويتحول الخوف من المجهول إلى رغبة في اكتشافه. إن وظيفة العقل ليست أن يملأ الذاكرة بالمعلومات فحسب، بل أن يحوّل الفوضى إلى معنى، والتشتت إلى نظام، والظن إلى فهم.
لكن البحث عن الجديد يفقد قيمته حين يصبح إدمانًا للانتقال السريع من شيء إلى آخر. فالجِدّة الحقيقية ليست في تغيير المكان أو الأشخاص أو الأشياء بلا انقطاع، وإنما في تجديد العلاقة بما حولنا. قد يجد إنسانٌ يعيش في المدينة نفسها منذ عقود معنى جديدًا في شارعٍ قديم، أو في كتابٍ أعاد قراءته، أو في حديثٍ صادق مع صديق. وقد يسافر آخر إلى أقاصي الأرض ويبقى أسيرًا لعينيه المغلقتين. التجديد يبدأ من الوعي، قبل أن يبدأ من الحركة.
لذلك فإن أرقى أشكال مقاومة الملل ليست الجري وراء الإثارة، بل تعلّم الإصغاء. الإصغاء إلى العالم، وإلى الناس، وإلى ما يمرّ بنا كل يوم دون أن نتوقف عنده. حين نتعلم أن نسأل ونلاحظ ونتأمل، يصبح المألوف أقلّ رتابة، ويصبح كل شيء قابلًا لأن يكشف عن وجهه المستتر.
العقل الإنساني، في جوهره، عقلُ كشفٍ وتجلٍّ. يلاحق الخفيّ كي يجعله ظاهرًا، ويفكك المركّب كي يفهمه، ويقترب من الغامض كي يمنحه لغةً ومعنى. ومن هذا القلق الخلّاق وُلدت الحضارات، ومنه يتجدد الإنسان كلما كاد أن يغرق في سكون العادة.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)

التعليقات (0)

أضف تعليقك

مقالات أخرى